“العصر النووي الثالث” كتابٌ يذكرنا بما يفتقر إليه البحث الاستراتيجي المعاصر

يعيش العالم اليوم على وقع تحولات جيوسياسية وتقنية متسارعة، أعادت إلى الواجهة خيار الرعب الأكبر المتمثل بـ السلاح النووي. وفي محاولة لتأطير هذه التحولات، دأبت أدبيات استراتيجية بالتحدث عما يُسمى بـ “العصر النووي الثالث”، وعلى رأسها كتب ودراسات أثارت عاصفة من الجدل والانتقادات. ولم يكن هذا الجدل مجرد خلاف على المفاهيم، بل كان انعكاساً لإشكالية أعمق؛ وهي صياغة أزمة تمس مصير الأجيال القادمة وحاضر الكوكب برمته من خلال منظور غربي خالص، يختزل التعددية الدولية الشديدة في حسابات سياسية ضيقة.
تكمن العلة الأساسية في معظم الأدبيات المعاصرة التي تناولت “العصر النووي الثالث” في كونها انطلقت من عقيدة “المركزية الغربية”. فلقد تعاملت هذه الطروحات مع السلاح النووي ليس بوصفه خطراً وجودياً شاملاً يجب تضافر الجهود الإنسانية للخلاص منه، بل كـ أداة لإدارة سباق التسلح والحفاظ على التوازن الاستراتيجي لصالح طرف بعينه.
إن مجافاة المنطق المنصف تتجلى في معالجة المخاوف؛ حيث يُصنَّف الامتلاك الغربي للسلاح النووي ضامناً للاستقرار والردع، في حين تُرسم تطلعات ومخاوف القوى الأخرى في الشرق والجنوب العالمي على أنها محض تهديدات يجب احتواؤها. وهذا الاختزال دأب على تجاهل تام لواقع أن العصر النووي المعاصر لم يعد محكوماً بقطبية ثنائية، بل بشركة معقدة من التعددية النووية، تتداخل فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي والأسلحة الفرط صوتية مع أجندات ودوافع أمنية متباينة لا يمكن قياسها فقط بمسطرة المصالح الأنجلو-أمريكية.
ويطرح هذا الواقع أمام الفكر النقدي إشكاليتين رئيسيتين:
1. الإشكالية المعرفية (السلطة والإنتاج): إذ أصبحت المعرفة الاستراتيجية تُنتَج غالباً داخل أروقة مراكز الفكر المرتبطة بالمؤسسات السياسية والعسكرية، مما يحولها من “معرفة مجردة” إلى أداة لشرعنة سياسات النفوذ وفرض مفاهيم ملائمة للغرب وتعميمها على أنها حقائق مطلقة.
2. الإشكالية المنهجية (انحياز التأكيد): تمثلت في التخلي عن شرائط البحث العلمي الصارم؛ حيث يقع الباحث المُسيَّر أيديولوجياً في محظور انتقاء البيانات التي تخدم فرضيته القومية، مستبعداً الروايات والدوافع الأمنية للآخرين بوصفها “سلوكيات غير عقلانية”.
إن خطورة المواضيع التي تمس وجود كوكب الأرض تجعل من صيانة المنهج العلمي واجباً أخلاقياً ووجودياً لا مجرد رفاهية أكاديمية. ومن هذا المنطلق، فإننا نتجه بطلب صريح لكُتّاب العصر النووي الثالث وصناع الرأي المتخصصين، بضرورة الالتزام بالمرتكزات التالية عند التطرق لهذه القضايا المصيرية:
• التجرد من التمايزات الضيقة: التسامي فوق الانتماءات القومية، والأيديولوجية، والسياسية، والتزام الموضوعية المنهجية التي تقتضي النظر إلى السلاح النووي كتهديد إنساني عام، لا كقوة تفاضلية بين الأمم.
• اعتراف حقيقي بالتعددية الأمنية: أخذ الهواجس والأجندات المتباينة لمختلف القوى الدولية والإقليمية بعين الاعتبار، وقراءتها ضمن أطرها التاريخية والسياقية بدلاً من إسقاط الأحكام الجاهزة عليها.
• تغليب المنظور الإنساني الشامل: تقديم مصلحة كوكب الأرض ومستقبل الأجيال القادمة على حساب المصالح الجيوسياسية العابرة، وجعل التفكير ينصب على كيفيات النزع والتحجيم بدلاً من شرعنة التسابق والتطوير.
• الالتزام بشرائط البحث العلمي: العودة إلى أدوات التحليل النزيهة التي تتفحص الوقائع بنزاهة، وتعتمد المقاربات المقارنة، وتتجنب “انحياز التأكيد” الذي يسوغ رغبات صناع القرار على حساب الحقيقة المعرفية.
إن الكتابة في قضايا المصير الإنساني هي ليست مضماراً للاستقطاب السياسي، إذ تقتضي نضجاً معرفياً وشعوراً رفيعاً بالمسؤولية، كما وتتطلب شجاعة العقل وتجرد الباحث عن كل ما له صلة بالمحددات الإيديولوجية، حتى لا نجد أنفسنا نؤثر الهيمنة الإيديولوجية على حساب البقاء البشري.

أضف تعليق