عنجهية الإنسان… لماذا يصر “الكائن العاقل” على الخطأ بعد أن يعرف أنه خطأ؟

من بين أكثر الصفات إثارة للحيرة في السلوك الإنساني، تلك القدرة العجيبة التي يمتلكها الإنسان على الاستمرار في موقف يعرف، أو يكاد يعرف، أنه خاطئ. فالإنسان لا يكتفي بأن يخطئ؛ فهذا أمر تشترك فيه الكائنات الحية بدرجات مختلفة، ولا يكتفي بأن يعجز عن اكتشاف خطئه؛ فمحدودية المعرفة والإدراك يمكن أن تفسر ذلك أيضًا. وإنما تكمن المفارقة الحقيقية في أنه قد يكتشف خطأه، وتتراكم أمامه الأدلة على بطلان موقفه، ثم يصر مع ذلك على الدفاع عنه والاستمرار فيه، وكأن الاعتراف بالخطأ أصبح، في نظره، أشد ضررًا من الخطأ نفسه. فلماذا يستمر الإنسان في ارتكاب ذات الخطأ بعد أن تتوافر لديه أسباب كافية لمعرفة أن ما قام به كان خطأً؟
وهنا تحديدًا تظهر العنجهية بوصفها واحدة من أكثر السمات البشرية غرابة من المنظور الميتابايولوجي. فالعنجهية، بهذا المعنى، ليست مجرد تكبر أو غرور بالمعنى الأخلاقي الشائع، وإنما هي حالة يصبح فيها الحفاظ على صورة الذات أهم من تصحيح علاقة الذات بالواقع. فالإنسان قد لا يعود يدافع عن الفكرة لأنها صحيحة، وإنما لمجرد أنه هو من قالها. وقد لا يتمسك بالقرار لأنه لا يزال نافعًا، وإنما لأنه هو من اتخذه. وقد لا يواصل الطريق لأنه يؤدي إلى الغاية التي أرادها، وإنما لأن العودة عنه ستضطره إلى الاعتراف بأنه اختار الطريق الخطأ منذ البداية.
وهنا يحدث تحول ذو دلالة بالغة؛ حيث تتحول القضية من سؤال عن الحقيقة إلى سؤال عن الذات. فبدل أن يسأل الإنسان: هل موقفي صحيح؟ يبدأ، من حيث يشعر أو لا يشعر، بالسؤال: ماذا سيعني تراجعي عن هذا الموقف على قدر تعلق الأمر بصورتي أمام الآخرين؟ وبدل أن يسأل: هل كان قراري صائبًا؟ يصبح السؤال: ماذا سيقول الناس إذا عدلت عنه؟ وبدل أن يكون اكتشاف الخطأ سببًا كافيًا للتصحيح، يصبح الخطأ القديم نفسه سببًا للاستمرار فيه؛ لأن التراجع عنه سيكشف أنه كان خطأ منذ البداية. ومن هنا تنشأ واحدة من أعجب المفارقات البشرية، فقد يصبح الإنسان أكثر تمسكًا بالقرار كلما ازدادت الأدلة على خطئه. فالبرهان الذي يفترض أن يدفعه إلى المراجعة قد يدفعه إلى مزيد من المكابرة، والنقد الذي يُفترض أن يساعده على التصحيح قد يستثير دفاعه عن نفسه، والدليل الذي يُفترض أن ينهي الخلاف قد يتحول إلى تهديد لصورة الإنسان عن نفسه. وهذا السلوك يثير مشكلة ذات دلالة بالغة إذا نظرنا إليه من منظور اقتصاد الطبيعة. فالطبيعة، في صورتها العامة، لا تعرف هذا النوع من الوفاء للخطأ. فالكائن الحي لا يحتاج إلى الدفاع عن تاريخه أمام أقرانه، ولا يعنيه أن يبدو متناقضًا مع ما فعله بالأمس. فإذا أثبت سلوك معين عدم جدواه، وكانت هناك استجابة أخرى أكثر نفعًا للبقاء أو للحصول على الموارد أو تجنب الخطر، فإن مقتضى اقتصاد الطبيعة هو تعديل السلوك. فالطبيعة لا تمنح الخطأ قيمة لمجرد كونه قد حدث في الماضي، ولا تجعل الاستمرار فيه فضيلة من أجل المحافظة على “الاتساق”. ولا يوجد، في منطقها النفعي المباشر، ما يجعل الكائن يضحي بالمنفعة الراهنة لكي يثبت أن اختياره السابق كان صحيحًا. فالقاعدة الطبيعية أبسط من ذلك بكثير: “ما ينفع يستمر، وما لا ينفع يفقد مبرر استمراره”. ولكن الإنسان أدخل إلى هذه المعادلة عنصرًا جديدًا لم يكن حاضرًا بهذه الصورة في العالم الحيواني، وهو “صورة الذات”.
وهنا تقترح الميتابايولوجيا أن العنجهية البشرية لا يمكن فهمها فهمًا كاملًا من خلال المنفعة البيولوجية المباشرة؛ وذلك لأنها ترتبط بما يتجاوز الحاجة الطبيعية إلى البقاء، أي بما يمكن تسميته فائض التمثل. فالإنسان لا يعيش الواقع فقط، وإنما يعيش تمثله للواقع، ولا يعيش ذاته فقط، وإنما يعيش الصورة التي كوّنها عن ذاته، ثم الصورة التي يتخيل أن الآخرين قد كوّنوها عنه. ومن هنا يصبح لقراراته وجودان مختلفان. فالأول هو وجودها الواقعي: هل نجحت أم فشلت؟ والثاني هو وجودها التمثلي: ماذا يعني نجاحها أو فشلها فيما يخص صورتي عن نفسي؟ وهذا الوجود الثاني هو الذي يمكن أن يجعل الإنسان يتصرف أحيانًا في تعارض واضح مع مقتضيات المنفعة. فإذا كان التراجع عن قرار خاطئ سيحقق له منفعة واقعية، لكنه سيصيبه بـ “خسارة تمثلية” لأنه سيشعر بأنه ظهر أمام الآخرين ضعيفًا أو مترددًا أو قليل الدراية والخبرة، فقد يفضل تحمل الخسارة الواقعية على تحمل الخسارة التمثلية. وبذلك يصبح مستعدًا لدفع ثمن حقيقي من أجل حماية شيء لا يوجد إلا في عالم التمثل: صورته عن نفسه وصورة الآخرين عنه. ومن هنا يمكن إعادة تعريف العنجهية البشرية بأنها استعداد الإنسان للتضحية بالمصلحة الواقعية من أجل المحافظة على “تفوق تمثلي” متخيل للذات.
وهذا ما يفسر لماذا لا تقتصر العنجهية على العلاقات الفردية، بل تمتد إلى السياسة والفكر والعلم والإيديولوجيا والحروب والعلاقات بين الجماعات والدول. فقد يرفض السياسي تغيير سياسة ثبت فشلها لأن تغييرها سيبدو اعترافًا بخطئه. وقد يستمر قائد في مشروع مُكلِف لأن التراجع عنه سيُقرأ بوصفه هزيمة. وقد يتمسك مفكر بأطروحة أضعفتها الأدلة لأن التخلي عنها يعني التخلي عن جزء من هويته الفكرية. وقد تواصل جماعة صراعًا أضر بها لأن التراجع أصبح في مخيلتها مرادفًا للذل. وفي جميع هذه الحالات تتكرر البنية نفسها؛ حيث تتحول الوسيلة إلى جزء من الهوية، ثم يصبح الدفاع عنها دفاعًا عن الذات لا عن الحقيقة أو المصلحة.
ولعل أكثر ما يكشف غرابة هذه الظاهرة أن الإنسان قد يعرف تكلفة عنجهيته معرفة كاملة ثم يستمر فيها. فهو يستطيع أن يقول في داخله: نعم، لقد أخطأت، لكنه لا يستطيع أن يقول للآخرين: لقد أخطأت. وبين هاتين المعرفتين تقوم واحدة من أكبر المسافات في النفس البشرية. ذلك أن الاعتراف الداخلي بالحقيقة لا يهدد التمثل الاجتماعي للذات بالدرجة التي يهدده بها الاعتراف العلني. ولهذا يستطيع الإنسان أن يحتفظ بالحقيقة في داخله، بينما يستمر في الدفاع عن نقيضها في الخارج. وهنا لا يعود العقل عاجزًا عن اكتشاف الخطأ، وإنما يصبح العقل نفسه موظفًا في خدمة النفس المتضخمة، فبدل أن يبحث عن الحقيقة، يبدأ بالبحث عن المبررات. وبدل أن يسأل عن الدليل الذي يمكن أن يصحح موقفه، يبحث عن الدليل الذي يمكن أن يحميه. وبدل أن تكون قدرته العقلية وسيلة للتحرر من الخطأ، قد تصبح وسيلة أكثر براعة لتبريره.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تكون العنجهية بالضرورة علامة على ضعف الذكاء. فقد يكون الإنسان شديد الذكاء، ومع ذلك شديد العناد؛ بل قد يمنحه ذكاؤه قدرة أكبر على اختراع الحجج التي تسمح له بالاستمرار في الموقف الذي يعرف في أعماقه أنه لم يعد قابلًا للدفاع عنه. فالمشكلة إذاً، ليست دائمًا في عجز العقل عن رؤية الحقيقة، وإنما في عجز النفس عن تحمل النتائج التمثلية للاعتراف بها. وهذه النقطة تجعل العنجهية البشرية تحديًا مثيرًا للاهتمام أمام القراءة التطورية البسيطة للسلوك الإنساني. فإذا كان التطور قد صاغ السلوك الحي في سياق طويل من التكيف مع البيئة، وإذا كانت الاستجابات التي تهدر الموارد والطاقة وتعرض الكائن لخسائر متكررة يفترض أن تواجه ضغطًا يدفع إلى تقليصها، فكيف نفسر ظهور كائن يستطيع أن يعرف أن سلوكه يضره، ثم يستمر فيه لأنه يخشى أن يبدو ضعيفًا إن توقف عنه؟ وكيف انتقلنا من كائن يعدّل سلوكه استجابة للنتائج إلى كائن قد يعدّل تفسيره للنتائج لكي لا يضطر إلى تعديل سلوكه؟ فالفرق بين الحالتين بالغ الدلالة.
فالحيوان، في الحدود التي تسمح بها قدراته الإدراكية، يتعامل أساسًا مع نتيجة الفعل. أما الإنسان فيتعامل مع معنى نتيجة الفعل فيما يخص ذاته. وهذه الإضافة الصغيرة ظاهريًا تقلب المعادلة كلها. فحين يدخل التمثل إلى منظومة اتخاذ القرار، لا تعود المنفعة هي المنفعة البيولوجية المباشرة وحدها؛ حيث يظهر نوع جديد من “المنفعة” يتمثل في منفعة الحفاظ على الهيبة، وعزة النفس المتخيلة، والتفوق، والاتساق أمام الآخرين، وصورة الإنسان عن نفسه.
ومن هنا لا ينبغي القول إن العنجهية البشرية هي بلا منفعة مطلقًا؛ فذلك قد يكون تبسيطًا للمشكلة. فالأدق أنها قد تكون بلا منفعة بيولوجية أو واقعية مباشرة، لكنها ذات منفعة تمثلية شديدة القوة لصاحبها. وهذا التفريق بالغ الدلالة. وذلك لأن فائض التمثل يستطيع أن يجعل الخسارة مكسبًا في وعي الإنسان إذا حفظت صورته، وأن يجعل المكسب خسارة إذا شعر أنه تحقق بثمن تمثلي يمس كبرياءه. ولهذا يستطيع الإنسان أن يخسر المال لكي لا “يخسر وجهه”، وأن يخسر علاقة لكي لا يكون هو المبادر إلى الاعتذار، وأن يخسر فرصة لكي لا يعترف بسوء تقديره، وأن تواصل جماعة أو دولة دفع أثمان متصاعدة لكي لا يقال إنها تراجعت.
فاقتصاد الطبيعة لم يختفِ هنا، وإنما نشأ إلى جانبه ما يمكن تسميته، مجازًا، “اقتصاد التمثل”. وفي اقتصاد الطبيعة، تكون الخسارة هي ضياع الموارد والطاقة والفرص وتهديد البقاء. أما في اقتصاد التمثل، فقد تصبح الخسارة الحقيقية هي انهيار الصورة التي صنعها الإنسان لنفسه. وحين يتعارض الاقتصادان، تستطيع العنجهية أن تدفع الإنسان إلى التضحية بالأول من أجل الثاني.
ومن هنا يمكن النظر إلى الاعتراف بالخطأ بوصفه واحدًا من أعظم الانتصارات التي يستطيع الإنسان تحقيقها على فائض تمثله. فالقول: “كنت مخطئًا” يبدو لغويًا جملة شديدة البساطة، لكنه ميتابايولوجيًا فعل بالغ التعقيد؛ لأنه يتطلب من الإنسان أن يفصل بين ذاته وبين قراره، وبين قيمته الشخصية وبين صحة رأيه، وبين عزة نفسه وبين قدرته على الظهور دائمًا بمظهر المصيب. فالإنسان الذي يستطيع مراجعة نفسه لا يهدم ذاته، وإنما يهدم الصورة المتضخمة التي صنعها عنها.
والمفارقة أن ما تراه العنجهية ضعفًا قد يكون هو أعلى أشكال قوة الإرادة البشرية والتي تتمثل في أن الإنسان يمتلك من السيادة على نفسه ما يسمح له بأن يقول إن الأدلة الجديدة أبطلت موقفه القديم، وإن الحقيقة أحق بالاتباع من الصورة التي يريد المحافظة عليها.
وبذلك تقدم العنجهية البشرية مثالًا بالغ الدلالة على الحاجة إلى الانتقال، في تفسير بعض جوانب الظاهرة الإنسانية، من البايولوجيا إلى الميتابايولوجيا. فالبيولوجيا تستطيع أن تفسر لماذا يبحث الكائن عن المنفعة، ويتجنب الضرر، ويعدل سلوكه في ضوء الخبرة. لكنها تواجه سؤالًا أكثر تعقيدًا عندما يظهر كائن يستطيع أن يعرف الضرر، ويملك القدرة على تجنبه، ثم يختاره لأنه يمنحه “منفعة تمثلية” لا وجود ماديًا لها.
وهنا قد تكمن واحدة من العلامات الفاصلة بين الحيوان والإنسان. فالحيوان يستطيع أن يقع في الخطأ، أما الإنسان فيستطيع أن يحوّل خطأه إلى جزء من هويته، ثم يدافع عن هويته بالدفاع عن الخطأ نفسه. ولذلك فإن عنجهية الإنسان ليست مجرد عيب أخلاقي ينبغي إدانته، وإنما ظاهرة معرفية وتطورية تستحق أن تُدرس بوصفها شاهدًا على التحول العميق الذي طرأ على الكائن البشري حين تجاوزت دوافعه حدود المنفعة الطبيعية، وأصبح “عالم التمثل” قادرًا على منافسة العالم الواقعي في توجيه سلوكه. وربما لهذا السبب كان السؤال الأكثر إثارة للدهشة هو: كيف أصبح الإنسان الكائن الذي يستطيع أن يعرف أنه مخطئ، ثم يفضل أن يبقى مخطئًا على أن يراه الآخرون وهو يعترف بأنه كان كذلك؟

أضف تعليق