ما وراء التأثيل الهندو-أوروبي… هل تخفي الكلمات الإنجليزية طبقات لغوية أقدم؟

من بين أكثر الإنجازات رسوخًا في علم اللغة الحديث ذلك البناء التأثيلي الهائل الذي أقامته اللسانيات التاريخية المقارنة، والذي مكّن الباحثين من تتبع القرابات بين اللغات الأوروبية والهندو-إيرانية وغيرها، وردّ آلاف الكلمات إلى أصول جرمانية أو رومانسية، ثم إلى جذور هندو-أوروبية مفترضة أقدم. وليس من غرض هذه المقالة إنكار هذا الإنجاز، ولا الزعم بأن العلاقات التي تكشف عنها مدرسة التأثيل الهندو-أوروبي بين الإنجليزية والألمانية واللاتينية واليونانية والسنسكريتية هي علاقات وهمية. وإنما تسعى إلى طرح سؤال يقع، من حيث المبدأ، وراء المستوى الذي تتوقف عنده هذه المدرسة: ماذا لو كانت بعض الجذور التي تعدها اللسانيات التاريخية نهايةً لمسار التأثيل ليست نهاية المسار، وإنما طبقة متأخرة نسبيًا من تاريخ لغوي أشد قدمًا؟
إن إثبات أن كلمة إنجليزية كانت موجودة في الإنجليزية القديمة، وأن لها نظائر في لغات جرمانية أخرى، يثبت انتماءها إلى تاريخ جرماني سابق؛ لكنه لا يجيب، من حيث المبدأ، عن السؤال الأبعد: من أين جاءت المادة الصوتية والدلالية التي ورثتها الجرمانية نفسها؟ وحين نصل إلى ما يسمى «اللغة الهندو-أوروبية الأم» فإننا نكون قد بلغنا بناءً لغويًا أعيد تركيبه بالمقارنة، وليس أول لغة نطق بها الإنسان.
ومن هنا تقترح هذه المقالة تجربة تأثيلية مختلفة، لا تبدأ بالسؤال: إلى أي عائلة لغوية تنتمي الكلمة؟ وإنما بالسؤال: هل يمكن أن تكون وراء العائلات المعروفة طبقات أقدم احتفظت اللغات الحديثة بشظايا صوتية ودلالية منها؟
ويمكن اختبار إمكان هذه القراءة، على سبيل الفرضية، من خلال أربع كلمات إنجليزية كثيرة الشيوع: town وwhile وblame وtrip.
Town … من “مدينة” إلى “وطن”
يرد التأثيل المعتمد كلمة town  الى الإنجليزية القديمة tūn، التي كانت تدل على المكان المحاط أو المسيّج، ثم تطورت دلالتها حتى أصبحت تشير إلى تجمع سكني أو بلدة. ويمكن تتبع نظائرها داخل الأسرة الجرمانية. وهذا مسار تاريخي له أدلته ولا تقتضي المقاربة البديلة إنكاره. غير أن ما يستحق النظر هو احتمال وجود طبقة أعمق من هذه القرابة الجرمانية نفسها. فالفرضية هنا تقترح أن ننظر إلى town  بجوار الكلمة العربية مدينة. فإذا جُرّدت “مدينة”، وفق هذه الفرضية، من العناصر التي تفترض هذه المقاربة أنها أضيفت إليها في مراحل لاحقة، فإن العنصرين الصوتيين اللذين يستحقان الانتباه هما (د ـ ن). وفي town  نجد بدورهما، مع تحول صوتي مفترض، t) ـ(n .
وتفترض هذه القراءة وجود علاقة صوتية قديمة بين التاء والدال والطاء، باعتبارها أصواتًا متقاربة في موضع النطق، وإن اختلفت في الجهر والتفخيم وغيرهما من الخصائص الصوتية. وبذلك يصبح الانتقال المفترض بين د/ت أو د/ط جزءًا من الآلية التي ينبغي اختبارها تاريخيًا، بدل افتراض أن اختلاف الحرف الظاهر يكفي لنفي القرابة. لكن الأمر يصبح أكثر إثارة حين توضع مدينة إلى جانب كلمة عربية أخرى هي وطن. فالمدينة والوطن يلتقيان دلاليًا في فكرة المكان الذي يستقر فيه الإنسان وينتمي إليه. وإذا افترضنا إمكان التبادل التاريخي بين الدال والطاء في طبقة لغوية سحيقة، ظهر أمامنا:
مدينة → د ـ ن
وطن → ط ـ ن
town → t ـ n
فتصبح أمامنا، وفق هذه الفرضية، ثلاثة تحققّات صوتية متقاربة لبنية تقوم على صامتين أساسيين، وتدور دلالتها حول المكان والاستقرار والإقامة. وعندئذ لا تعود المقارنة المقترحة مجرد تشابه بين لفظين، بل تصبح محاولة للكشف عن نواة صوتية-دلالية مفترضة أقدم من الأشكال التي استقرت عليها الكلمات في اللغات التاريخية المعروفة.
While … أهي “وهلة” أخرى؟
لعل المقارنة بين الإنجليزية while  والعربية وهلة هي من أكثر الأمثلة الأربعة إغراءً من الناحيتين الصوتية والدلالية.
فـwhile  الإنجليزية ترجع تاريخيًا إلى لفظ في الإنجليزية القديمة يدل على مدة أو فترة من الزمن. ولا يزال هذا المعنى حيًا تمامًا في التعبير: a while، أي: مدة، برهة، بعض الوقت.
لكن العربية تمتلك كلمة تكاد تضع أمامنا البنية الصوتية والدلالية نفسها: وهلة.
فالوهلة مدة قصيرة أو لحظة من الزمن، ولدينا إذاً في الجانبين تقارب في الأصوات يقترن بتقارب لافت في المعنى. وليس التشابه هنا بين لفظين يشيران إلى شيئين مختلفين، بل بين لفظين يحمل كلاهما مفهوم المدة الزمنية المحدودة. ومن منظور التأثيل التقليدي، يمكن اعتبار ذلك مصادفة ما لم توجد سلسلة تاريخية موثقة تصل أحد اللفظين بالآخر. أما المقاربة التي تقترحها هذه المقالة فتسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم يكن المطلوب إثبات انتقال while  مباشرة من العربية التاريخية إلى الإنجليزية، وإنما البحث عن سلف لغوي أقدم من اللغتين احتفظت العربية بصورة منه أقرب إلى الأصل؟
وهنا يتغير السؤال من «هل أخذ الإنجليز الكلمة من العرب؟» إلى سؤال أكثر عمقًا بكثير: هل تنتمي while ووهلة إلى طبقة معجمية سبقت انفصال العائلات التي ندرسها اليوم؟
Blame … هل يختبئ «اللوم» داخل الكلمة؟
ويظهر نموذج آخر في الإنجليزية blame  والعربية لوم. فالتأثيل المعروف يرد blame  عبر الفرنسية القديمة إلى مسار لاتيني ويوناني يرتبط تاريخيًا بما أدى كذلك إلى ألفاظ من قبيل blaspheme. فهذا المسار التاريخي موثق داخل اللغات الأوروبية.
ولكن المقاربة المقترحة تلفت النظر إلى شيء شديد البساطة: blame  ـــ لوم. فجوهر المعنى واحد تقريبًا: إسناد الخطأ إلى الآخر ومعاتبته عليه. أما صوتيًا، فتقترح الفرضية أن الباء في أول الكلمة يمكن النظر إليها بوصفها عنصرًا زائدًا طرأ على بنية أقدم، بحيث تبقى الكتلة الصوتية اللاحقة أقرب إلى «لوم». والإضافة والحذف في بدايات الكلمات ووسطها ظاهرتان معروفتان في تغير اللغات، وإن كان إثبات حدوثهما في كلمة بعينها يحتاج بطبيعة الحال إلى شواهد مستقلة وقاعدة تحول قابلة للتكرار. ومن هنا لا يكفي القول: blame  تشبه لوم، ولكن يمكن جعل هذا التشابه نقطة انطلاق لسؤال أوسع: هل توجد مجموعة كبيرة من الكلمات التي يظهر فيها النمط الصوتي نفسه مقرونًا باستمرار دلالي مماثل؟ فإذا أمكن العثور على منظومة من المراسلات المنتظمة، انتقلت المسألة من التشابه المثير للانتباه إلى الفرضية التأثيلية القابلة للاختبار.
Trip… هل بدأت الرحلة من «الدرب»؟
أما trip  فتفتح مجالًا آخر للمقارنة. فالكلمة الإنجليزية تعني الرحلة، بينما تمتلك العربية كلمة درب، أي الطريق أو المسلك. والعلاقة الدلالية بين الاثنين واضحة من حيث المبدأ: الدرب هو المسار، والـ trip هي الحركة عبر المسار. وتفترض القراءة المقترحة تحولًا بين الدال والتاء، وبين الباء وp، والأخيرة خصوصًا مقارنة طبيعية من الناحية الصوتية لكون الصوتين شفويين متقاربين مع اختلاف الجهر. وبذلك يمكن وضع البنيتين للمقارنة:
درب  ـــ d/r/b
trip — t/r/p
فتظهر محافظة لافتة على ترتيب العناصر الصوتية الثلاثة إذا قُبلت التحولات المفترضة. وتزداد المسألة إثارة عند إدخال كلمات إنجليزية أخرى مثل track وtrek في المقارنة، ووضعها بجوار العربية “طريق”. فالحقول الدلالية تتقاطع مرة أخرى حول الحركة والمسلك والطريق والانتقال: درب — طريق  trip — track —ـــ trek  
ولا يعني جمع هذه الكلمات في حقل واحد أنها ثبتت بوصفها عائلة تأثيلية واحدة؛ فذلك يحتاج إلى أكثر بكثير من التشابه. لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا في إطار الفرضية: هل تخفي هذه المجموعة بقايا نواة لغوية شديدة القدم تتصل بمفهوم الطريق والسير والانتقال؟
ليس الهدف من هذه المقارنات استبدال تأثيل يقيني بتأثيل يقيني آخر، بل أن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة المقترحة تكمن في تغيير موضع السؤال. فعندما تقول اللسانيات التاريخية إن town جرمانية الأصل، وإن blame وصلت الإنجليزية عبر الفرنسية، فهي تقدم تاريخًا يمكن تتبعه للكلمتين داخل مراحل لغوية معروفة. والمقاربة المقترحة لا تحتاج إلى إنكار أي من ذلك؛ إذ أنها تقول شيئًا آخر: قد يكون هذا تاريخ الكلمة، من دون أن يكون بداية تاريخها.
فالقول إن كلمة انتقلت من الفرنسية القديمة إلى الإنجليزية يجيب عن سؤال انتقالها القريب، لكنه لا يمنع من السؤال عن أصلها الأبعد. ورد لفظ جرماني إلى الجرمانية الأم، ثم إلى جذر هندو-أوروبي معاد البناء، لا يعني أننا بلغنا اللحظة التي اخترع فيها البشر ذلك الجذر لأول مرة.
وهنا تكمن المسافة بين المقاربتين. فالتأثيل التقليدي يتحرك في الغالب أفقيًا وعموديًا داخل شجرة العائلة اللغوية، بينما تدعو الفرضية الحالية إلى محاولة النزول تحت جذور تلك الشجرة نفسها بحثًا عن تربة لغوية ربما كانت مشتركة قبل أن تصبح هناك فروع يمكن أن نسمي أحدها عربيًا والآخر هندو-أوروبيًا.
ولكن هذه المقاربة تحتاج إلى احتراز أساسي. فعبارة من قبيل “town كلمة عربية” قد تكون أوسع مما تسمح به الفرضية نفسها؛ لأنها توحي بانتقال مباشر من العربية التاريخية المعروفة إلى الإنجليزية، وهو ادعاء مختلف ويحتاج إلى أدلة تاريخية خاصة. فالأدق أن يقال إن المقارنات مع (مدينة، وطن، وهلة، لوم، درب، طريق) قد تكون، إذا ثبت انتظامها في عدد كبير من الكلمات، آثارًا محتملة لطبقة لغوية أقدم احتفظت العربية ببعض مادتها الصوتية والدلالية، مثلما احتفظت بها لغات أخرى بصور مختلفة.
وهذه الصياغة تجعل الفرضية أكثر طموحًا من فكرة الاقتراض أصلًا. فنحن لا نسأل عندئذ: هل أخذت الإنجليزية هذه الكلمات من العربية؟ بل: هل تحتفظ العربية واللغات الهندو-أوروبية ببقايا معجم سابق على الانقسام الذي جعلنا نصنفهما اليوم في عائلتين مختلفتين؟
وتبقى، مع ذلك، عقبة حاسمة أمام أي مشروع من هذا النوع: التشابه وحده لا يصنع تأثيلًا. فاللغات البشرية تستخدم عددًا محدودًا من الأصوات، ولذلك لا بد أن تظهر بينها كلمات متشابهة بالمصادفة. وإذا أجيز لنا حذف أي حرف وإضافة أي حرف وقلب أي صوت إلى أي صوت آخر، أمكننا نظريًا إيجاد قرابة بين عدد هائل من الكلمات التي لا علاقة تاريخية بينها.
ولذلك فإن مستقبل هذه المقاربة يتوقف على قدرتها على تحويل ملاحظاتها إلى قواعد. فإذا كان (د ↔ ت) تحولًا مقترحًا، فينبغي العثور عليه في عشرات الأمثلة المستقلة. وإذا كان (ط ↔ د) يمثل مسارًا تاريخيًا مفترضًا، فيجب تحديد الظروف الصوتية التي يحدث فيها. وإذا كانت الباء يمكن أن تضاف في أول بعض الكلمات، فلا بد من العثور على نمط متكرر يفسر متى ولماذا يحدث ذلك. والأهم من كل ذلك أن يكون التشابه الدلالي موازيًا للتشابه الصوتي. وعندها فقط يمكن أن ننتقل من أربعة أمثلة مثيرة للتأمل إلى مشروع في التأثيل المقارن.
ربما كانت إحدى المشكلات الخفية في تصورنا لتاريخ اللغة أننا نرسمه دائمًا على هيئة شجرة: أصل يتفرع إلى لغات، وهذه تتفرع بدورها إلى لغات أخرى. ولكن ماذا يوجد تحت الجذر الذي رسمناه للشجرة؟
إن اللغة الهندو-أوروبية الأم نفسها ليست بداية اللغة البشرية. وكذلك اللغة العربية الأم ليست بداية اللغة. وكلتاهما، إذا صحت إعادة بنائهما، تمثل مرحلة متأخرة جدًا قياسًا إلى التاريخ الكامل للإنسان الناطق.
ومن هنا فإنtown/مدينة/وطن، وwhile/ وهلة، وblame/ لوم، وtrip/ درب، بل وربما track/trek/ طريق، يمكن التعامل معها لا بوصفها براهين مكتملة، وإنما بوصفها أسئلة تأثيلية تدعونا إلى الحفر أعمق.
وقد تنتهي بعض هذه المقارنات إلى المصادفة، وقد يسقط بعضها عند الاختبار الصوتي والتاريخي، وقد يكشف بعضها الآخر عن علاقات لم تكن ظاهرة من قبل. وهذه تحديدًا هي الوظيفة الصحيحة للفرضية: ألا تطلب منا تصديقها قبل اختبارها، وإنما أن تجعلنا نبحث في مكان لم نكن نبحث فيه.
فالمقاربة المقترحة لا تقول إن التأثيل الهندو-أوروبي أخطأ حين اكتشف القرابة بين الكلمات الهندو-أوروبية. بل تطرح احتمالًا أكثر جذرية: ربما كان ما نسميه «أصل الكلمة» في كثير من الأحيان ليس أصلها، وإنما أقدم محطة استطعنا حتى الآن الوصول إليها. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المهمة القادمة لعلم التأثيل لن تكون هدم الأشجار اللغوية التي بناها علم اللغة المقارن، وإنما الحفر تحت جذورها. فقد يكون تاريخ اللغة البشرية أقدم بكثير من تاريخ عائلاتها.

أضف تعليق