العقل محامي النفس… حين يصبح الذكاء أداةً لتبرير الهوى

من بين أكثر الأوهام رسوخًا في تصور الإنسان عن نفسه ذلك التمجيد المفرط للعقل البشري، وكأن مجرد امتلاك الإنسان قدرة عالية على التفكير والاستدلال والتحليل كفيل بأن يجعله كائنًا عقلانيًا في أفعاله ومواقفه وردود أفعاله. ولقد أسهم تاريخ الفلسفة والعلم في ترسيخ هذه الصورة حين جعل العقل أبرز ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات، حتى أصبح وصف الإنسان بأنه «كائن عاقل» أقرب إلى تقرير حقيقة مكتملة منه إلى وصف قدرة يمكن أن تعمل حينًا، وأن تتعطل حينًا آخر، بل وأن تتحول في بعض الأحيان إلى أداة تخدم نقيض الغاية التي يُفترض أنها وجدت من أجلها. غير أن مراقبة الإنسان في لحظات الاستفزاز تكشف عن صورة مختلفة تمامًا.
فالاختبار الحقيقي للعقل ليس مقدار ما يستطيع الإنسان أن يفكر فيه عندما تكون نفسه هادئة، ولا قدرته على حل المسائل المعقدة، ولا حجم معارفه، ولا حتى ما حققه من إنجازات فكرية وعلمية. وإنما يبدأ الاختبار الحقيقي للعقل في اللحظة التي تتعرض فيها النفس لما تعتبره إهانة أو انتقاصًا أو تهديدًا لصورتها عن ذاتها.
وهنا يظهر السؤال الحاسم: ماذا يفعل العقل عندما تُستفز النفس؟ وهل يقف في مواجهتها، ويفحص دوافعها، ويكبح اندفاعها، ويحسب النتائج قبل الفعل؟ أم أنه يفعل شيئًا آخر أكثر إثارة للقلق: أن ينتقل إلى صفها، ويبدأ في البحث عن الحجج التي تبرر لها ما تريد فعله أصلًا؟
لعل الخطأ الأكبر في تمجيد العقل أننا نفترض ضمنًا أنه سلطة مستقلة داخل الإنسان، وأنه متى امتلك المعرفة والمنطق استطاع أن يفرض حكمه على بقية القوى النفسية. ولكن التجربة الإنسانية اليومية تقدم شواهد لا حصر لها على أن العلاقة بين العقل والنفس ليست بهذه البساطة. فحين يشعر الإنسان بأن عزة نفسه قد مُست، أو مكانته قد انتُقص منها، أو صورته أمام الآخرين قد تعرضت للتهديد، فقد لا يكون أول ما يفعله العقل هو مساءلة النفس عن مشروعية غضبها، بل قد يبدأ فورًا في أداء وظيفة مختلفة: تقديم المرافعة التي تحتاج إليها النفس لكي تنتقل من الشعور بالإهانة إلى ممارسة الانتقام وهي مقتنعة بأنها تمارس العدالة. وهنا تحدث واحدة من أخطر عمليات التزييف الداخلي. فالنفس تقول: “أريد أن أنتقم”، ولكن العقل لا يكتب في قراره: “انتقم”؛ إذ أنه أكثر دهاءً من ذلك، بل يقول: “ينبغي أن تضعه عند حده”. وتقول النفس: “أريد أن أجرحه كما جرحني”. فيعيد العقل صياغة الرغبة قائلًا: “لا بد أن يعرف أن لأفعاله عواقب”. وتقول النفس: “أريد إذلاله”، فيمنحها العقل صياغة أكثر احترامًا: “يجب ألا تسمح للآخرين بأن يستضعفوك”. وتريد النفس الثأر، فيسميه العقل “استردادًا للحق”. وتريد التشفي، فيسميه “إنصافًا”. وتريد العدوان، فيسميه “دفاعًا عن عزة النفس”. وبذلك لا يختفي العقل عند حضور الهوى، وإنما قد تحدث المفارقة الأشد خطورة؛ إذ يبقى العقل بكامل قدراته، ولكنه يغير الجهة التي يعمل لمصلحتها.
ومن هنا يصبح من الخطأ أن ننخدع بذكاء البعض. فالإنسان الذي يمتلك عقلًا بالغ القدرة على التحليل ليس بالضرورة أقدر من غيره على مقاومة نفسه عندما تُستفز. وقد يكون في بعض الحالات أكثر قدرة على خدمتها؛ لأنه يمتلك مخزونًا أوسع من الحجج، وقدرة أكبر على إعادة توصيف أهوائه بلغة منطقية وأخلاقية.
فالعبقري يغضب كما يغضب غيره. كما أن بمقدور الفيلسوف أن يحقد. والعالِم يستطيع أن ينتقم. والمفكر الذي يستطيع اكتشاف المغالطات في أكثر النظريات تعقيدًا قد يعجز عن اكتشاف المغالطة التي صنعتها نفسه لتبرير موقف أرادت اتخاذه، بل إن الذكاء نفسه قد يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا؛ لأن الإنسان البسيط ربما يعجز عن العثور على تبريرات كثيرة لعدوانه، أما الذكي فيستطيع أن يبني حوله منظومة كاملة من الحجج.
ومن هنا ينبغي التمييز بين قوة العقل وسلطان العقل. فقوة العقل تعني مقدار ما يستطيع القيام به من تحليل واستدلال وربط واستنتاج. أما سلطان العقل فيعني مقدار قدرته على إلزام الإنسان بنتائج هذا التحليل عندما تتعارض مع رغبات النفس. وقد يمتلك الإنسان “قوة العقل” بدرجة استثنائية، بينما يفتقر إلى “سلطان العقل” بصورة مذهلة. وهذا يعني أن السؤال الحقيقي هو ليس: كم يبلغ ذكاء هذا الإنسان؟ وإنما: ماذا يحدث لذكائه عندما تتعارض الحقيقة التي يدركها مع الشيء الذي تريده نفسه؟
وهنا نصل إلى أحد أكثر أوجه التناقض إثارة في البنية الإنسانية. فالإنسان يستطيع أن يحمل في داخله “عقلًا” قادرًا على التعامل مع الرياضيات والفلسفة والفيزياء والقانون والمنطق، وفي الوقت نفسه يستطيع ان يحمل “نفسًا” تستجيب للإهانة بمنطق شديد البدائية: لقد آذاني، ولذلك يجب أن أؤذيه؛ لقد انتقص مني، ولذلك ينبغي أن أنتقص منه؛ لقد هدد صورتي عن نفسي، ولذلك يجب أن أحطم صورته عن نفسه. فنحن أمام تعايش غريب بين مستويين لا يبدو للوهلة الأولى أنهما يمكن أن يجتمعا في كائن واحد: عقل بالغ التعقيد، ونفس تستطيع في لحظة الاستفزاز أن تعود إلى أكثر دوافع الثأر بدائية. والأغرب أن الاثنين لا يظلان بالضرورة في حالة صراع. فقد يعقدان تحالفاً، فتقدم النفس الغاية، فيقدم العقل الوسيلة. وتحدد النفس العدو، فيضع العقل الخطة. والنفس تريد الانتقام، فيبحث العقل عن المبرر. والنفس تقرر النتيجة أولًا، ثم يُستدعى العقل لاحقًا لكي يصوغ المقدمات التي تجعل تلك النتيجة تبدو منطقية. وعند هذه النقطة يصبح العقل، الذي اعتدنا النظر إليه بوصفه قوة تحرير للإنسان من بدائيته، أحد أكثر الأدوات قدرة على “تحديث” البدائية وإلباسها لغة العقل.
ولهذا ربما ينبغي إعادة صياغة واحدة من أشهر المسائل المتعلقة بالسلوك الإنساني. فنحن كثيرًا ما نصف السلوك المنفعل بقولنا إن الإنسان «فقد عقله». لكن هذه العبارة قد تكون مضللة. فهو ربما لم يفقد عقله على الإطلاق، ولكنه فقد استقلال عقله هذا. وهذا فرق جوهري. فالعقل قد يظل يعمل بكفاءة عالية، ولكنه أصبح يعمل تحت إمرة النفس المستفَزة. ولذلك يستطيع الإنسان وهو في ذروة الغضب أن يخطط، وأن ينتقي الكلمات الأكثر إيلامًا، وأن يتذكر نقاط ضعف خصمه، وأن يحسب الطريقة التي يستطيع بها إلحاق أكبر ضرر به. وهذه كلها جميعاً ليست أفعال عقل غائب، بل على العكس، قد تكون أفعال عقل شديد الحضور. لكنها أفعال عقل جُنِّد لخدمة الهوى. ومن هنا يصبح الخطر الذي يهدد الإنسان أعقد كثيرًا من مجرد اللاعقلانية؛ لأن اللاعقلانية الصريحة يسهل اكتشافها، أما الهوى الذي تعلم كيف يتحدث بلغة العقل فهو من أصعب أشكال الهوى مقاومةً.
وهذا يفسر أيضًا لماذا لا تجعل الثقافة وحدها الإنسان أكثر تهذيبًا بالضرورة، ولماذا لا يؤدي تراكم المعرفة تلقائيًا إلى الارتقاء الأخلاقي. فالمعرفة توسع أدوات العقل، لكنها لا تحدد بالضرورة الجهة التي ستستخدم هذه الأدوات. والمنطق يعلم الإنسان كيف ينتقل من المقدمات إلى النتائج، لكنه لا يضمن أن النفس لم تكن قد اختارت النتيجة مسبقًا ثم أمرت العقل بالبحث عن المقدمات المناسبة لها! والذكاء يزيد القدرة على بناء الحجج، لكنه لا يضمن أن الحجج ستُستخدم ضد الهوى بدلًا من استخدامها في خدمته. ولهذا فإن مشروع تهذيب الإنسان لا يمكن أن يكون مشروعًا معرفيًا خالصًا. فالإنسان لا يحتاج إلى معرفة الصواب فحسب، بل يحتاج إلى أن يصبح قادرًا على فعل الصواب حين تكون نفسه راغبة في نقيضه. وهذه مسألة مختلفة تمامًا.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم جانب عميق من المنهاج التعبدي الذي جاء به الدين، والذي يبدو لكثير من الناس، إذا نظروا إليه من الخارج، مجموعة من الأوامر والنواهي والقيود المتكررة. لكن المسألة أعمق من مجرد تنظيم خارجي للسلوك. فالصلاة والصيام وكظم الغيظ والعفو والصبر ومجاهدة النفس وضبط الشهوة والنهي عن الانتقام غير المشروع ليست تكاليف متناثرة لا رابط بينها؛ إذ أنها، ومن زاوية واحدة جامعة، تدريب طويل على إعادة ترتيب مراكز السلطة داخل الإنسان. فالإنسان لا يحتاج إلى عقل أقوى فحسب، بل يحتاج إلى نفس تتعلم ألا تجعل العقل خادمًا لها.
ومن هنا تأتي صرامة المنهاج التعبدي. فالصيام، مثلًا، لا يقدم للإنسان معلومة جديدة عن الطعام، وإنما يدربه على أن يستطيع الامتناع عما يرغب فيه مع قدرته عليه. وكظم الغيظ لا يعلِّم الإنسان أن الغضب موجود؛ فهو يعرف ذلك من تجربته، وإنما يدربه على الفصل بين وجود الغضب ووجوب الامتثال له. والعفو لا يعني إنكار الإساءة، وإنما يعني كسر تلك المعادلة البدائية التي تقول إن كل أذى ينبغي أن ينتج أذى مقابلًا. والصبر ليس خمولًا، وإنما هو تدريب على منع الانفعال اللحظي من الاستيلاء على القرار. وبهذا المعنى يصبح التعبد مشروعًا لإعادة بناء العلاقة بين العقل والنفس، لا مجرد مجموعة طقوس منفصلة.
ولعل من أعمق التعبيرات القرآنية في هذا السياق قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. فقول الله تعالى هذا لا ينكر وجود الغيظ. وهذه نقطة بالغة الدلالة. فالدين لا يطلب من الإنسان أن لا يغضب، ولا أن يصبح بلا نفس تستفَز، ولكنه يطلب منه أن يَحول دون ان يتحول الغيظ إلى فعل.
هناك إذاً مسافة ينبغي أن تنشأ بين ما تشعر به النفس وما يفعله الإنسان. وفي هذه المسافة تحديدًا يولد الانضباط الأخلاقي. فالإنسان غير المهذب نفسيًا تتحول انفعالاته بسرعة إلى أفعال: يغضب فيؤذي، ويُهان فينتقم، ويُستفز فيرد، ويشتهي فيطلب الإشباع. أما الإنسان الذي خضع لتدريب تعبدي وأخلاقي طويل، فإنه يتعلم أن الشعور ليس أمرًا، وأن الغضب ليس حجة، وأن الرغبة ليست حقًا، وأن القدرة على الانتقام لا تعني مشروعيته. وهذا تحول بالغ العمق في بنية الإنسان.
ومن هنا يمكن القول إن الخطأ هو النظر إلى الدين وكأنه جاء ليضيف مجموعة من الاعتقادات والطقوس إلى إنسان مكتمل التكوين أصلًا. فالمنهاج التعبدي، من هذه الزاوية، يتعامل مع مشكلة بنيوية أعمق تتمثل في كون الإنسان كائناً منقسماً على نفسه؛ فهو يعرف شيئًا ويريد شيئًا آخر! ويؤمن بقيمة ثم يخالفها عند الاستفزاز! ويدين الانتقام حين يراه عند الآخرين، ثم يجد له ألف مبرر حين تصبح نفسه هي المجروحة! ويمتدح أولئك الذين يعفون عن الناس، ثم يرى العفو ضعفًا عندما يُطلب منه أن يكون من العافين! ويؤمن بالعدل ما دام العدل لا يقف في وجه هواه.
ولهذا لا يكفي أن يُعطى الإنسان المزيد من الحجج العقلية، لأن العقل نفسه قد يصبح جزءًا من المشكلة. فالمطلوب هو تغيير العلاقة بين القوى الداخلية ذاتها. أي أن يتوقف العقل عن كونه وزارة إعلام للنفس، مهمتها إصدار البيانات التي تبرر قراراتها بعد اتخاذها.
ولعل هذا يقود إلى إعادة النظر في الصورة المألوفة عن “الإنسان العاقل”. فالإنسان ليس عقلًا يحمل بعض الشهوات، بل هو كائن تتجاذبه قوى مختلفة، ولا تكون قيمة العقل فيه بما يستطيع معرفته فحسب، وإنما بما يستطيع مقاومته أيضًا. فالمنطق الذي لا يستطيع الوقوف أمام الهوى عند الحاجة يظل منطقًا ناقص السيادة. والذكاء الذي يستخدم لتبرير العدوان لا يجعل العدوان أقل بدائية؛ بل يجعله أكثر حذقًا. والعبقرية التي لا تمنع صاحبها من أن يصبح أسيرًا لنفسه عند استفزازها لا ينبغي أن تخدعنا عن حقيقة ما يحدث في داخله.
ومن هنا تظهر الوظيفة العميقة للمنهاج التعبدي الصارم؛ إذ أنه يسعى إلى إنهاء حالة “التعايش السلمي” بين المنطق والتوحش. فلا يكفي أن يمتلك الإنسان عقلًا منطقيًا في جانب من حياته، ثم يترك لنفسه البدائية السيادة متى تعرضت صورتها للتهديد. ولا يكفي أن يكون حكيمًا في كتبه، ثم يصبح أسيرًا للثأر في خصوماته. ولا يكفي أن يتحدث عن الفضيلة ما دام عقله مستعدًا لتعليقها مؤقتًا كلما تعلق الأمر بنفسه.
فالمطلوب في النهاية ليس القضاء على النفس، ولا إلغاء الانفعال، ولا تحويل الإنسان إلى كائن بلا رغبات، وإنما إخضاع هذه القوى لسلطة معيارية أعلى تمنعها من تجنيد العقل لخدمتها. وعندها يصبح العقل عقلًا بالفعل، لا لأنه يستطيع أن يقدم الحجج، وإنما لأنه يستطيع أن يقول للنفس، عندما تمتلك هي ألف حجة للانتقام: كلا.
وربما تكون هذه الـ «كلا» التي يقولها الإنسان لنفسه في لحظة امتلاكه القدرة على الثأر أعظم برهان على عقلانيته من آلاف الصفحات التي يستطيع أن يكتبها في المنطق. فالمشكلة الكبرى في الإنسان لم تكن يومًا أنه لا يمتلك عقلًا، بل إنه يمتلك عقلًا بالغ القوة، إلى جوار نفس تستطيع، إذا لم تُهذَّب، أن تستولي على هذه القوة وتوظفها في خدمتها. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه عندما نقف أمام إنسان شديد الذكاء هو ليس: إلى أي مدى يستطيع هذا العقل أن يفكر؟ بل: لمن يعمل هذا العقل عندما تُستفز النفس؟

أضف تعليق