
من بين أكثر الأخطاء التي تقع فيها النماذج التفسيرية الجديدة، استعجالها تفسير كل ظاهرة من داخل منظومتها الخاصة، حتى قبل أن تُمنح النماذج السابقة فرصة كاملة لأداء وظيفتها. ولذلك فأن كثيراً من النظريات انتهى بها الأمر إلى فقدان مصداقيتها العلمية، لا لأنها كانت خاطئة بالضرورة، وإنما لأنها لم تضع منهجاً واضحاً يحدد متى يصبح الانتقال إليها مشروعاً، ومتى يبقى الرجوع إلى التفسير التقليدي هو الخيار العلمي الصحيح. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: هل تستطيع الميتابايولوجيا تفسير الظاهرة الإنسانية؟ وإنما: متى يصبح اللجوء إليها ضرورة منهجية؟
إن العلوم لا تتقدم بإلغاء ما سبقها، وإنما ببناء سلم تفسيري تنتقل فيه المعرفة من مستوى إلى آخر وفق قواعد محددة. فعالِم الفيزياء النظرية لا يبدأ بميكانيكا الكم حين يريد حساب حركة سيارة، ولا يلجأ إلى النسبية العامة لتفسير سقوط تفاحة من شجرة، وذلك لأن لكل نظرية منهما مجالاً تكون فيه أكثر ملاءمة من الأخرى.
وهذا هو المبدأ الذي ينبغي أن يحكم العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا أيضاً.
فالقاعدة الأولى هي أن كل ظاهرة إنسانية ينبغي أن تُبحث أولاً داخل الإطار البايولوجي. فإذا استطاعت البايولوجيا أن تقدم تفسيراً كاملاً ومتسقاً، فلا يوجد أي مبرر علمي للانتقال إلى مستوى تفسيري آخر. فالميتابايولوجيا ليست بديلاً عن البايولوجيا، وإنما هي امتداد لها عند الحاجة.
غير أن الالتزام بهذا المبدأ لا يعني تحويل البايولوجيا إلى تفسير شامل لكل شيء. فكما أن الإصرار على استخدام ميكانيكا نيوتن في العالَم الكمي يحجب كثيراً من الظواهر، فإن الإصرار على تفسير كل ما يصدر عن الإنسان بمنطق الاقتصاد الطبيعي وحده قد يؤدي إلى تجاهل خصائص لا يمكن لهذا المنطق أن يستوعبها.
ومن هنا تنشأ القاعدة الثانية، وهي أن الانتقال إلى الميتابايولوجيا لا يكون بسبب تعقيد الظاهرة، ولا بسبب غرابتها، ولا بسبب جهلنا المؤقت بها، وإنما بسبب ظهور قصور بنيوي في النموذج البايولوجي نفسه. فالفارق كبير بين أن يكون العلم لم يكتشف التفسير بعد، وبين أن تكون أدواته التفسيرية غير كافية من حيث المبدأ للإحاطة بالظاهرة. ولكي لا يتحول هذا الحكم إلى قرار انطباعي، فإن الانتقال ينبغي أن يمر بمراحل منهجية متتابعة.
فالمرحلة الأولى هي توصيف الظاهرة توصيفاً دقيقاً، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الرغبة في إثبات فرضية معينة. فلا يجوز أن تبدأ الدراسة بافتراض أن الظاهرة ميتابايولوجية، كما لا يجوز أن تبدأ بافتراض أنها بايولوجية.
ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي استنفاد جميع التفسيرات التي توفرها البايولوجيا. ويشمل ذلك دراسة العوامل الوراثية، والعصبية، والهرمونية، والتطورية، والبيئية، وغيرها من الآليات التي أثبتت البايولوجيا قدرتها على تفسيرها.
فإذا بقيت الظاهرة، بعد هذا الاستنفاد، محتفظة بخصائص لا يفسرها النموذج البايولوجي إلا بإضافة افتراضات استثنائية أو ترقيعات تفسيرية متزايدة، فسنكون عندها قد بلغنا المرحلة الثالثة، وهي اختبار ما إذا كان هذا القصور ناجماً عن نقص في البيانات، أم عن حدود النموذج نفسه.
وهنا ينبغي للباحث أن يتحلى بأقصى درجات الحذر؛ فكثير من الظواهر التي بدت غامضة في الماضي وجدت لها البايولوجيا تفسيراً لاحقاً. ولذلك فإن مجرد عدم امتلاك تفسير حاضر لا يكفي للانتقال إلى الميتابايولوجيا.
أما إذا تبين أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، وإنما في أن الآلية البايولوجية ذاتها لا تنتج هذا النمط من الأداء، فإن الانتقال إلى الميتابايولوجيا يصبح انتقالاً منهجياً، وليس قفزة فلسفية.
وتبدأ المرحلة الرابعة، وهي بناء التفسير الميتابايولوجي، على أساس المحافظة على كل ما أثبتته البايولوجيا، وليس على هدمه. فالميتابايولوجيا لا تعيد كتابة ما نجحت البايولوجيا في تفسيره، وإنما تضيف مستوى تفسيرياً جديداً يفسر ما بقي خارج نطاقها.
وهذا يعني أن العلاقة بين هذين العلمين هي علاقة تراكم وتكامل، لا علاقة إحلال. فكل تفسير بايولوجي صحيح يبقى جزءاً من التفسير الميتابايولوجي، تماماً كما بقيت قوانين نيوتن صحيحة داخل المجال الذي وُضعت له، حتى بعد ظهور ميكانيكا الكم والنسبية.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة منهجية عامة، وهي أن الباحث لا ينتقل من البايولوجيا إلى الميتابايولوجيا لأنه يفضّل الأخيرة، وإنما لأنه قد استنفد الأولى. فالانتقال ليس اختياراً فكرياً، بل هو نتيجة تفرضها الظاهرة نفسها.
إن هذه القاعدة لا تحمي البايولوجيا وحدها، بل تحمي الميتابايولوجيا أيضاً. فهي تمنع تحويلها إلى تفسير شامل يُستدعى عند كل ظاهرة غامضة، وتجعلها علماً منضبطاً لا يتدخل إلا حيث يصبح تدخله ضرورياً.
ولعل هذا هو الشرط الأول لأي مشروع علمي يريد أن يكتسب مشروعيته. فالعلم لا يقاس بعدد الظواهر التي يدّعي تفسيرها، وإنما بقدرته على معرفة متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يسلّم بأن التفسير السائد لايزال كافياً، ومتى يعلن أن حدود ذلك التفسير قد بلغت نهايتها.
وعند هذه النقطة تحديداً تبدأ الميتابايولوجيا؛ لا لأنها تريد أن تحل محل البايولوجيا، بل لأنها تستجيب لنداء المنهج نفسه، الذي يقتضي أن يرتقي التفسير كلما كشفت الظاهرة حدود النموذج الذي سبقها.
