من المنافسة إلى الكراهية… أين ينتهي التحدي ويبدأ فائض العدوان؟

من بين أكثر الظواهر التي تستحق التأمل في السلوك الإنساني، ذلك التحول الغريب الذي يجعل المنافسة، وهي في أصلها وسيلة للتفوق والإبداع، تنقلب في كثير من الأحيان إلى كراهية وعداء ورغبة في تحطيم الآخر. ولذلك اعتاد الناس أن يفسروا هذا التحول بأسباب مختلفة؛ فتارة يعزونه إلى ضعف الأخلاق، وتارة إلى ضغوط الحياة، وتارة إلى سوء التربية، أو إلى شدة التنافس نفسه. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو ليس: لماذا يختلف المتنافسون؟ فهذا أمر طبيعي لا يكاد يخلو منه ميدان من ميادين الحياة. وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا يتحول الاختلاف في كثير من الأحيان إلى رغبة في إيذاء المنافس، لا إلى مجرد الرغبة في التفوق عليه؟ فالمنافسة، في حقيقتها، هي ليست ظاهرة سلبية؛ فلولاها لما ازدهرت العلوم، ولا تطورت الصناعات، ولا ارتقى الفن، ولا تقدمت الرياضة، ولا سعى الإنسان إلى تحسين أدائه. فوجود من ينافسك قد يكون من أعظم النعم التي تدفعك إلى اكتشاف قدراتك الكامنة. ولهذا فإن المجتمعات التي تنجح في تحويل المنافسة إلى تعاون غير مباشر، هي غالباً أكثر المجتمعات قدرة على الإبداع والتقدم. ولكن الإنسان لا يلبث، في كثير من الأحيان، أن يتجاوز هذا الحد. فما يبدأ رغبة في تحقيق إنجاز أفضل، ينتهي إلى رغبة في منع الآخر من تحقيق أي إنجاز. وما يبدأ سعياً إلى الفوز، يتحول إلى سعي لإسقاط المنافس، وتشويه سمعته، والشماتة بإخفاقه، بل وربما تفضيل خسارة الجميع على أن ينجح هو. وهنا يحدث التحول الحقيقي؛ إذ تتغير طبيعة المنافسة نفسها. فلم يعد الهدف هو الوصول إلى القمة، بل منع الآخر من الوصول إليها. ولم يعد السؤال: كيف أُصبِح أفضل؟ بل: كيف أمنع غيري من أن يكون أفضل مني؟
ولو تأملنا أكثر صور التنافس حضوراً في حياتنا، لوجدنا هذا النمط يتكرر بصورة تكاد تكون واحدة. ففي الرياضة، قد يتحول احترام المنافس إلى كراهية له. وفي السياسة، قد تتحول المنافسة الانتخابية إلى حملات تشويه لا علاقة لها بالبرامج أو الكفاءة. وفي بيئة العمل، قد يصبح النجاح المهني سبباً للعداء أكثر منه سبباً للإعجاب. وحتى في المؤسسات العلمية، التي يُفترض أنها تقوم على الموضوعية، كثيراً ما نجد التنافس يتحول إلى صراعات شخصية، وحملات إقصاء، ومحاولات لإجهاض نجاح الآخرين.
فما الذي يحدث هنا؟ إن التفسير التقليدي يرد ذلك إلى الطمع أو الغيرة أو الحسد. وهذه كلها صحيحة جزئياً، لكنها لا تمثل سوى أسماء مختلفة لظاهرة أعمق. أما إذا نظرنا إلى الأمر من منظور فائض العدوان، فإن الصورة تصبح أكثر اتساقاً. فالإنسان لا يكتفي بالرغبة في النجاح، بل يحمل في داخله طاقة عدوانية تجعل نجاح الآخر يبدو، في كثير من الأحيان، تهديداً لصورته عن نفسه. وهنا يتغير معنى المنافسة؛ إذ لم يعد المنافس مجرد شخص يسعى إلى الهدف نفسه، بل أصبح عقبة نفسية ينبغي التخلص منها. ولهذا السبب لا يشعر بعض الناس بالراحة عندما ينجحون، وإنما عندما يفشل منافسوهم. بل قد نجد من يحقق إنجازاً كبيراً، ثم يبقى تعيساً لأن شخصاً آخر حقق إنجازاً أكبر. وفي المقابل، قد يشعر بالارتياح إذا أخفق منافسه، حتى لو لم يحقق هو أي تقدم يذكر.
وهذا يكشف أن القضية لم تعد قضية إنجاز، بل قضية مقارنة. وحين تتحول المقارنة إلى محور التفكير، يصبح نجاح الآخر خسارة شخصية، ويصبح إخفاقه انتصاراً ذاتياً، حتى وإن لم يتغير شيء في الواقع.
ولعل هذا هو أحد أخطر آثار فائض العدوان؛ فهو لا يوجه الإنسان نحو تطوير نفسه، وإنما نحو استنزاف طاقته في مقاومة الآخرين. وبذلك تتحول المنافسة، التي كان ينبغي أن تكون قوة دافعة للتقدم، إلى معركة استنزاف لا يخرج منها أحد منتصراً حقاً.
ومن اللافت أن الحضارات نفسها لا تتقدم إلا حين تنجح في ضبط هذا الفائض. فالمنافسة الاقتصادية التي تلتزم بالقانون تُنتج الابتكار، أما إذا انفلتت إلى التخريب والاحتكار والإقصاء، فإنها تتحول إلى وسيلة لإضعاف الجميع. والمنافسة السياسية التي تضبطها القواعد قد تنتج تداولاً صحياً للسلطة، أما إذا سيطر عليها فائض العدوان، فإنها تنتهي إلى الانقسام والعنف والاستبداد.
ولهذا فإن المشكلة ليست في وجود المنافسة، بل في العجز عن إبقائها منافسة! فما أن يتدخل فائض العدوان حتى يفقد الإنسان القدرة على رؤية منافسه شريكاً في الارتقاء، ويراه عدواً ينبغي إقصاؤه. ومن هنا يبدأ الانحدار من التحدي إلى الكراهية، ومن الرغبة في التفوق إلى الرغبة في التحطيم.
إن أحد أهم معايير النضج الإنساني هو ليس أن ينتصر الإنسان في كل منافسة، وإنما أن يبقى قادراً على احترام منافسه، وأن يرى نجاحه حافزاً لا تهديداً، ودافعاً لا إهانة. أما حين يعجز عن ذلك، فإن المنافسة تكون قد انتهت، ويكون فائض العدوان قد بدأ في قيادة المشهد.
ولعل هذا هو السبب في أن أعظم الإنجازات الإنسانية لم تتحقق حين اختفت المنافسة، وإنما حين بقيت المنافسة خاضعة للعقل، لا خاضعاً لها العقل. فالتاريخ يعلمنا أن الإنسان يتقدم عندما ينافس، لكنه يتراجع عندما يكره. وبين المنافسة والكراهية يقف فائض العدوان، مستعداً دائماً لتحويل الأولى إلى الثانية، متى ما عجز الإنسان عن ضبط سلطان هذا الفائض.

أضف تعليق