صدام الحضارات… أم صدام فائض التمثل؟

من بين أكثر الأطروحات تأثيرًا في الفكر السياسي المعاصر، تلك التي تنظر إلى الصراعات الكبرى بين البشر بوصفها صراعات بين الحضارات، وكأن الحضارات نفسها كيانات مستقلة تحمل داخلها أسباب المواجهة، وتدفع المنتمين إليها إلى الاصطدام بمن ينتمون إلى حضارات أخرى. وقد اكتسب هذا التصور حضورًا واسعًا مع أطروحة «صدام الحضارات»، حتى أصبح الاختلاف الديني والثقافي والحضاري واحدًا من أكثر التفسيرات شيوعًا للصراعات التي يشهدها العالم. غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا هو ليس: هل تختلف الحضارات؟ فهذا أمر لا خلاف عليه. وإنما السؤال الأعمق هو: هل الحضارات هي التي تتصادم حقًا، أم أن الإنسان هو الذي يتصادم مع أخيه الإنسان، ثم يستعير من الحضارة الاسم الذي يمنحه لصراعه؟
تقترح الميتابايولوجيا إعادة النظر في السؤال من هذا المستوى تحديدًا. فالحضارة، في ذاتها، لا تحارب، والدين لا يحمل سلاحًا، والقومية لا تغضب، واللغة لا تكره لغة أخرى، والثقافة لا تشعر بالإهانة. فالذي يفعل كل ذلك هو الإنسان. ولذلك فإن البحث عن جذور الصراع في الاختلافات بين الحضارات قد يجعلنا نبدأ من المكان الخطأ؛ لأن الحضارات ربما لا تكون مصدر الصراع بقدر ما تكون المادة التي يستخدمها الإنسان لإعطاء صراعاته أسماءً ومعانيَ وشعارات. وهنا يظهر الدور المركزي لما تسميه الميتابايولوجيا “فائض التمثل”. فالإنسان لا يكتفي بأن ينتمي إلى جماعة، وإنما يمتلك قابلية استثنائية لأن يتمثل هذه الجماعة حتى تصبح جزءًا من ذاته النفسية. فهو لا يقول فقط: أنا أنتمي إلى هذا الوطن، أو هذه الأمة، أو هذه الديانة، أو هذه الحضارة؛ بل يبدأ، بصورة واعية أو غير واعية، في التعامل معها وكأنها امتداد لذاته. ومن هذه اللحظة يحدث التحول الحاسم: فالإساءة إلى الجماعة تصبح إساءة إليه، وانتصارها يصبح انتصاره، وهزيمتها تصبح هزيمته، وتفوقها يمنحه شعورًا شخصيًا بالتفوق. وهكذا يستطيع الإنسان أن يشعر بالفخر بانتصار وقع قبل ولادته بمئات السنين، كما يستطيع أن يشعر بالمهانة بسبب هزيمة تعرض لها أناس لم يرهم قط. ويستطيع أن يغضب من أجل حدود لم يرها، أو تاريخ لم يعشه، أو رموز لم يشارك في صناعتها. وليس هذا لأن تلك الأشياء تمتلك قوة مستقلة تجبره على الدفاع عنها، وإنما لأن فائض التمثل قد نقلها من العالم الخارجي إلى داخل تعريفه لذاته.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة كثير من الصراعات الحضارية قراءة مختلفة. فحين تتواجه جماعتان باسم الدين، قد يبدو لنا أن الدينين هما اللذان يتصارعان. وحين تتواجه قوميتان، يبدو أن القوميتين هما اللتان تتصارعان. وحين تدخل دولتان في خصومة طويلة، قد يبدو أن التاريخ والجغرافيا هما اللذان يفرضان العداء. غير أن الميتابايولوجيا تسأل: ماذا لو كانت هذه كلها موضوعات مختلفة لآلية واحدة؟ فالإنسان يستطيع أن يتمثل الدين، كما يستطيع أن يتمثل الأمة، والعرق، واللغة، والحزب، والفريق الرياضي، بل حتى مدرسة فكرية أو علامة تجارية أو شخصية عامة. وما إن يصبح موضوع التمثل جزءًا من تعريف الإنسان لذاته حتى يصبح الدفاع عنه دفاعًا عن الذات نفسها. وهذا يفسر مفارقة ذات دلالة بالغة: تتغير الأشياء التي يتصارع البشر من أجلها، بينما تبقى طريقة صراعهم متشابهة بصورة لافتة. فقد كان الإنسان القديم يقاتل من أجل القبيلة، ثم قاتل من أجل الإمارة، ثم الأمة، ثم العقيدة، ثم الدولة، ثم الأيديولوجيا. وقد يقاتل الإنسان المعاصر بالكلمات من أجل حزب سياسي أو فريق رياضي أو جماعة ثقافية. فالرايات تتغير، لكن الآلية التي تجعل الراية جزءًا من الذات لا تتغير بالقدر نفسه.
ولو كان الاختلاف الحضاري هو السبب المباشر للصراع، لكان المتوقع أن يزداد الصراع كلما ازدادت المسافة الحضارية بين جماعتين، وأن يقل كلما ازدادت أوجه التشابه بينهما. لكن التاريخ لا يقدم لنا مثل هذه القاعدة. فكثير من أشد الحروب ضراوة وقعت بين شعوب متقاربة ثقافيًا ودينيًا ولغويًا، بل بين جماعات تنتمي إلى الحضارة نفسها. وفي المقابل، استطاعت جماعات شديدة الاختلاف أن تتعايش وتتعاون حين لم يتحول اختلافها إلى موضوع لتمثل عدائي.
وهنا تظهر مشكلة أعمق في مفهوم «صدام الحضارات». فهو قد يخلط بين موضوع الصدام وآلية الصدام. فالحضارة قد تكون موضوعًا للصراع، لكنها ليست بالضرورة الآلية المنتجة له. فكما أن كرة القدم ليست سبب التعصب الرياضي، والدين ليس في ذاته سبب التعصب الديني، والوطن ليس سبب الشوفينية القومية. فهذه كلها موضوعات يمكن لفائض التمثل أن يستولي عليها، فيحولها من انتماءات إلى أجزاء من الذات. ولكن فائض التمثل وحده لا يكفي لتفسير أكثر الصراعات عنفًا. وهنا يدخل الفائض الثاني: فائض العدوان.
فإذا جعل فائض التمثل الجماعة جزءًا من الذات، فإن فائض العدوان يستطيع أن يحول الدفاع عن تلك الذات الممتدة إلى رغبة في إيذاء الآخر. وهنا ينشأ واحد من أخطر التحالفات في البنية الميتابايولوجية للإنسان: فائض يقول له “هؤلاء نحن”، وفائض آخر يقول له “وأولئك هم الخصم”. وعند هذه النقطة لا يعود الإنسان يرى الطرف الآخر بوصفه مجموعة من الأفراد المختلفين عنه، وإنما بوصفه كتلة واحدة تهدد الجماعة التي أصبحت جزءًا من ذاته.
ولهذا تبدأ لغة الصراع عادة بإلغاء الفرد. فلا يعود هناك أشخاص، وإنما «هم». ولا يعود الآخر إنسانًا له قصة ومخاوف وأحلام، وإنما يصبح ممثلًا لجماعة. وإذا ارتكب فرد من الجماعة الأخرى فعلًا سيئًا، أمكن أن يتحول فعله إلى دليل على طبيعة الجماعة كلها، بينما إذا ارتكب فرد من “جماعتنا” الفعل نفسه بحثنا له عن الظروف والأعذار والاستثناءات. وهذه إحدى العلامات الكبرى لفائض التمثل، والمتمثلة في كون الإنسان يفقد الحياد حين تصبح هويته طرفًا في القضية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يستطيع أشخاص عقلانيون للغاية في حياتهم المهنية أن يصبحوا شديدي الانحياز عندما يتعلق الأمر بأمتهم أو دينهم أو حزبهم. فالمشكلة ليست دائمًا نقص المعلومات ولا ضعف الذكاء؛ فموقع القضية داخل النفس قد تغير؛ إذ لم تعد مسألة خارجية يحكم عليها العقل، وإنما أصبحت جزءًا من الذات التي يستخدم العقل للدفاع عنها.
وبهذا المعنى، فإن الحضارات لا تصطدم لأنها مختلفة؛ وإنما يستطيع البشر تحويل اختلافاتها إلى خطوط مواجهة حين تدخل هذه الاختلافات في مجال فائض التمثل. وهذا يقود إلى نتيجة مهمة: لو اختفت الحدود الحضارية الحالية غدًا، فلن تختفي الصراعات البشرية بالضرورة. إذ سيبحث فائض التمثل عن حدود أخرى!
فإذا لم يكن الدين، كانت القومية. وإذا ضعفت القومية، كانت الإيديولوجيا. وإذا تراجعت الإيديولوجيا، كان الحزب. وإذا اختفى الحزب، ظهرت جماعة أخرى يمكن للإنسان أن يقول عنها «نحن» في مقابل “هم”.
بل أن العالم الرقمي يقدم تجربة شبه مخبرية لهذه الظاهرة. فقد ظهرت جماعات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، ومع ذلك أصبح أفرادها قادرين على ممارسة التعصب والاستقطاب والعداء والدفاع عن رموزهم بالطريقة نفسها التي مارست بها الجماعات القديمة دفاعها عن هوياتها الموروثة. وهذا يعني أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى آلاف السنين لصناعة هوية قابلة للصراع؛ فقد تكفي سنوات، وأحيانًا أشهر، لكي يتحول انتماء جديد إلى موضوع لتمثل شديد.
وهنا تنقلب المعادلة. فبدل أن نقول إن البشر يتصارعون لأنهم ينتمون إلى حضارات مختلفة، يمكن أن نقول إن البشر قادرون على تحويل الاختلافات الحضارية إلى صراعات لأنهم يحملون بنية ميتابايولوجية تسمح لهم بتضخيم الانتماء وتحويله إلى جزء من الذات.
والفرق بين هذين التفسيرين جوهري. فإذا كان الصراع ناتجًا عن الحضارات، فإن الحل يصبح البحث عن إزالة الاختلافات أو تقليل الاحتكاك بين الحضارات. أما إذا كان ناتجًا في جانب مهم منه عن فائض التمثل، فإن المشكلة تصبح أعمق؛ لأن الإنسان يستطيع أن يصنع خطوط انقسام جديدة حتى بعد زوال الخطوط القديمة. ولذلك ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل المستقبل هو: كيف نجعل الحضارات تتعايش؟ فالحضارات لا تحتاج إلى تعلم التعايش؛ إذ أن البشر هم الذين يحتاجون إليه.
والسؤال الحقيقي يصبح: كيف يتعلم الإنسان أن ينتمي دون أن يتحول انتماؤه إلى امتداد متضخم لذاته؟ وكيف يحب وطنه دون أن يحتاج إلى احتقار أوطان الآخرين؟ وكيف يعتز بدينه دون أن يحتاج إلى ازدراء أديان الآخرين؟ وكيف يفخر بثقافته دون أن يحتاج إلى إثبات دونية الثقافات الأخرى؟ وكيف يستطيع أن يقول «نحن» دون أن تتحول الكلمة تلقائيًا إلى صناعة «هم»؟
إن الميتابايولوجيا لا تطالب الإنسان بالتخلي عن هوياته؛ فالانتماء جزء بالغ الأهمية من التجربة البشرية. وإنما تدعوه إلى إدراك اللحظة التي يتحول فيها الانتماء من تعريف اجتماعي للذات إلى تضخم تمثلي يجعل الجماعة “ذاتًا كبرى” ينبغي الدفاع عنها مهما كان الثمن.
وعندئذ ربما نكتشف أن المشكلة الكبرى في تاريخ الصراعات لم تكن أن البشر مختلفون، وإنما أنهم منحوا اختلافاتهم قدرة هائلة على الدخول في تعريفهم لأنفسهم. فالشرق والغرب، والمسلم والمسيحي، والقومي والأممي، والمحافظ والليبرالي، قد يختلفون في الأفكار والرموز والتاريخ، لكنهم يلتقون جميعًا في قابلية واحدة شديدة العمق: أن يتحول ما ينتمون إليه إلى جزء مما يظنون أنه هم أنفسهم.
ومن هنا يمكن للميتابايولوجيا أن تقترح إعادة صياغة واحدة من أشهر أطروحات عصرنا: فليست الحضارات هي التي تتصادم؛ وإنما فائض التمثل هو الذي يستطيع أن يجعل الحضارات تتصادم.
ولعل المفارقة الكبرى أن ما يبدو دليلًا على اختلاف البشر قد يكون، عند مستوى أعمق، واحدًا من أقوى الأدلة على تشابههم. فحين يتقاتل شرقي وغربي دفاعًا عن هويتين مختلفتين، فإن موضوع تمثلهما مختلف، لكن الآلية التي تحركهما واحدة. وبذلك فإن الصراع نفسه، الذي استُخدم طويلًا دليلًا على المسافة التي تفصل الحضارات، قد يصبح في القراءة الميتابايولوجية دليلًا آخر على وحدة الإنسان خلف تعدد الحضارات.

أضف تعليق