أين تضيع طاقة الإنسان؟… تشريح الهدر في الجهاز البايولوجي البشري

من بين أكثر المفارقات إثارة للتأمل في حياة الإنسان أنه الكائن الذي امتلك من القدرات العقلية ما لم يمتلكه غيره من الكائنات، لكنه أصبح، في الوقت نفسه، أكثرها قدرة على استنزاف نفسه من الداخل. فهو لا ينفق طاقته في الحركة، والبحث عن الغذاء، والدفاع، والتناسل، والتكيف مع البيئة فحسب، وإنما يستهلك قسطاً كبيراً منها في عمليات نفسية وذهنية قد لا تغير شيئاً في العالم الخارجي، ولا تحقق منفعة مباشرة للفرد أو النوع، بل قد تنتهي بإضعاف الجهاز الذي يقوم بها.
ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا هو ليس: كم يمتلك الإنسان من الطاقة؟ وإنما: أين تذهب هذه الطاقة؟ فالكفاءة البايولوجية لأي جهاز بايولوجي لا تتحدد بمقدار الموارد المتاحة له وحدها، وإنما بالطريقة التي يدير بها هذه الموارد. والجهاز البايولوجي الأعلى كفاءة ليس بالضرورة الأكثر امتلاكاً للطاقة، بل الأكثر قدرة على توجيهها إلى الوظائف التي تحقق له ولنوعه منفعة فعلية، مع تقليل مقدار الفاقد التشغيلي إلى أدنى حد ممكن. ومن هذه الزاوية تحديداً تظهر واحدة من أبرز نقاط التمايز بين الإنسان والحيوان. فالحيوان ينفق معظم طاقته استجابةً لما يحدث بالفعل. يجوع فيبحث عن الطعام، ويشعر بالخطر فيهرب أو يدافع عن نفسه، ويحتاج إلى الراحة فينام، ويواجه منافساً فيدخل معه في صراع، ثم تنتهي الاستجابة، في الظروف الطبيعية، بانتهاء الموقف الذي استدعاها. فهناك، في الغالب، علاقة مباشرة بين المؤثر والاستجابة، وبين الحاجة والطاقة التي تُستهلك لإشباعها. أما الإنسان، فقد أدخل بين المؤثر والاستجابة عالماً كاملاً من التمثلات؛ إذ أنه لا يتعامل مع الأشياء كما تقع فقط، وإنما كما يتذكرها، وكما يتوقعها، وكما يتصور أن الآخرين يرونها، وكما يتمنى أن تكون، وكما يخشى أن تصبح. وهكذا لم يعد الواقع وحده هو الذي يشغل الجهاز البايولوجي للإنسان، بل أصبح تمثل الواقع قادراً على تشغيله أيضاً. وهنا يبدأ الهدر.
ويتمثل المصدر الأول للهدر في قدرة الإنسان على إبقاء الحدث حياً بعد انتهائه. فقد يتعرض الإنسان لموقف لا يستغرق سوى دقائق، لكنه يستطيع أن يحمله معه سنوات. فيعيد استحضاره، ويعيد الحوار الذي دار فيه، ويتخيل إجابات كان ينبغي أن يقولها، ويستعيد الإهانة أو الخسارة أو الفشل، فيعود الجهاز الانفعالي إلى التفاعل مع شيء لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة. وهنا تظهر مفارقة تشغيلية لافتة: ينتهي الحدث خارج الإنسان، لكنه يستمر داخله. وكل مرة يُعاد فيها تشغيل الحدث تمثل كلفة جديدة. فالواقعة الواحدة التي كان ينبغي أن تستدعي استجابة محدودة زمنياً تتحول، بفعل التمثل، إلى آلاف الاستجابات المتكررة. وهكذا يستطيع الإنسان أن يدفع ثمن الحدث نفسه مرات لا تحصى.
وإذا كانت الذاكرة تسمح للإنسان بإبقاء الماضي حياً، فإن الخيال يسمح له باستحضار مستقبل لم يوجد بعد. وهنا يظهر القلق الاستباقي بوصفه واحداً من أكثر أشكال الهدر إثارة للاهتمام. فقد يدخل الجهاز البايولوجي للإنسان في حالة تأهب كاملة استجابةً لخطر متخيل، أو احتمال بعيد، أو نتيجة لم تقع. وقد يكون الاستعداد للمستقبل وظيفة نافعة بطبيعة الحال؛ فالتخطيط إحدى أعظم القدرات الإنسانية. غير أن التخطيط يختلف جذرياً عن القلق. فالتخطيط يستهلك الطاقة لكي ينتج قراراً أو إجراءً، أما القلق فقد يستهلك الطاقة من غير أن ينتج سوى المزيد من القلق. وهنا يمكن وضع معيار بالغ القيمة الدلالية للتمييز بين الإنفاق الوظيفي للطاقة والهدر التشغيلي؛ فالطاقة التي تنتهي إلى فعل أو معرفة أو حل هي استثمار؛ أما الطاقة التي تعيد إنتاج الحالة التي استهلكتها دون تغيير الواقع فهي أقرب إلى الهدر.
غير أن واحداً من أكبر مصادر استنزاف الإنسان قد لا يكون الماضي ولا المستقبل، وإنما الآخر. فالإنسان لا يعيش أمام الآخرين فقط، وإنما يحمل صورهم وأحكامهم وتوقعاتهم داخله. وقد يغادر الناس المكان، لكن نظرة الآخرين المتخيلة إليه تبقى حاضرة في ذهنه: ماذا سيقولون؟ وكيف سينظرون إليّ؟ وهل يعتقدون أنني ناجح؟ وهل يرونني ضعيفاً؟ ولماذا حصل فلان على ما لم أحصل عليه؟ وهل منزل الآخر أفضل؟ وهل عمله أهم؟ وهل مكانته أعلى؟ وهكذا يصبح جزء كبير من النشاط النفسي للإنسان مكرساً لإدارة موقعه داخل عالم تمثلي اجتماعي بالغ التعقيد. ومن هنا تنشأ المقارنة، والحسد، والغيرة، والتفاخر، والخوف من الفشل الاجتماعي، والتوق إلى الاعتراف، والحساسية المفرطة تجاه النقد، والانشغال بالمكانة. والمثير للاهتمام أن كثيراً من هذه العمليات يمكن أن تستمر حتى في غياب الآخرين أنفسهم. فالإنسان يستطيع أن يجلس وحيداً في غرفة، ومع ذلك يكون جهازه البايولوجي مستنفراً بسبب ما يتخيل أن شخصاً آخر يفكر فيه. وهذه ربما إحدى أكثر صور التمثل غرابة: أن يستطيع إنسان غائب أن يستنزف جهازاً بايولوجياً حاضراً، لأن صورته أصبحت جزءاً من عالمه الداخلي.
ثم يأتي مصدر آخر للهدر أكثر عمقاً يتمثل في الصراع بين الإنسان الواقعي والإنسان الذي يتصور أنه ينبغي أن يكونه. فالإنسان لا يمتلك ذاتاً فقط، وإنما يمتلك صورة عن ذاته. وقد تصبح المسافة بين الاثنين مصدراً دائماً للتوتر؛ فهو يريد أن يكون أكثر نجاحاً، وأكثر جمالاً، وأكثر ذكاءً، وأكثر ثراءً، وأكثر حضوراً، وأكثر تقديراً لدى الآخرين. وليس الطموح في ذاته هدراً؛ فقد يكون قوة دافعة عظيمة. ولكن المشكلة تبدأ حين لا يعود الهدف تحسين الواقع، وإنما حماية صورة متخيلة للذات!
عندها يصبح الفشل أكثر من مجرد نتيجة غير مرغوبة؛ يصبح تهديداً للهوية. ويصبح النقد أكثر من معلومة؛ يصبح اعتداءً على الذات. ويصبح تفوق الآخر أكثر من واقعة؛ يصبح انتقاصاً من قيمة الإنسان نفسه. وهكذا تستهلك الذات جزءاً من طاقة الجهاز الانسان البايولوجي في الدفاع عن صورتها.
ويظهر شكل آخر بالغ الوضوح من الهدر في قدرة الإنسان على إطالة عمر الصراع. فالحيوان قد يدخل في مواجهة عنيفة مع حيوان آخر، لكن انتهاء المواجهة يعني، في كثير من السياقات، انتهاء الجزء الأكبر من الاستنفار المرتبط بها. أما الإنسان فيستطيع أن يحمل خصمه معه أينما ذهب. فيتذكره، ويتخيل مواجهته، ويعيد كلماته، ويتمنى الانتقام منه، ويتابع أخباره، وقد يبني جزءاً من حياته حول خصومة حدثت قبل سنوات. وهكذا لا يعود الخصم بحاجة إلى أن يكون موجوداً لكي يستمر تأثيره. فالتمثل يتولى المهمة نيابة عنه.
وثمة نوع آخر من استنزاف الطاقة يتمثل في استمرار الإنسان في مقاومة وقائع أصبحت غير قابلة للتغيير. فهو يعرف أن حدثاً قد وقع وانتهى، ومع ذلك يستمر في التفكير في الكيفية التي كان ينبغي أن يقع بها. ويعرف أن قراراً قد اتُّخذ ولا يمكن التراجع عنه، لكنه يستمر في إعادة محاكمته. ويعرف أن خسارة قد حدثت، لكنه يقاوم الاعتراف بأنها أصبحت جزءاً من الماضي. ولا يعني ذلك أن الحزن أو مراجعة التجارب هدرٌ في ذاتهما؛ فكلاهما قد يؤدي وظيفة نفسية ومعرفية مهمة. وإنما يبدأ الهدر حين تصبح العملية دائرية، فلا تنتج قبولاً ولا تعلماً ولا فعلاً، وإنما تعيد تشغيل الألم نفسه.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة. ففي الجهاز البايولوجي الحيواني، تبدو العلاقة بين الطاقة والحاجة علاقة مباشرة نسبياً: تظهر الحاجة، فتُستدعى الطاقة، ثم تنتهي الاستجابة بانتهاء الحاجة. أما لدى الإنسان، فقد ظهر مستوى وسيط بالغ القوة بين الواقع والاستجابة، هو “التمثل”. وهذا المستوى يستطيع أن ينتج حاجات رمزية، وأخطاراً رمزية، وانتصارات رمزية، وهزائم رمزية، وخصوماً رمزيين، بل وحتى آلاماً تنشأ من أشياء لا وجود لها خارج ذهن الإنسان في اللحظة التي يعاني منها. ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم “الكلفة البايولوجية للتمثل”.
والمقصود به هو مقدار الموارد النفسية والعصبية والجسمية التي ينفقها الجهاز البايولوجي للإنسان استجابةً لتمثلات لا لمؤثرات خارجية مباشرة. وكلما ازداد سلطان التمثل، ازداد اتساع الفجوة بين ما يحدث في الخارج وما يحدث داخل الجهاز البايولوجي. فقد يكون الإنسان آمناً، لكن جهازه يعمل كما لو كان مهدداً. وقد يكون الإنسان بمفرده، لكن جهازه يستجيب لأحكام الآخرين. وقد يكون الحدث قد انتهى منذ عشرين عاماً، لكن الجهاز يعيد تشغيل آثاره الآن. وقد لا يكون المستقبل قد جاء بعد، لكن الجسد يدفع مسبقاً ثمن كارثة ربما لن تقع.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الجهاز البايولوجي للإنسان. فلقد بلغ من التعقيد درجة أصبح معها قادراً على توليد المؤثرات التي تستنزفه من داخله. فالحيوان يحتاج، في الغالب، إلى خطر لكي يستجيب للخطر، أما الإنسان فيستطيع أن يصنع صورة للخطر ثم يستجيب للصورة. والحيوان يحتاج إلى خصم حاضر لكي يدخل في مواجهة، أما الإنسان فيستطيع أن يستحضر خصمه في ذاكرته ويواصل المواجهة! والحيوان يتعامل مع بيئته، أما الإنسان فيتعامل مع البيئة ومع تمثلاته للبيئة في الوقت نفسه.
ومن هنا فإن واحدة من أهم كلف التمايز الإنساني ربما تتمثل في أن جهازه البايولوجي لم يعد ينتظر العالم لكي يشغله؛ فلقد أصبح قادراً على تشغيل نفسه بنفسه! وهذا يمنح الإنسان قدرة مذهلة على الإبداع والتخطيط والتعلم، لكنه يمنحه في الوقت ذاته قدرة لا تقل إثارة للدهشة على استنزاف ذاته!
وبهذا المعنى، فإن السؤال عن كفاءة الجهاز البايولوجي لا ينبغي أن يقتصر على مقدار الطاقة التي يمتلكها، بل يجب أن يشمل نوعية الإنفاق. فكم من طاقة الإنسان يذهب إلى العمل والتعلم والإبداع والتكيف وحل المشكلات؟ وكم منها يذهب إلى إعادة الماضي، والخوف من المستقبل، ومقارنة الذات بالآخرين، والدفاع عن الصورة الاجتماعية، وإدامة الخصومات، ومقاومة ما لا يمكن تغييره؟ إن الفرق بين النسبتين قد يكون واحداً من أكثر المؤشرات دلالةً على سلامة الأداء البايولوجي. ومن هنا يمكن النظر إلى الحيوان بوصفه جهازاً يعمل، في الظروف الطبيعية، ضمن “اقتصاد الحاجة”؛ فلا تُستدعى موارده إلا بقدر ما تتطلبه حاجاته وبيئته. أما الإنسان، فقد أضاف إلى اقتصاد الحاجة اقتصاد التمثل، وهو اقتصاد قادر على توليد طلب شبه غير محدود على الطاقة النفسية والعصبية.
ولعل هذا هو السبب في أن الإنسان، رغم كل ما وفرته له الحضارة من طعام وأمن وراحة وتقنيات، لم يتحرر من “الاستنزاف الداخلي”، بل ربما أصبح أكثر قدرة على إنتاج أشكال جديدة منه. فالمشكلة لم تعد دائماً في ندرة الموارد الخارجية، وإنما في قدرة الجهاز نفسه على استهلاك موارده داخلياً.
والآن، فإذا كان أحد معايير المثالية البايولوجية هو قدرة الجهاز على تحقيق أعلى مردود وظيفي بأقل قدر من الفاقد، فإن هدر الطاقة يصبح معياراً لا يمكن تجاهله في المقارنة بين الإنسان والحيوان. والحيوان، من هذه الزاوية، يبدو جهازاً بالغ الاقتصاد؛ إذ ترتبط معظم استجاباته بحاجات ومؤثرات لها حضور مباشر في حياته. أما الإنسان، فقد أصبح قادراً على إنفاق طاقته على ما وقع وانتهى، وما لم يقع بعد، وما يظن أن الآخرين يفكرون فيه، وما يتمنى أن يكونه، وما يرفض الاعتراف بأنه لن يستطيع تغييره. وهكذا قد لا يكون أعظم مظاهر الاختلال في الجهاز البشري أنه يمتلك طاقة أقل، وإنما أنه يمتلك قدرة غير مسبوقة على هدر الطاقة التي يمتلكها. ولذلك فإن فهم الإنسان من منظور المثالية البايولوجية يقتضي ألا نسأل فقط عما يستطيع هذا الجهاز إنجازه، بل عما يحتاج إلى إنفاقه لكي ينجز، وعما يهدره من موارده من غير إنجاز حقيقي!
وعند هذه النقطة تحديداً تظهر إحدى المفارقات الأكثر عمقاً في التمايز بين الإنسان والحيوان: فلقد منح التمثل الإنسان القدرة على أن يتجاوز الواقع، لكنه منحه أيضاً القدرة على أن يعاني مما ليس واقعاً؛ ومنحه القدرة على استحضار الماضي واستباق المستقبل، لكنه جعله يدفع بايولوجياً ثمن الأزمنة الثلاثة في اللحظة نفسها! وربما كان الحيوان، في المقابل، أكثر اقتصاداً لأنه لا يكاد يدفع إلا ثمن اللحظة التي يعيشها.

أضف تعليق