لماذا كانت أفضل تجليات التدين أكثرها ابتعادًا عن العنف والتشدد والتزمت والتطرف؟



من بين أكثر التصورات رسوخًا في الوعي الديني، الاعتقاد بأن شدة التدين تقترن بالضرورة بزيادة الصرامة، وأن الإنسان كلما ازداد تدينًا ازداد ميلًا إلى التشدد، واشتد حرصه على إلزام الآخرين بما يعتقد أنه الحق، حتى أصبح كثيرون يخلطون بين قوة الإيمان وقوة الانفعال، وبين رسوخ العقيدة وارتفاع منسوب العنف اللفظي أو السلوكي. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو ليس: لماذا يظهر التطرف أحيانًا في البيئات الدينية؟ فهذا أمر قد ناقشته دراسات لا تُحصى. وإنما السؤال الأعمق هو: لماذا كانت أعظم النماذج الدينية في التاريخ أكثرها رحمة، وأشدها تواضعًا، وأبعدها عن التعصب، وأكثرها قدرة على ضبط النفس، في حين كانت أسوأ صور التدين أكثرها ميلًا إلى العنف والتشدد والإقصاء؟
وتقترح المقاربة الميتابايولوجية أن الجواب لا يكمن في الدين ذاته، وإنما في الكيفية التي تتفاعل بها البنية النفسية للإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، مع الدين. فالإنسان، بحسب هذه المقاربة، لم يعد كائنًا تحركه حاجاته البيولوجية وحدها، وإنما أصبح يحمل منظومة من الفوائض الميتابايولوجية، يأتي في مقدمتها فائض التمثل وفائض العدوان. وهذان الفائضان لا يختفيان بمجرد اعتناق الإنسان لدين أو عقيدة، بل قد يجدان في الدين نفسه وسيلة جديدة للتعبير عن نفسيهما إذا لم يخضعا للتهذيب والتزكية.
ففائض التمثل يدفع الإنسان إلى بناء صورة متخيلة عن ذاته، لا يكتفي فيها بأن يكون صالحًا، بل يريد أن يكون أفضل من غيره، وأقرب إلى الله من سواه، وأكثر فهمًا للدين، وأكثر استحقاقًا للنجاة. وهنا يتحول “الدين”، من حيث لا يشعر صاحبه، من طريق لعبادة الله إلى وسيلة لتغذية صورة الذات. وكلما تضخمت هذه الصورة، أصبح الاختلاف مع الآخرين تهديدًا شخصيًا لا مجرد اختلاف فكري، لأن أي اعتراض على الرأي يُفهم بوصفه اعتراضًا على المكانة التي رسمها الإنسان لنفسه.
أما فائض العدوان، فإنه لا يكتفي بجعل الإنسان يدافع عن نفسه عند الحاجة، كما هو شأن العدوان البيولوجي، وإنما يدفعه إلى البحث عن خصوم، وإلى تضخيم أخطاء المخالفين، وإلى الشعور بأن الانتصار عليهم واجب أخلاقي، بل وربما عبادة يتقرب بها إلى الله!. وهكذا تتحول الطاقة العدوانية إلى طاقة مؤدلجة، تلبس لباس الفضيلة، وتتكلم بلغة الدين، مع أنها في حقيقتها استمرار للنزعة العدوانية نفسها، ولكن في صورة أكثر قبولًا اجتماعيًا.
ومن هنا يمكن فهم مفارقة طالما حيّرت الباحثين. فليس كل متدين متشدد، وليس كل متشدد أكثر تدينًا. بل أن التشدد كثيرًا ما يكون دليلًا على أن الفوائض الميتابايولوجية لم تُهذَّب بعد، وإنما وجدت في التدين بيئة جديدة تنشط فيها. ولذلك فإن التدين قد يصبح، في بعض الحالات، مجرد لغة جديدة يتحدث بها فائض التمثل، أو ساحة جديدة يمارس فيها فائض العدوان نشاطه المعتاد.
ولهذا السبب أيضًا، لم يكن أعظم المصلحين والأنبياء يقيسون صلاح الإنسان بمقدار صوته، ولا بحدة مواقفه، ولا بكثرة خصوماته، وإنما بما يظهر عليه من حلم، ورحمة، وعفو، وضبط للنفس، وعدل حتى مع المخالِف. فهذه الصفات ليست مجرد أخلاق جميلة، وإنما هي الدليل العملي على أن الإنسان استطاع أن يضع فوائضه الميتابايولوجية تحت سلطان الإرادة.
ومن هذا المنطلق يمكن إعادة قراءة كثير من النصوص القرآنية والنبوية التي تدعو إلى كظم الغيظ، والعفو، والإحسان، والصبر، والرفق. فهذه التوجيهات لا تبدو، في ضوء المقاربة الميتابايولوجية، مجرد فضائل مستقلة، وإنما تمثل برنامجًا متكاملًا لإعادة هندسة الإنسان من الداخل، بحيث يتحرر تدريجيًا من هيمنة فائض العدوان، ومن أوهام فائض التمثل، ويستعيد قدرته على رؤية نفسه والناس كما هم، لا كما تملي عليه تمثلاته.
وهنا تتضح حقيقة بالغة الدلالة. فالدين لم يأت ليمنح الإنسان هوية جديدة يتفاخر بها، وإنما جاء ليحرره من استعباد الهوية نفسها. ولم يأت ليضاعف إحساسه بالتفوق على الآخرين، وإنما ليهدم أوهام التفوق كلها، حتى يقف الإنسان بين يدي الله مجردًا من كل ما يظنه سببًا لامتيازه. وكلما نجح التدين في تحقيق هذا المقصد، ازداد صاحبه تواضعًا ورحمة وسكينة. وكلما فشل في ذلك، تحول إلى غطاء جديد للفوائض القديمة.
ولهذا فإن أفضل تجليات التدين هي ليست أكثرها صخبًا، ولا أكثرها تشددًا، ولا أكثرها انشغالًا بالحكم على الناس، وإنما أكثرها قدرة على تحويل الإنسان إلى سيدٍ على نفسه، وليس أسيرًا لانفعالاته. فالمتدين الحقيقي ليس من يغلب الآخرين باسم الدين، بل من يغلب نفسه بالدين.
ولعل هذا يفضي إلى معيار جديد يمكن أن يُقاس به التدين. فبدل أن نسأل: كم يحفظ الإنسان من النصوص؟ أو كم يؤدي من الشعائر؟ ينبغي أن نسأل أيضًا: إلى أي مدى أصبح أقل عدوانية؟ وأقل استعلاءً؟ وأقدر على كظم غيظه؟ وأوسع صدرًا للاختلاف؟ فإذا كان الدين قد جاء ليزكي الإنسان، فإن نجاحه ينبغي أن يظهر أولًا في مقدار ما يحرره من سلطان فائض التمثل وفائض العدوان، لا في مقدار ما يمنحه من أسباب إضافية لتبريرهما.
وعندئذ يصبح التدين، في أرقى صوره، لا يتمثل في إضافة هوية جديدة إلى الإنسان، بل هو عملية تحرير مستمرة من كل ما يمنعه من أن يكون إنسانًا كما أراد الله له أن يكون: عبدًا متواضعًا، رحيمًا، عادلًا، قوي الإرادة، لا تحركه أوهام التفوق، ولا تستعبده نزعات العدوان، وإنما يقود طبعه الميتابايولوجي بقيَم الوحي، بدل أن يقود الطبعُ فهمَه للدين وسلوكه باسمه.

أضف تعليق