تاريخ الحروب… لماذا يقتل الإنسان للأسباب نفسها؟

من بين أكثر المفارقات قسوة في تاريخ الحضارة الإنسانية أن الإنسان استطاع أن يغير تقريبًا كل شيء في الحرب، إلا الحرب نفسها. فقد تغيرت الأسلحة، وتطورت الجيوش، وتعقدت الاستراتيجيات، وتبدلت أشكال الدول والتحالفات، وانتقل الإنسان من أدوات القتال البدائية إلى تقنيات تستطيع العمل عبر مسافات شاسعة، لكن الأسباب الكبرى التي تدفع البشر إلى الصراع تبدو، عند تجريدها من تفاصيلها التاريخية، مألوفة على نحو يثير الدهشة. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا هو ليس: لماذا وقعت هذه الحرب أو تلك؟ فلكل حرب سياقها وأسبابها المباشرة التي ينبغي للمؤرخ أن يدرسها بعناية. وإنما السؤال الأعمق هو: كم سببًا مختلفًا حقًا استطاع الإنسان أن يخوض الحرب من أجله طوال تاريخه؟ فقد يكون عددها أقل بكثير من عدد الحروب. فإذا أزلنا أسماء الدول والقادة، وتجاهلنا التواريخ والخرائط، ونزعنا عن الصراعات شعاراتها الخاصة، فسوف نجد أنفسنا مرارًا أمام مجموعة محدودة من الدوافع: الأرض، والموارد، والسلطة، والأمن، والخوف من الآخر، والثأر، والانتماء، والتوسع، والدفاع عن الجماعة، والرغبة في الهيمنة، وأحيانًا العقيدة أو الهوية التي تمنح الصراع معنى يتجاوز المصالح المباشرة. فتتغير أسماء المتحاربين، لكن قائمة الدوافع الأساسية تتغير بدرجة أقل بكثير.
ومن هنا يمكن النظر إلى تاريخ الحروب بطريقة مختلفة تمامًا. فبدل أن يكون سلسلة طويلة من الصراعات المنفصلة، يمكن أن يصبح تاريخًا لعدد محدود من البنى الصراعية التي يعيد الإنسان إنتاجها في ظروف مختلفة. فلقد تغير المسرح، لكن الحبكة الأساسية تتكرر. وهذه الملاحظة لا تعني أن الحروب متطابقة، ولا أن أسبابها السياسية والاقتصادية والتاريخية يمكن اختزالها في تفسير واحد. فبين الحروب اختلافات جوهرية في السياق والمسؤولية والنتائج. لكنها تعني أن وراء هذا التنوع التاريخي الهائل عددًا أقل من الدوافع البشرية المتكررة.
وهنا يعود مبدأ مشروع إعادة كتابة تاريخ المعرفة؛ هذا المشروع القائم على أساس من كون التجليات كثيرة، أما الأصول فهي قليلة. فكما يمكن أن تكون آلاف الكتب الفلسفية هي مجرد تنويعات على عدد محدود من الأسئلة، يمكن أن تكون مئات الحروب هي تنويعات مأساوية على عدد محدود من المعضلات البشرية.
فلقد اعتاد المؤرخ أن يسأل: من حارب من؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا انتصر هذا الطرف وهُزم ذاك؟ لكن إعادة كتابة تاريخ الحرب من منظور ميتابايولوجي تقتضي إضافة سؤال آخر: ما الذي كان يتكرر في الإنسان نفسه بينما كانت أسماء الإمبراطوريات تتغير؟ وعندئذ يمكن إعادة تصنيف الحروب لا بحسب القرون والقارات، وإنما بحسب دوافعها العميقة. فتوضع الحروب التي كان محورها الخوف من الآخر ضمن عائلة واحدة، والحروب التي كان محورها التوسع ضمن أخرى، والصراعات التي غذتها الهوية ضمن ثالثة، والحروب التي دفعتها السيطرة على الموارد ضمن رابعة. وعند إجراء مثل هذه الغربلة، ربما ينكمش تاريخ الحروب بصورة مذهلة. فالآلاف تتحول إلى مئات، ثم تتحول المئات إلى عشرات من الأنماط، وربما تنتهي هذه الأنماط نفسها إلى عدد أقل من الدوافع النفسية والاجتماعية الأساسية. وعندئذ لن يعود لدينا تاريخ للحروب فقط، بل خريطة للدوافع البشرية المنتجة للحرب.
وهنا تقدم الميتابايولوجيا تفسيرًا لأحد أكثر العوامل أهمية في استمرار الصراع: فائض التمثل. فالإنسان لا يكتفي بأن يوجد داخل جماعة، وإنما يستطيع أن يجعل الجماعة جزءًا من تمثله لذاته. فالوطن، والقومية، والقبيلة، والمذهب، والحزب، والثقافة، وغيرها، قد تتحول من انتماءات إلى مكونات للصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه. وعندئذ يصبح الاعتداء على الجماعة، أو حتى مجرد انتقادها في بعض الحالات، قابلًا لأن يُستقبل نفسيًا كما لو كان اعتداءً على الذات. وهنا يحدث تحول بالغ الدلالة؛ حيث ينتقل النزاع من كونه خلافًا حول شيء خارجي إلى كونه تهديدًا للهوية. وما إن يصبح الصراع صراع هوية حتى يصبح التراجع أصعب؛ لأن الإنسان لا يشعر بأنه يتنازل عن أرض أو مصلحة فحسب، بل قد يشعر بأنه يتنازل عن جزء من ذاته.
ومن هنا نفهم لماذا تستطيع بعض النزاعات أن تستمر أجيالًا بعد أن تصبح كلفتها أكبر من المنافع التي كان يمكن تحقيقها منها. فالاقتصاد قد يقول: توقف، والمنفعة قد تقول: توقف، والخسائر قد تقول: توقف. ولكن التمثل قد يقول: التراجع هزيمة للذات. وهكذا يستطيع الإنسان أن يستمر في صراع لم يعد مربحًا من الناحية المادية، لأنه أصبح مربحًا من الناحية التمثلية؛ إذ أنه يحافظ له على صورة الشجاعة أو عزة النفس أو الثبات أو التفوق التي يريد الاحتفاظ بها.
لكن فائض التمثل وحده لا يفسر كل شيء. وهنا يظهر فائض العدوان بوصفه القوة التي تستطيع تحويل الانقسام التمثلي إلى فعل عدائي. فالآخر الذي جرى أولًا تصنيفه بوصفه مختلفًا قد يصبح منافسًا، ثم خصمًا، ثم عدوًا. ومع كل انتقال تتقلص المسافة الأخلاقية التي تفصل الإنسان عن إمكانية إيذائه.
وتكمن خطورة هذه العملية في أنها تستطيع أن تعيد تعريف العدوان نفسه. فالإنسان نادرًا ما يريد أن يرى نفسه معتديًا. ولذلك فإنه يعيد صياغة أفعاله ضمن سردية تسمح له بالحفاظ على صورة أخلاقية إيجابية عن ذاته وجماعته. فيصبح العدوان دفاعاً والتوسع ضرورة والانتقام استعادة لعزة النفس. ويصبح ما يدينه الإنسان حين يفعله خصمه قابلًا للتبرير حين يصدر عن جماعته.
ولعل من أكثر الظواهر دلالة في تاريخ الحروب قدرة الجماعات البشرية على بناء صورة مختزلة عن الخصم. فالخصم المعقد يتحول إلى صورة بسيطة، وتُختزل جماعة كاملة في مجموعة من الصفات، وتختفي الفروق الفردية خلف هوية جامعة. وهذا الاختزال يؤدي وظيفة نفسية مهمة؛ لأن إيذاء إنسان نراه شبيهًا بنا أصعب من إيذاء صورة تمثلية جرى تحميلها بكل ما نخشاه أو نكرهه. ولهذا تسبق كثيرًا من الصراعات عملية معرفية خطرة: إفقار صورة الآخر. فكلما ازدادت صورة الخصم تعقيدًا وإنسانية، أصبح العدوان عليه أصعب. وكلما اختُزل في هوية واحدة، أصبح تحويله إلى عدو أكثر سهولة. وهكذا لا تبدأ الحرب دائمًا عند إطلاق أول سلاح، بل قد تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، عندما يفقد الإنسان قدرته على رؤية الإنسان في الطرف الآخر.
وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى؛ فتاريخ الحرب يكشف عدم التوازن المذهل بين سرعة تطور الوسائل وبطء تطور الدوافع. فالإنسان الذي كان يتصارع على الأرض والموارد والمكانة والانتماء قبل آلاف السنين أصبح يمتلك تقنيات لم يكن أسلافه قادرين حتى على تخيلها، لكنه لم يتخلص بالسرعة نفسها من الخوف والعدوان والتعصب والرغبة في السيطرة. فلقد دخلت أدواته المستقبل، بينما بقي جزء من دوافعه في الماضي. وهذا يجعل التقدم التقني نفسه مشكلة عندما لا يصاحبه تقدم في القدرة على ضبط الدوافع التي تستخدم التقنية. فالخطر ليس في الأداة وحدها، وإنما في المسافة المتزايدة بين قوة ما يستطيع الإنسان فعله وقدرته على التحكم في الأسباب التي تدفعه إلى فعله.
وهنا يظهر سؤال قديم يكاد يرافق كل جيل: فإذا كانت الحرب هي بهذه الكلفة، فلماذا لم يتعلم الإنسان من التاريخ؟ ربما لأن الإنسان يتعلم تفاصيل الحروب أكثر مما يتعلم بنيتها. فنحن نحفظ أسماء المعارك والقادة، ونحلل التحالفات، وندرس أسباب الانتصارات والهزائم، لكننا أقل اهتمامًا بالسؤال عن الآليات النفسية والتمثلية التي جعلت الحرب ممكنة أصلًا. ولهذا يستطيع كل جيل أن يعتقد أن حربه مختلفة، فيقول لنفسه إن الظروف هذه المرة استثنائية، وإن الخصم مختلف، وإن القضية أكثر عدالة، وإن الماضي لا يصلح للمقارنة. وهكذا تستطيع البنية القديمة أن تعود لأنها ترتدي في كل مرة ثيابًا جديدة. فالإنسان لا يقول: سأكرر خطأ أسلافي، بل يقول: حالتي مختلفة. وقد تكون هذه العبارة نفسها واحدة من أكثر العبارات تكرارًا في التاريخ.
ومن هنا فإن إعادة كتابة تاريخ الحروب قد تقتضي انقلابًا منهجيًا. فبدل أن نكتفي بوضع الحروب على خط زمني، يمكن أن نضعها على “خريطة ميتابايولوجية”، ونسأل عن مقدار فائض التمثل في كل منها، وعن دور الهوية، والخوف، والمصلحة، والعدوان، والحاجة إلى التفوق، وبناء صورة العدو، وآليات التبرير الأخلاقي. وعندئذ قد نكتشف أن حروبًا تفصل بينها آلاف السنين أكثر تشابهًا من حروب وقعت في الحقبة نفسها، وذلك لأن التشابه الحقيقي لا يكمن دائمًا في نوع السلاح أو شكل الدولة، وإنما في البنية الإنسانية التي دفعت إلى استخدام السلاح. وهنا يمكن أن تتغير وظيفة دراسة التاريخ نفسها، فبدل أن يكون تاريخ الحرب سجلًا لما فعله البشر بعضهم ببعض، يصبح مختبرًا ضخمًا لدراسة لماذا يكرر البشر ما يفعلونه.
وعند هذه النقطة تكتسب مقولة “لا جديد تحت الشمس” معناها الأكثر قتامة. فالشمس التي أضاءت ساحات الصراع القديمة تضيء عالمًا تغيرت فيه كل التفاصيل تقريبًا، بينما بقيت دوافع بشرية كثيرة قادرة على إعادة إنتاج المشهد نفسه. فلقد تغير اسم المحارب. وتغير اسم الدولة. وتغيرت الراية. وتغير السلاح. وتغيرت اللغة التي يُبرر بها الصرا، لكن الخوف القديم، والعدوان القديم، والتعصب القديم، والرغبة القديمة في التفوق، تستطيع جميعًا العودة.
ومن هنا ربما يكون السؤال الأكثر قيمة دلالية في تاريخ الحرب هو ليس: كم حربًا خاض الإنسان؟ بل: كم حربًا مختلفة خاضها الإنسان حقاً؟ فإذا استطعنا أن نجرد الحروب من أسمائها وتواريخها وشعاراتها، فقد نكتشف أن آلاف الحروب التي تملأ كتب التاريخ هي ليست في حقيقة الأمر سوى عدد محدود من الحروب البشرية الكبرى التي ظل الإنسان يعيد خوضها مرة بعد مرة.
وحينئذ لن يكون أعظم إنجاز يمكن أن تحققه دراسة التاريخ أن تخبر الإنسان بما حدث في الماضي، بل أن تجعله قادرًا على التعرف إلى الماضي عندما يعود متنكرًا في هيئة الحاضر. وذلك لأن التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكن الإنسان هو الذي يكرر نفسه في التاريخ.

أضف تعليق