
من بين أكثر الافتراضات رسوخاً في النظم التعليمية عبر التاريخ، الاعتقاد بأن التعلم هو عملية تزداد قيمتها كلما ازداد ما يحفظه الإنسان من معلومات. ولذلك ظل التعليم، في معظم مراحله، يقاس بما يختزنه العقل من معلومات، وبما يستطيع صاحبه أن يسترجعه عند الحاجة، حتى أصبح الامتحان في كثير من الأحيان امتحاناً للذاكرة أكثر منه امتحاناً للفهم! غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل سيجعل الذكاء الاصطناعي التعلم أسهل؟ وإنما: هل سيبقى التعلم نفسه هو العملية التي عرفها الإنسان طوال آلاف السنين؟
فلقد فرضت البيولوجيا على الإنسان، منذ نشأته الأولى، أن يتعامل مع المعرفة بوصفها مورداً نادراً. فالكتب كانت قليلة، والمراجع بعيدة، والأساتذة محدودين، والوصول إلى المعلومة يحتاج إلى سنوات من الدراسة والخبرة. ولذلك كان من الطبيعي أن تصبح الذاكرة البشرية هي الوعاء الرئيس للمعرفة، وأن ينشأ التعليم كله حول فكرة تزويد هذا الوعاء بأكبر قدر ممكن من المعلومات.
ومن هنا يمكن فهم كثير من الأساليب التعليمية التي ورثناها. فقد كان الطالب مطالباً بحفظ القواعد، والنصوص، والتواريخ، والتعاريف، لأن فقدانها كان يعني فقدان القدرة على استخدامها. وكذلك كان المعلم هو المصدر الرئيس للمعرفة، وكانت مكتبة المدرسة تمثل حدود العالم الذي يستطيع الطالب الوصول إليه. وفي مثل هذا الواقع، كان حفظ المعلومات فضيلة معرفية لا غنى عنها.
أما اليوم، فإن الانعطافة التطورية الثانية تضع الإنسان في مواجهة واقع مختلف جذرياً. فلم تعد المشكلة الأساسية هي نقص المعلومات، بل فائضها. ولم يعد التحدي هو الوصول إلى المعرفة، بل القدرة على التمييز بينها، ونقدها، وربطها، واختيار الأنسب منها. وأصبح الإنسان يعيش في عالم يستطيع فيه أن يحصل، خلال ثوانٍ، على كمية من المعلومات كان الوصول إليها يتطلب، في الماضي، سنوات طويلة من البحث.
وهنا يبدأ معنى التعلم بالتغير. فإذا أصبحت المعلومة متاحة على الدوام، فإن القيمة لم تعد في امتلاكها، بل في معرفة كيفية التعامل معها. ولم يعد السؤال: “ماذا تعرف؟”، وإنما: “كيف تفكر فيما تعرف؟” فالإنسان الذي يحفظ آلاف الحقائق قد يكون أقل فهماً ممن يعرف كيف يسأل السؤال الصحيح، أو كيف يختبر قوة البرهان، أو كيف يكتشف التناقض بين فكرتين تبدوان، في الظاهر، متوافقتين.
ولعل هذا التحول يعيد الاعتبار إلى مهارة ظلت مهمشة في كثير من البيئات التعليمية، وهي مهارة طرح الأسئلة. فالإنسان، في عصر الذكاء الاصطناعي، لن يتميز بما يحمله من أجوبة جاهزة، لأن كثيراً من هذه الأجوبة أصبح في متناول الجميع، وإنما سيتميز بقدرته على صياغة الأسئلة التي تكشف ما لا يظهر على السطح، وتفتح آفاقاً جديدة للفهم.
ومن هنا فإن وظيفة التعليم لن تعود تقتصر على نقل المعرفة، بل ستصبح بناء العقل القادر على التعامل مع المعرفة. فالمدرسة والجامعة لن تكونا المكان الذي يتلقى فيه الإنسان المعلومات فحسب، بل المكان الذي يتعلم فيه كيف يختبر الأدلة، وكيف يميز بين الحجة القوية والحجة الضعيفة، وكيف يراجع قناعاته إذا ظهر ما يستدعي مراجعتها.
وفي ضوء الميتابايولوجيا، يكتسب هذا التحول بعداً أعمق. فإذا كان فائض التمثل يدفع الإنسان إلى البحث عما يؤكد قناعاته، فإن التعلم الحقيقي في عصر الانعطافة التطورية الثانية يجب أن يدرب الإنسان على مقاومة هذا الميل. ولن تكون الغاية أن يخرج المتعلم وهو أكثر اقتناعاً بما كان يعتقده، وإنما أن يخرج وهو أكثر قدرة على اكتشاف مواطن الخطأ في أفكاره، وأكثر استعداداً لتعديلها متى اقتضى البرهان ذلك.
ولعل الذكاء الاصطناعي سيكون الشريك الأهم في هذا التحول. فهو لا يقدم المعلومات فحسب، بل يستطيع أن يقارن بين الحجج، وأن يقترح اعتراضات لم تخطر ببال المتعلم، وأن يكشف الثغرات المنطقية في استدلاله، وأن يبين له أين يقفز إلى النتائج قبل اكتمال المقدمات. وبذلك يتحول التعلم من عملية تراكمية إلى عملية حوارية-تفاعلية، يكون فيها السؤال والنقد والمراجعة جزءاً من كل خطوة.
غير أن هذا لا يعني أن المعرفة نفسها فقدت قيمتها، وإنما يعني أن مكانتها قد تغيرت. فالمعرفة ستظل المادة الخام التي يبني بها الإنسان فهمه، لكن قيمتها لن تقاس بعدد ما يملكه منها، بل بقدرته على تحويلها إلى حكم سليم، وقرار رشيد، ورؤية أكثر اتساعاً. فليس كل من عرف أكثر، فهم أكثر، كما أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة سلامة التفكير.
وربما يكون أعظم تحول سيشهده التعليم هو انتقاله من إعداد الإنسان للإجابة عن أسئلة الأمس، إلى إعداده لصياغة أسئلة الغد. فالعالم الذي يتغير بهذه السرعة لا يحتاج إلى أشخاص يحفظون حلولاً جاهزة، بقدر ما يحتاج إلى عقول قادرة على التعلم المستمر، وإعادة التعلم، والتخلي عن الأفكار التي لم تعد صالحة، من غير أن ترى في ذلك هزيمة، ولكن تراه علامة على النضج المعرفي.
إن الانعطافة التطورية الثانية لا تعلن نهاية التعلم، بل تعلن نهاية صورة قديمة للتعلم استمرت قروناً طويلة. فالمتعلم في المستقبل لن يكون من يحفظ أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يعرف كيف يتعلم، وكيف ينسى ما ينبغي نسيانه، وكيف يعيد بناء فهمه كلما اتسعت دائرة المعرفة. وعندئذ لن يصبح التعليم رحلة تنتهي بالحصول على شهادة، بل مساراً دائماً لإعادة تشكيل العقل، بحيث يظل الإنسان قادراً، في كل مرحلة من حياته، على الاقتراب أكثر من أفضل نسخة معرفية يمكن أن يكونها.
