ليس الخمر الذي يتكلم… حين يسقط السُّكْر قناع الطبيعة البشرية



من بين أكثر العبارات الجاهزة تداولًا عند محاولة تفسير ما يصدر عن الإنسان في حالة السُّكْر من بذيء القول وفاحشه، أو من عدوان وسباب واعتداء على الآخرين، تلك العبارة الإنجليزية الشائعة: This is the booze talking؛ أي أن «الخمر هو الذي يتكلم». وكأن الكحول قد تحول، بمجرد دخوله الجسد، إلى ذات أخرى مستقلة استعارت لسان الإنسان وراحت تقول من خلاله ما لم يكن موجودًا فيه من قبل. ولا تخلو هذه العبارة من قدر من الحقيقة إذا كان المقصود بها أن الكحول غيّر الحالة العصبية والنفسية للإنسان وأضعف قدرته على التحكم في سلوكه. ولكنها تصبح مضللة حين تتحول إلى تفسير كامل لما صدر عنه؛ لأنها تنقل مصدر الفعل من الإنسان إلى المادة التي تناولها، وتوحي بأن البذاءة والعدوان والانفلات السلوكي قد جاءت كلها من الخارج، وكأن الخمر قد أودعت في النفس محتوى لم يكن موجودًا فيها أصلًا.
وهنا تقترح الميتابايولوجيا قلب السؤال رأسًا على عقب. فربما لم يكن الخمر هو الذي بدأ يتكلم، وإنما الإنسان هو الذي توقف، جزئيًا، عن منع شيء في داخله من الكلام.
ينبغي البدء من حقيقة بسيطة تكاد تضيع وسط الاستعمال المجازي لعبارة the booze talking: الخمر مادة كيميائية لا تمتلك أفكارًا ولا ذكريات ولا أحقادًا ولا شهوات ولا منظومة قيم، ولا تعرف الأشخاص الذين يعرفهم شاربها، ولا تعرف من يحب ومن يكره، ومن يغار منه، ومن يشعر تجاهه بالدونية أو التفوق. فإذا تلفظ السكران بإهانة محددة لشخص يعرفه، فمن أين جاءت معرفته بهذا الشخص؟ وإذا استعاد خصومة قديمة، فمن أين جاءت ذكراها؟ وإذا عبّر عن غيرة أو كراهية أو رغبة في الهيمنة أو الانتقام، فمن أين جاءت الموضوعات التي تحركت حولها هذه الانفعالات؟
من الواضح أن الكحول لم يحملها معه إلى الجسم. فلقد وجد مادتها النفسية والمعرفية في الإنسان نفسه. وهذا لا يعني أن كل جملة ينطق بها السكران هي اعتراف صادق، ولا أن كل فكرة عابرة تظهر أثناء السكر كانت عقيدة خفية مستقرة في أعماقه. فالسكر يسبب التشوش، ويضعف الحكم، ويشوّه الإدراك، وقد يدفع إلى المبالغة والتناقض والقول العبثي. ولكن هذا شيء، والقول إن الكحول خلق من العدم البنية النفسية التي تتحرك من خلالها تلك الاستجابات شيء آخر تمامًا.
ولعل الخطأ الأكبر في التفسير الشعبي للسكر أنه ينظر إلى الكحول بوصفه منتجًا للسلوك، بينما الأدق أن ننظر إليه، في جانب مهم من آثاره، بوصفه مضعفًا للقيود المفروضة على السلوك. فالإنسان في حالته الاعتيادية لا يقول كل ما يخطر له، ولا يفعل كل ما تدفعه نفسه إلى فعله. وبين الدافع والفعل تقوم منظومة هائلة من الكوابح: الخوف من العقوبة، والخشية من الفضيحة، ومراعاة السمعة، والتربية، والأعراف، والأخلاق، والحساب العقلاني للعواقب، والصورة التي يريد الإنسان أن يحتفظ بها أمام الآخرين وأمام نفسه.
ولهذا فإن السلوك الإنساني الظاهر ليس بالضرورة صورة مطابقة لما يجري في الداخل، وإنما هو في جانب منه الناتج النهائي لعملية تفاوض مستمرة بين الدافع والكابح.
ومن هنا تأتي الدلالة المعرفية البالغة للسكر. فالكحول لا يحتاج إلى أن يزرع في الإنسان نفسًا جديدة. فيكفي أنه يضعف بعض الحواجز التي كانت تحول بين النفس القديمة وبين التعبير غير المنضبط عن ذاتها.
وعندئذ يصبح السؤال مختلفًا: ماذا يتبقى من الإنسان حين تضعف منظومة الرقابة التي كانت تدير ظهوره الاجتماعي؟
ومن المنظور الميتابايولوجي، لا ينبغي أن ننخدع كثيرًا بالمظهر المنضبط للإنسان في حياته اليومية. فالإنسان كائن أمضت الحضارة آلاف السنين وهي تبني حول دوافعه شبكة شديدة التعقيد من المحظورات والقوانين والأعراف والآداب والجزاءات الاجتماعية.
ولماذا احتاج الإنسان إلى كل ذلك؟ فوجود الكابح نفسه يثير سؤالًا عن الشيء الذي استدعى وجوده؛ إذ أن المجتمعات لا تحتاج إلى آلاف القواعد لمنع سلوك لا يميل أحد أصلًا إلى ارتكابه، ولا تحتاج الأديان إلى هذا الإلحاح على كظم الغيظ وضبط النفس والعفو والإحسان وحفظ اللسان لو كان الإنسان يمارس هذه الفضائل بصورة تلقائية لا تحتاج إلى مجاهدة. فالحضارة، من هذه الزاوية، لا تثبت اختفاء الطبيعة الخام، وإنما تثبت مقدار العمل اللازم لإبقائها تحت السيطرة. ولهذا فإن الإنسان المهذب ليس بالضرورة إنسانًا نزعت منه دوافع العدوان والتمثل والشهوة، وإنما قد يكون إنسانًا تعلم كيف يمنع هذه الدوافع من التحول المباشر إلى قول وفعل.
وهنا تظهر القيمة التفسيرية لمفهوم فائض العدوان في الميتابايولوجيا. فالعدوان الإنساني لا يقتصر على الاستجابة البايولوجية المباشرة للخطر؛ إذ أن الإنسان يستطيع أن يحمل الضغينة، وأن يستعيد إهانة حدثت منذ سنوات، وأن ينتقم لجرح رمزي، وأن يشعر بالإهانة بسبب كلمة أو نظرة أو مقارنة، وأن يحول الخلاف الفكري إلى خصومة شخصية. وفي الحياة الاعتيادية قد تنجح منظومات الكبح في منع هذا الفائض من التعبير الكامل عن نفسه. ولكن حين تضعف الرقابة تحت تأثير السكر، يصبح الطريق بين الانفعال والتعبير عنه أقصر. ولهذا قد تظهر الشتيمة أسرع، ويتضخم النزاع الصغير، وتتحول الإشارة البسيطة إلى استفزاز، وينخفض استعداد الإنسان للتراجع، ويزداد اندفاعه إلى الرد. وهذا ليس لأن زجاجة الخمر تحمل بداخلها عدوانًا ثم تصبه في النفس، وإنما لأنها تستطيع أن تضعف بعض الآليات التي كانت تحول دون خروج العدوان الموجود أصلًا في النظام الإنساني عن حدوده.
لكن العدوان وحده لا يكفي لتفسير الظاهرة. فالميتابايولوجيا ترى أن الإنسان محكوم كذلك بما يمكن تسميته فائض التمثل: ذلك التضخم الاستثنائي للصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه، وعن مكانته، وعن الكيفية التي ينبغي للآخرين أن يعاملوه بها.
ولهذا فقد تكون بعض أخطر لحظات السكر تلك التي يشعر فيها الإنسان بأن عزة نفسه قد مُسّت، أو أن شخصًا لم يحترمه كما ينبغي، أو أن أحدًا سخر منه أو تجاهله أو قلل من شأنه. ففي الحالة الطبيعية قد يتدخل العقل ليقول: لا يستحق الأمر. وقد تتدخل الأعراف لتقول: هذا التصرف سيجعلك تبدو أحمق. وقد تتدخل المصلحة لتقول: ستدفع ثمن ما ستفعله غدًا. أما حين تضعف هذه الأصوات، فإن النفس “المستفَزة” تستطيع أن تحصل على مساحة أوسع للتعبير عن فائض تمثلها. وهكذا يصبح السكر، في بعض الحالات، تجربة كاشفة للعلاقة بين تضخم صورة الذات وضعف آليات كبحها.
ومع ذلك ينبغي الحذر من الانتقال إلى الطرف المقابل من الخطأ. فالقول الشعبي: «السكران يقول الحقيقة» ليس قانونًا علميًا، وذلك مثلما أن عبارة this is the booze talking ليست تفسيرًا علميًا كافيًا. فالإنسان المخمور قد يكذب، ويتوهم، ويبالغ، ويخلط الذكريات، ويسيء تفسير المواقف، ويقول كلامًا متناقضًا أو غير مترابط. ولذلك لا يجوز أن نأخذ كل كلمة تصدر عنه باعتبارها نافذة مباشرة على “حقيقته”. فالمسألة أدق من ذلك. فالسكر لا يكشف بالضرورة محتوى صادقًا، لكنه قد يكشف ضعفًا في الحواجز. وهذا تمييز بالغ الدلالة. فإذا قال شخص في حالة السكر كلامًا عدوانيًا، فإننا لا نستطيع أن نستنتج آليًا أن كل كلمة فيه تمثل رأيه الحقيقي المستقر. ولكننا نستطيع أن نتساءل بصورة مشروعة عن البنية النفسية التي جعلت العدوان، بدلًا من التعاطف مثلًا، واحدًا من المسارات التي يسهل على سلوكه الانزلاق إليها حين تضعف السيطرة.
من هنا يمكن النظر إلى السكر، ميتابايولوجيًا، بوصفه حالة يحدث فيها اختلال مؤقت في التوازن بين ثلاثة مستويات: الدافع، والكابح، والسلوك الظاهر. ففي اليقظة الطبيعية قد يكون الكابح قويًا بما يكفي لإعادة تشكيل الدافع قبل أن يتحول إلى فعل. وفي السكر يضعف الكابح، وعندما يضعف، لا تظهر أمامنا بالضرورة «الحقيقة الكاملة» للإنسان، وإنما نرى شيئًا ذا دلالة بالغة: ما يستطيع الإنسان أن يصبحه عندما تفقد منظومة الضبط جزءًا من قدرتها على العمل.
وهذا ربما يكون أكثر دلالة من البحث الساذج عن “شخصيته الحقيقية”. فالإنسان هو ليس ما يرغب فيه وحده، وليس ما يكبحه وحده، وإنما هو النظام الكامل الذي يضم الرغبة والكبح والصراع بينهما.
وهنا تتضح الوظيفة النفسية والاجتماعية لعبارة This is the booze talking؛ إذ أنها لا تفسر السلوك فحسب، بل أنها تستطيع، من حيث لا نشعر، أن تمنح صاحبه قدرًا من البراءة. فالفاعل يتراجع لغويًا إلى الخلف، بينما تتقدم الخمر لتجلس في قفص الاتهام.
لم يقل الإنسان ذلك، بل قاله الخمر.
لم يعتدِ الإنسان، بل دفعه الخمر.
لم يهِن، بل تكلم الكحول على لسانه.
لكن هذه اللغة تخفي حقيقة المسؤولية بدل أن تفسرها. فحتى إذا كان الكحول قد غيّر بصورة حقيقية قدرة الدماغ على الحكم وضبط الاندفاع، فإن هذا لا يحوله إلى شخصية مستقلة ارتكبت الفعل بدلًا من الإنسان.
والأهم أن الإنسان، في الحالات التي يكون فيها الشرب اختياريًا، هو الذي أدخل إلى جهازه العصبي مادة يعرف أنها قد تضعف قدرته على السيطرة على سلوكه. ولهذا لا ينبغي الخلط بين التفسير السببي والإعفاء الأخلاقي. أن نفهم لماذا تغير السلوك تحت تأثير الكحول لا يعني أن ننقل ملكية السلوك إلى الكحول.
وهكذا يمكن للميتابايولوجيا أن تعيد صياغة العبارة الشهيرة بصورة أكثر دقة. فبدلًا من: This is the booze talking. يمكن القول: This is the human speaking with fewer restraints.
إنه الإنسان حين تتراجع بعض ضوابطه القيمية. فالمسألة هي ليست أن الخمر قد صنعت وحشًا من كائن لم يعرف الوحشية قط، وإنما هي قد تضعف، في بعض الحالات، الحواجز التي أمضى الدين والأخلاق والتربية والقانون والحضارة زمنًا طويلًا في بنائها حول الدوافع الإنسانية. ومن هنا تكتسب الظاهرة دلالة تتجاوز الخمر نفسها. فالسؤال الحقيقي هو ليس: ماذا تفعل الخمر بالإنسان؟ وإنما أيضًا: ماذا تخبرنا التغيرات التي تحدث تحت تأثيرها عن الإنسان الذي احتاج، وهو في كامل وعيه، إلى كل هذه المنظومات حتى يضبط نفسه؟ وهنا تحديدًا تلتقي ظاهرة السكر مع الأطروحة الميتابايولوجية الأوسع التي مفادها أن الحضارة لم تُلغِ الطبيعة البشرية الخام، وإنما أقامت فوقها جهازًا بالغ التعقيد لإدارتها وكبح فوائضها. وحين يتعطل شيء من هذا الجهاز، لا تكون الخمر قد بدأت تتكلم. وإنما يصبح من الأسهل سماع الإنسان الذي كان الضبط يمنعه هو من أن يتكلم بهذه الكيفية.

أضف تعليق