وهم العقل الشامل… مسلسل The Leftovers وهشاشة الإنسان أمام ألغاز الوجود

حين اختفى 2% من سكان العالم فجأة في مسلسل The Leftovers، لم تكن الفاجعة الحقيقية في الفقد الفيزيائي للأحباء فحسب، بل في الانكسار الإبستمولوجي (المعرفي) الصامت الذي أحدثه هذا الحدث. فلقد وُضع العقل البشري فجأة أمام جدار صلب من “الغموض المطلق”. وهنا تحديداً، تفجر التناقض البشري: كيف يتعامل كائن هش، معجون بالخوف، مع حدث يقع خارج نطاق قدرته على الاستيعاب؟
سارع المجتمع البشري في المسلسل، كما يفعل في الواقع، إلى شقّ طريقه عبر مسارين تقليديين يتوهم كل منهما أنه يملك الحقيقة المطلقة:
1. السرديات التأويلية والماورائية: إذ هرع البعض إلى النصوص القديمة والرموز التلمودية والأنبياء “الجدد”؛ حيث أعادوا تأطير الكارثة بوصفها “اختطافاً إلهياً” (Rapture) أو غضباً سماوياً أو بداية للنهاية؛ إذ عدَّ هؤلاء أن منح الحدث معنىً دينياً حتى لو كان مرعباً أهون بكثير من القبول بكونه حدثاً عشوائياً بلا معنى.
2. الأوهام العلمية والمؤسسية: في المقابل، انهمكت المؤسسة العلمية واللجان الحكومية (مثل “لجنة الاختفاء”) في جمع البيانات، وإجراء المقابلات، ووضع الاحتمالات الجينية والبيئية؛ إذ ظن هؤلاء أن الإكثار من القياسات وإعادة بناء المخططات البيانية سيؤدي حتماً إلى الوقوع على التفسير العلمي لما حدث بالفعل، استناداً إلى إيمان مضمر بأن العلم سيستوعب هذا الغموض يوماً ما ويضعه في معادلة فيزيائية مُحكمة.
وتكمن الفرادة الفلسفية لمسلسل The Leftovers في أنه لا ينحاز لأي من الطرفين، بل يعري الافتراض المسبق المشترك بينهما: الافتراض القائل بأن العقل البشري قادر، بالضرورة، على الإحاطة المعرفية الشاملة بهذا الكون.
فالاعتقاد بأن العقل الإنساني مبرمج تطورياً أو ملهَم إلهياً ليفسر كل ظاهرة في الوجود هو افتراض ساقط إبستمولوجياً.  فأدواتنا المعرفية، ولغتنا، وعقولنا، هي نتاج حتمي لمسار تطوري انحصرت غايته في “البقاء” ضمن بيئة كوكبية محدودة، ولم تُصمم لتكون مفتاحاً شارحاً لكافة أسرار هذا الوجود الفسيح. فمجرد رغبتنا الشديدة في العثور على تفسير لظاهرة ما، لا يفرض على الكون بأي حال من الأحوال أن يوفر لنا هذا التفسير، سواء كان بتأويلات اللاهوتيين أم بمعادلات الفيزيائيين.
وأمام هذا الغياب التام للإجابة، يُظهر المسلسل الهشاشة الإنسانية في أنصع صورها. فالإنسان لا يستطيع العيش في عالم تفتقر أحداثه الى المعنى؛ لذا فإنه حين يعجز عن فهم الظاهرة، فإنه يبدأ في “اختراع” التفسير؛ حيث نرى كيف تحول “كيفن غارفي الأب” إلى البحث عن النبوءات في مجلة قديمة، وكيف أسس “مات” إنجيلاً جديداً، وكيف لجأت “نورا” إلى قصة قادمة من أقصى الحدود الميتافيزيقية لترميم شتات عقلها.
لقد أثبت المسلسل أن الشغف بالتأويلات الدينية والادعاء العلمي المتصلب، ليسا سوى دروع دفاعية يرتديها الكائن البشري ليحمي نفسه من العراء أمام الغموض الذي تنطوي عليه تلك الطائفة من ظواهر الوجود التي يتناقض حدوثها مع بديهيات العقل ومسلماته.
إن مسلسل The Leftovers يضعنا أمام مقاربة جديدة ومربكة تقوم على أساس من القبول بالحدود المعرفية للإنسان؛ إذ أنه يدعونا إلى التحلي بـ التواضع المعرفي، فنتعلم كيف نتعايش مع السؤال دون أن “نخترع” له إجابة، وأن ندرك أن الكون غير ملزم بالخضوع لمنطقنا أو إرضاء شغفنا بالتفسير. فالقيمة الحقيقية للتجربة الإنسانية لا تكمن في حل لغز الكون، بل في القبول بقدرنا المعرفي والعمل بمقتضى ما يعنيه ان نكون بشراً خُلقنا ضعفاء في عالم مليء بظواهر ستظل، إلى الأبد، أكبر من قدرتنا على فهمها وتفسيرها.

أضف تعليق