
من بين أكثر الأفكار شيوعاً في الخطاب النفسي والاجتماعي المعاصر تلك الفكرة التي تبدو، للوهلة الأولى، شديدة الرحمة: لا تقسُ في الحكم على الإنسان، فهو ابن ظروفه. فقد صنعته جيناته، وشكلته أسرته، وحددت طفولته كثيراً من ملامح شخصيته، ثم جاءت بيئته الاجتماعية ووضعه الاقتصادي وتجارب النجاح والفشل التي مر بها، فأكملت جميعها تشكيله. وإذا انتهى به الأمر إلى فعل سيئ، أو سلوك عدواني، أو موقف أخلاقي مستهجن، فما هو إلا الحصيلة النهائية لقوى بدأت عملها فيه قبل أن يمتلك القدرة على اختيار أي شيء.
غير أن المشكلة لا تبدأ من الاعتراف بتأثير هذه القوى؛ فهذا أمر يصعب إنكاره. وإنما تبدأ حين يتحول التأثير إلى حتمية، والتفسير إلى إعفاء، والظرف إلى قدر، والسبب إلى عذر شامل. فالقول إن الإنسان يتأثر بظروفه شيء، والقول إنه لا يستطيع أن يفعل إلا ما تريده منه هذه الظروف شيء آخر تماماً. وهنا تحديداً يقع واحد من أخطر الأوهام التي ينبغي إعادة النظر فيها: وهم الإنسان المحكوم بالكامل بما سبقه وما يحيط به.
فالإنسان لا يولد في فراغ؛ إذ أنه يرث استعدادات بايولوجية، وينشأ داخل أسرة لم يخترها، ويتعلم لغة لم يخترها، ويتلقى منظومة أولى من القيم والتصورات قبل أن يكون قادراً على مناقشتها، ثم يجد نفسه داخل مجتمع وثقافة وطبقة اقتصادية ومرحلة تاريخية لم يكن له أي دور في تحديدها.
كل ذلك صحيح.
لكن لا شيء من ذلك يستلزم منطقياً أن تكون أفعال الإنسان اللاحقة مجرد تنفيذ آلي لما وضعته هذه العوامل فيه. فالظروف يمكنها أن ترجّح فعلاً، لكنها لا تثبت بذلك أنها تفرضه. والتربية يمكنها أن تجعل سلوكاً معيناً أكثر احتمالاً، لكنها لا تثبت أن صاحبه أصبح عاجزاً عن مخالفته. والوراثة يمكنها أن تمنح الإنسان ميلاً أو استعداداً أو قابلية، لكنها ليست، في الغالب، أمراً تنفيذياً مكتوباً إلى نهايته. والفقر يستطيع أن يجعل طريقاً من الطرق أصعب من غيره، لكنه لا يجعل الجريمة النتيجة الوحيدة الممكنة. كما أن الثراء يستطيع أن يوفر فرصاً هائلة، لكنه لا يجعل النجاح الأخلاقي أو المعرفي نتيجة حتمية. فأكبر خطأ يقع فيه التفكير الحتمي هو أنه يتعامل مع الاحتمال المرتفع وكأنه ضرورة، ومع الميل وكأنه أمر، ومع الضغط وكأنه إجبار. وهذه أشياء مختلفة تماماً.
فلو كانت الظروف تصنع الإنسان صناعة حتمية، لوجب أن يؤدي تشابه الظروف إلى تشابه النتائج؛ فالحياة الإنسانية تقول شيئاً مختلفاً. فقد ينشأ أخَوان في الأسرة نفسها، وفي المنزل نفسه، وتحت سلطة الوالدين نفسيهما، ويذهبان إلى المدرسة نفسها، ويعيشان المستوى الاقتصادي نفسه، ثم ينتهي أحدهما إلى شخصية تختلف اختلافاً عميقاً عن شخصية الآخر. وقد يعيش أناس تحت الفقر نفسه، فيستجيب أحدهم له بالاجتهاد، ويستجيب آخر بالاستسلام، وثالث بالجريمة، ورابع بالزهد، وخامس بالطموح. وقد يتعرض إنسان للإهانة فيتحول إلى شخص يريد إذلال الآخرين لأنه ذاق الإذلال، بينما يتعرض آخر للإهانة نفسها تقريباً فيقرر ألا يفعل بإنسان ما فُعل به. وهنا تظهر حقيقة بالغة الدلالة: فالظرف لا ينتقل مباشرة إلى الفعل، فبين الظرف والفعل توجد مساحة، وفي تلك المساحة يوجد الإنسان؛ إذ أنها مساحة التأمل، والمراجعة، والتقييم، والمقاومة، وتأجيل الاستجابة، وإعادة تفسير التجربة، ومقارنة الممكنات، واتخاذ القرار. وقد تكون هذه المساحة ضيقة عند إنسان وواسعة عند آخر، وقد تضعف في بعض اللحظات وتقوى في أخرى، لكنها هي تحديداً المساحة التي تجعل دراسة الإنسان مختلفة عن دراسة جسم يسقط بفعل الجاذبية. فالحجر لا يستطيع أن يعترض على المسار الذي رسمته له القوى الفيزيائية. أما الإنسان فيستطيع، في حالات كثيرة، أن يجعل من القوة التي دفعت به في اتجاه معين سبباً لكي يسير في الاتجاه المضاد. وهذه ظاهرة يصعب على أي حتمية سلوكية صلبة أن تحتويها.
لقد قدمت المدرسة السلوكية إسهاماً بالغ الدلالة المعرفية في دراسة التعلم والسلوك، وخصوصاً من خلال تحليل العلاقة بين السلوك وعواقبه والتعزيز والعقاب. ولقد أصبح عالم النفس الامريكي سكنر واحداً من أبرز من صاغوا هذا المشروع في مفهوم «الإشتراط الإجرائي»، حيث يزداد احتمال بعض أنماط السلوك أو يتراجع تبعاً للعواقب التي تتلوها. ولكن قوة أداة تفسيرية في مجال معين لا تعني أنها أصبحت تفسيراً كاملاً للإنسان.
وهنا حدثت المشكلة. فحين يُختزل الإنسان إلى تاريخ من التعزيزات والاستجابات والشروط البيئية، يصبح من المغري النظر إلى ما نسميه الإرادة والاستقلال والمسؤولية بوصفه مجرد لغة قديمة نستخدمها لأننا نجهل الأسباب الفعلية التي أنتجت السلوك. وقد عبر سكنر عن جانب بالغ القوة من هذا التصور في نقده لفكرة «الإنسان المستقل» وفي محاولته نقل تفسير الأفعال من فاعل داخلي مستقل إلى التاريخ البيئي والتطوري الذي شكّل السلوك.
غير أن المشكلة ليست في القول إن البيئة تؤثر في الإنسان؛ فهذا من أكثر الحقائق وضوحاً. فالمشكلة هي افتراض أن اكتشاف العوامل التي تؤثر في الاختيار يعني أننا أثبتنا أن الاختيار نفسه غير موجود. فتفسير الظروف التي جعلت قراراً ما أكثر احتمالاً لا يساوي البرهنة على استحالة اتخاذ قرار مختلف. فحين نعرف أن شخصاً نشأ في أسرة عنيفة، فإننا نفهم بصورة أفضل لماذا قد يكون أكثر قابلية للعنف، ولكننا لا نكون قد أثبتنا أنه كان مضطراً إلى أن يكون عنيفاً. وحين نعرف أن شخصاً عانى فقراً شديداً، فإننا نفهم الضغوط التي أحاطت بقراراته، لكننا لم نثبت أنه لم يكن أمامه سوى السرقة. وحين نكتشف استعداداً وراثياً لسلوك أو سمة معينة، فإننا نكون قد اكتشفنا عنصراً في بنية الاحتمالات التي يعمل الإنسان داخلها، لا حكماً قدرياً لا يمكن مقاومته.
وهذه التفرقة أساسية. فالتفسير ليس تبريراً. وفهم أسباب السلوك ليس إلغاء للمسؤولية عنه، بل إن المجتمع لا يستطيع أن يكون عادلاً إذا اختار أحد طرفي المعادلة وألغى الآخر. فهو يحتاج إلى فهم الظروف التي جعلت الفعل السيئ أكثر احتمالاً، وفي الوقت نفسه إلى الاعتراف بأن الإنسان، متى توافرت له القدرة العقلية والإدراكية اللازمة، يظل فاعلاً يستطيع بدرجات متفاوتة أن يراجع دوافعه ويقاومها. فالرحمة بالإنسان لا تقتضي تحويله إلى آلة.
ولعل الإشكال الأكبر في النقاش التقليدي حول الإرادة الحرة أنه يصوغ المسألة بصورة ثنائية شديدة التبسيط: إما أن الإنسان حر حرية مطلقة، وإما أنه محكوم تماماً بالأسباب. ولكن الإنسان لا يحتاج إلى حرية مطلقة حتى يكون فاعلاً؛ إذ أنه يحتاج إلى قدرة على التدخل في السلسلة التي تنقل المؤثر إلى الاستجابة فحسب.
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم أكثر دقة: الإرادة المفعّلة؛ فالإرادة ليست قوة سحرية تجعل الإنسان خارج قوانين الطبيعة، وليست قدرة غير محدودة يستطيع بها أن يصبح ما يشاء في اللحظة التي يشاء، بل أنها قدرة على مقاومة بعض الميول، وتأجيل بعض الاستجابات، وإعادة تقييم بعض الدوافع، وتحمل كلفة بعض القرارات، والاستمرار في سلوك اختاره الإنسان رغم أن قوى كثيرة داخله وخارجه تدفعه إلى ما يعارضه.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي هو ليس: هل تؤثر الظروف في الإنسان؟ فالجواب نعم بلا شك. بل: هل يستطيع الإنسان أن يفعل خلاف ما جعلته ظروفه أسهل عليه؟ وهنا يقدم التاريخ والحياة اليومية عدداً لا يكاد يحصى من الإجابات الإيجابية. فليس أفضل دليل على وجود الإرادة أن يفعل الإنسان ما يحب. فالدليل الأقوى عليها أن يفعل ما قرر أنه ينبغي أن يفعله حين يكون فعل سواه أسهل. فالإنسان الذي لا يسرق لأنه غني لم يختبر إرادته في هذا المجال كما اختبرها فقير شديد الحاجة أتيحت له السرقة فرفضها. والإنسان الهادئ الذي لم يُستفز لا يقدم الدليل نفسه الذي يقدمه من بلغ به الغضب مداه ثم امتنع عن الاعتداء. والذي نشأ في أسرة سوية ثم صار أباً سوياً ليس في موقف من نشأ تحت العنف ثم قال: لن أورث أطفالي ما ورثته أنا. فهنا تصبح مقاومة الإنسان لما صنعته فيه ظروفه واحدة من أوضح تجليات فاعليته. فلو كانت التنشئة قد كتبت سلوكه كتابة نهائية، لما استطاع أن يقول: ستنتهي هذه السلسلة عندي. فهذه الجملة القصيرة تكاد تختصر معنى “الإرادة المفعّلة” كله. فالإنسان تسلم ماضياً لم يختره، لكنه رفض أن يسلمه كما هو إلى المستقبل.
ومن أعجب خصائص الإنسان أن السبب الواحد يمكن أن يؤدي به إلى نتيجتين متناقضتين. فمن تعرض للقسوة قد يصبح قاسياً لأنه تعلم القسوة. لكنه قد يصبح أيضاً رحيماً لأنه عرف القسوة. ومن عاش الحرمان قد يتحول إلى شخص يلهث خلف المال بأي وسيلة. لكنه قد يتحول كذلك إلى إنسان شديد الحساسية تجاه حرمان الآخرين. ومن عاش تحت سلطة مستبدة قد يتعلم الاستبداد. وقد يصبح، للأسباب نفسها، أشد الناس نفوراً من الاستبداد. فكيف يمكن للسبب نفسه أن ينتج نتيجتين متعاكستين إذا كان الإنسان مجرد مستقبل سلبي للمؤثرات؟ الجواب أن التجربة لا تدخل الإنسان ثم تخرج منه فعلاً بطريقة ميكانيكية. فالإنسان يستطيع أن يتخذ موقفاً من تجربته نفسها.
وهنا توجد واحدة من أكبر الفجوات في كل محاولة لاختزاله إلى جهاز بايولوجي يستجيب للمثيرات. فالحيوان يتعلم من التجربة. أما الإنسان فلا يكتفي بالتعلم منها؛ إذ أنه يستطيع أن يحاكمها. ويستطيع أن يقول: ما حدث لي كان سيئاً، ولذلك لن أكرره. أو: ما فعلته أسرتي بي لن يكون ما أفعله أنا بأطفالي. أو: هذا المجتمع علمني التعصب، لكنني اكتشفت أن ما علمنيه خطأ. فلقد أصبحت التجربة نفسها موضوعاً لوعي الإنسان.
وهذه لحظة بالغة الدلالة؛ لأن الكائن حين يستطيع أن يجعل العوامل التي شكلته موضوعاً لتقييمه، فإنه لم يعد مجرد حاصل جمع تلك العوامل.
وهنا ينبغي التخلص من وهم مقابل أيضاً. فالدفاع عن فاعلية الإنسان لا يعني افتراض وجود إرادة معلقة في فراغ، لا تؤثر فيها الجينات ولا الهرمونات ولا التربية ولا الثقافة ولا الخبرات. فلا أحد يختار نقطة البداية. ولا أحد يختار جميع الأفكار التي تخطر له. ولا أحد يستطيع التحرر كلية من تاريخه. لكن حرية الإنسان لا يلزم أن تعني غياب الأسباب؛ يكفي أن تعني وجود مستوى من التنظيم يستطيع فيه الإنسان أن يفحص بعض الأسباب التي تحركه، ويقيمها، ويعدل استجابته لها.
فالحرية ليست أن تكون بلا ماضٍ. والحرية أن لا يكون الماضي وحده صاحب الكلمة الأخيرة. وليست أن تعيش بلا ظروف. بل أن لا تكون الظروف وحدها هي التي تقرر ماذا تفعل بها.
وثمة سبب نفسي يجعل الحتمية الاجتماعية والنفسية شديدة الإغراء؛ إذ أنها تخفف عبء المسؤولية: (فإذا كنت حصيلة طفولتي بالكامل، فلم يعد عليّ أن أسأل نفسي ماذا فعلت بما ورثته من طفولتي. وإذا كانت شخصيتي نتيجة والديّ، يصبح من السهل أن أعيش العمر كله وأنا أحاكمهما بدلاً من أن أبدأ بإعادة تشكيل نفسي. وإذا كان المجتمع مسؤولاً عن كل ما أفعله، فإن مسؤوليتي الشخصية تقترب من الصفر). وهكذا يتحول التفسير، من دون أن نشعر، إلى آلية للإعفاء. ولا يعني ذلك أن الإنسان ينبغي أن يلوم نفسه على ما لم يختره، بل يعني أنه ينبغي أن يميز بين أمرين: ما حدث له، وما قرر أن يفعله بما حدث له. فالأول قد لا يكون مسؤوليته. أما الثاني فلا يمكن دائماً إحالته بأكمله إلى الآخرين.
ومن المفارقات أن بعض أشكال التعاطف مع الإنسان قد تنتهي إلى تحقيره من حيث أرادت تكريمه. فحين نقول لإنسان ارتكب فعلاً سيئاً: أنت لم تستطع أن تفعل غير ذلك لأن طفولتك كانت قاسية، فإننا نظن أننا نرحمه. ولكننا نقول له ضمناً: أنت أقل قدرة على مراجعة نفسك مما تتصور؛ إذ أنك مجرد منفذ لما كتبته الظروف عليك. فلم تكن لك مساحة تستطيع من خلالها أن تقول لا. وهنا يتحول التعاطف إلى إنكار للفاعلية الإنسانية. والتعاطف الأعمق لا ينبغي أن يقوم على نفي قدرة الإنسان، بل على الاعتراف بصعوبة الطريق الذي كان عليه أن يسلكه. فنحن نستطيع أن نقول: كان طريقك أصعب. وكان الضغط عليك أشد. وكانت البدائل المتاحة امامك أقل. وكانت قدرتك على المقاومة بحاجة إلى جهد يفوق ما يحتاج إليه غيرك. ولكن شيئاً من ذلك لا يلزم منه أن المقاومة كانت مستحيلة. وهذا هو الفرق بين الرحمة وبين تحويل الإنسان إلى ضحية أبدية.
فكل مشروع للتربية والإصلاح والعلاج الأخلاقي والنفسي يقوم في جوهره على افتراض يناقض الحتمية الصلبة: أن الإنسان يستطيع أن يصبح مختلفاً عما هو عليه الآن. فلماذا ننصح؟ ولماذا نعلم؟ ولماذا نربي؟ ولماذا نطلب من الإنسان أن يضبط غضبه أو يراجع أفكاره أو يتخلص من عادة سيئة؟ إن كان الفعل الراهن نتيجة حتمية لكل الأسباب السابقة، فإن مطالبة الإنسان بأن يغير نفسه تبدو بلا معنى إلا بوصفها سبباً خارجياً جديداً يضاف إلى السلسلة!
لكن التجربة الإنسانية تكشف شيئاً أعمق: فالإنسان يستطيع أن يحول النصيحة إلى مراجعة ذاتية، والمراجعة إلى قرار، والقرار إلى تدريب، والتدريب إلى عادة جديدة؛ أي أنه يستطيع أن يدخل، بدرجة ما، بوصفه عاملاً في إعادة تشكيل نفسه. وهذه خاصية لا يجوز المرور عليها كما لو كانت تفصيلاً ثانوياً. فالإنسان هو ليس الكائن الذي تشكله الخبرة فحسب؛ بل هو الكائن الذي يستطيع أن يشارك في إعادة تشكيل الطريقة التي تشكله بها خبراته المستقبلية.
ولكن ينبغي الحذر مرة أخرى من تحويل الإرادة إلى شعار رومانسي. فالإنسان لا يقرر صباحاً أنه سيتغير، فينقلب مساءً إلى شخص آخر. فالإرادة المفعّلة تحتاج إلى تدريب؛ إذ أنها تُبنى حين يقاوم الإنسان استجابة صغيرة كان يؤديها تلقائياً. وتقوى حين يتحمل بعض الانزعاج بدلاً من العودة إلى عادته القديمة. وتزداد فاعلية حين يتعلم الفصل بين ما يشعر به وما يفعله. فقد يغضب لكنه لا يعتدي. وقد يخاف لكنه يتقدم. وقد يرغب لكنه يمتنع. وقد يكره لكنه يعدل. وقد يحمل في داخله كل الأسباب التي تدفعه إلى فعل معين، ثم يختار ألا يفعله. وهنا تبلغ الإرادة إحدى أعلى صورها: أن يكون داخل الإنسان سبب قوي لفعل شيء، ثم يصبح الإنسان نفسه سبباً أقوى لعدم فعله. فالتاريخ الإنساني مليء بأناس لا تكمن قيمتهم الاستثنائية في أنهم عاشوا في ظروف استثنائية، بل في أنهم رفضوا أن تكون تلك الظروف تفسيراً نهائياً لهم. فخرج مصلحون من مجتمعات اعتادت ما حاربوه. وظهر دعاة سلام داخل ثقافات تمجد القوة الباطشة. ونهض علماء من بيئات لم تكن المعرفة متاحة لهم بسهولة. وخرج من الفقر من لم يسمح للفقر بأن يحدد أفقه. وخرج من العنف من رفض أن يصبح عنيفاً. ولو كانت الظروف قَدَراً حتمياً، لما وُجِد هؤلاء جميعاً! فوجود الاستثناء البشري ليس تفصيلاً مزعجاً يمكن للحتمية أن تتجاهله. فالاستثناء هنا يكشف أن العلاقة بين السبب والنتيجة في السلوك الإنساني ليست كتلك التي بين القوة الفيزيائية وحركة الجسم. يكفي أن يستطيع إنسان واحد أن يصنع من الشر الذي تلقاه سبباً لفعل الخير حتى يتصدع الادعاء بأن الشر الذي تلقاه كان يفرض عليه أن ينتج شراً.
ولعل الصورة الأدق للعلاقة بين الإنسان وظروفه هي أن الظروف لا تكتب النتيجة، وإنما ترسم ساحة المعركة فحسب. فهناك من يدخل هذه الساحة مثقلاً بما ورثه من استعدادات. وهناك من يدخلها مثقلاً بطفولة قاسية. وهناك من يبدأ من الفقر، أو المرض، أو التهميش، أو الجهل. وهناك من يبدأ محاطاً بالامتيازات. وليست المعارك متساوية بالتأكيد.
ولهذا لا ينبغي أن تتساوى أحكامنا على البشر بصورة ساذجة، ولا أن نتجاهل تفاوت الأعباء التي يحملونها. ولكن عدم تساوي المعركة لا يعني أن النتيجة محددة سلفاً. وهنا ينبغي إقامة التوازن الصعب: أن نفهم الظروف من دون أن نعبدها، وأن نتعاطف مع الإنسان من دون أن نسلبه إرادته، وأن نفسر السلوك من دون أن نحوله إلى قدر.
ربما كان هذا هو التحول الأهم الذي يستطيع الإنسان أن يحققه في نظرته إلى ذاته.
فالطفل يسأل ضمناً: ماذا يصنع العالم بي؟ أما الإنسان الذي بدأ يمتلك نفسه فعليه أن يسأل: ماذا سأصنع أنا بما صنعه العالم بي؟ فالإنسان قد لا يستطيع تغيير ما وقع. لكنه يستطيع تغيير موقعه منه. وقد لا يستطيع محو طفولته. لكنه يستطيع أن يمنع طفولته من أن تصبح مستقبل أطفاله. وقد لا يستطيع إلغاء استعداده الوراثي. لكنه يستطيع أن يبني بيئة وعادات تقلل من أثره. وقد لا يستطيع أن يختار المجتمع الذي ولد فيه. لكنه يستطيع أن يعيد النظر في بعض ما لقنه إياه هذا المجتمع.
وهنا تبدأ المسافة بين الإنسان وبين قدره الموروث.
وهذا كله لا يعني أن جميع البشر يمتلكون الدرجة نفسها من القدرة على الاختيار، أو أن المرض والاضطراب والقسر والجهل والإكراه لا تؤثر في المسؤولية. بل على العكس. فالمسؤولية الإنسانية ينبغي أن تُفهم بصورة متدرجة تتناسب مع القدرة، والمعرفة، والبدائل المتاحة، وشدة الإكراه، والحالة العقلية والنفسية. لكن الاعتراف بدرجات المسؤولية يختلف تماماً عن إلغائها. فبين الحرية المطلقة والحتمية المطلقة مجال واسع هو المجال الذي يعيش فيه الإنسان بالفعل؛ فهو لا يبدأ من حيث يريد.
لكنه يستطيع، في حدود متفاوتة، أن يؤثر في الاتجاه الذي يسير إليه.
ولعل الخطأ الأعمق في الحتمية النفسية والاجتماعية أنها تنظر إلى الإنسان وكأنه نتيجة (نتيجة للجينات. ونتيجة للأسرة. ونتيجة للمجتمع. ونتيجة للاقتصاد. ونتيجة للماضي). ولكن الإنسان أكثر غرابة من ذلك؛ إذ أنه نتيجة تستطيع أن تعود فتؤثر في أسبابها. فيتعلم كيف يفكر، ثم يستطيع أن يفكر في الطريقة التي تعلم بها التفكير. ويكتسب عادات، ثم يستطيع أن يجعل تلك العادات موضوعاً للمراجعة. ويتلقى قيماً، ثم يستطيع أن يسأل إن كانت تلك القيم صحيحة. ويتشكل داخل ثقافة، ثم يستطيع أن ينتقد الثقافة التي شكلته. وهذه القدرة الانعكاسية هي التي تجعل الإنسان لا يقبل الاختزال بسهولة إلى مجرد حاصل جمع العوامل التي سبقته. فالإنسان ليس صفحة بيضاء، بالتأكيد، لكنه ليس صفحة مكتوبة يستحيل تعديلها أيضاً؛ إذ أنه، إلى حد ما، النص الذي يستطيع أن يقرأ نفسه ثم يشرع في تحرير نفسه.
فالإنسان لم يختر جيناته. ولم يختر والديه. ولم يختر طفولته. ولم يختر كثيراً من الأحداث التي تركت آثارها فيه. ولم يختر الطبقة الاجتماعية ولا اللحظة التاريخية ولا المكان الذي بدأ منه رحلته. فذلك كله يمثل، إن شئنا التعبير، قدره الأول.
لكن الخطأ هو الاعتقاد بأن القدر الأول ينبغي أن يكون القدر الأخير. فابتداءً من اللحظة التي يصبح فيها الإنسان قادراً على أن يرى ما صنعته فيه هذه القوى، وأن يسأل نفسه إن كان يريد الاستمرار فيه، تبدأ إمكانية أخرى في الظهور، إنها إمكانية القدر الثاني، وهو القدر الذي يشارك الإنسان نفسه في صناعته.
وهنا تتجلى الإرادة المفعّلة بأعمق معانيها؛ إذ هي ليست قدرة على محو الماضي، وإنما هي قدرة على منع الماضي من احتكار المستقبل. وهي ليست إنكاراً لقوة الظروف، وإنما رفضاً لمنحها السيادة المطلقة. وهي ليست ادعاء بأن الإنسان يستطيع أن يكون أي شيء يشاء، وإنما تأكيد أنه ليس مضطراً دائماً إلى أن يظل الشيء الذي جعلته ظروفه عليه.
ومن هنا ربما ينبغي استبدال العبارة الشهيرة: “الإنسان ابن ظروفه” بعبارة أكثر دقة وعدلاً: الإنسان يبدأ ابنَ ظروفه، لكنه لا يُحكَم عليه أن يبقى ابنها إلى الأبد.
فالظروف قد تعطيه أوراق اللعب، لكنها لا تلعب دائماً نيابة عنه. وقد تكتب الفصل الأول من قصته، لكنها لا تملك بالضرورة حق كتابة الفصل الأخير. وما بين الفصلين تقوم تلك القدرة الإنسانية العجيبة التي لا ينبغي للتفسير البايولوجي أو النفسي أو الاجتماعي أن يمحوها لمجرد أنه يستطيع تفسير بعض مقدماتها: أن يعرف الإنسان ما الذي صنعه، ثم يقرر ما الذي يريد أن يصنعه بنفسه.
