
من بين أكثر الظواهر الإنسانية استعصاءً على التفسير ذلك التحول الغريب الذي قد يطرأ على الحب بين الرجل والمرأة. فالعلاقة التي يمكن فهم بداياتها في ضوء دوافع بايولوجية معروفة، من الانجذاب الجنسي والتعلق والتزاوج وتكوين الأسرة، لا تلبث في كثير من الأحيان أن تتجاوز هذه الوظائف جميعًا، لتنشأ فوق أساسها شبكة شديدة التعقيد من التملك والغيرة والمراقبة والخوف من الفقد والحاجة إلى الطمأنة والرغبة في التحكم، حتى يصبح السؤال مشروعًا: هل يظل الحب، في مراحله المتقدمة، مجرد علاقة بين شخصين، أم يمكن أن يتحول إلى شكل مخصوص من الإدمان على الآخر؟
ولا يُقصد بالإدمان هنا المعنى الطبي الاصطلاحي الدقيق، بحيث يُسوّى الحب بإدمان مادة مخدرة أو سلوك قهري مشخص سريريًا. انما المقصود هو بنية العلاقة نفسها حين يصبح وجود شخص بعينه شرطًا متزايدًا للاستقرار النفسي والتمثلي لشخص آخر؛ وحين لا يعود الآخر مرغوبًا فيه فحسب، وإنما يصبح مطلوبًا باستمرار لكي يستطيع الإنسان المحافظة على حالة معينة من التوازن الداخلي.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم جانب كبير من الشوائب والأكدار التي تبدأ في الظهور في الحب كلما طال أمده. فالمفارقة أن كثيرًا من المشكلات لا تظهر لأن الحب قد ضعف، وإنما قد تظهر أحيانًا لأن التعلق قد اشتد إلى الحد الذي بدأ معه الحب يفقد صفته بوصفه علاقة بين ذاتين مستقلتين، ويتحول شيئًا فشيئًا إلى علاقة اعتماد متبادل أو أحادي، يريد فيها أحد الطرفين أن يجعل من الآخر موردًا دائمًا لإشباع حاجاته النفسية والتمثلية.
ليس من العسير العثور على أساس بايولوجي للانجذاب بين الجنسين. فالرغبة الجنسية والتزاوج والانجاب والتعلق الزوجي ورعاية النسل جميعها ظواهر يمكن البحث عن جذورها ووظائفها في التاريخ التطوري للنوع البشري. غير أن المشكلة تبدأ عندما نسأل عن ذلك الطيف الواسع من السلوكيات التي تنشأ لاحقًا حول الحب: لماذا يريد إنسان أن يعرف أين يوجد شريكه في كل لحظة؟ ولماذا يشعر بأن بعض علاقاته الاجتماعية تمثل تهديداً شخصياً له؟ ولماذا يتحول تأخر رسالة أو مكالمة أحيانًا إلى أزمة؟ ولماذا يمكن لانتهاء علاقة عاطفية أن يطلق من الغضب والانتقام والتدمير ما يتجاوز بكثير مجرد الحزن الطبيعي على الفراق؟
وهنا يبدو التفسير البايولوجي وحده غير كافٍ. فالإنسان لا يحب الآخر باعتباره جسدًا أو شريكًا في التناسل فحسب، وإنما يُدخله شيئًا فشيئًا في النظام الذي يمثل به نفسه أمام نفسه وأمام العالم. فيصبح الآخر شاهدًا على قيمته، ومصدرًا للاعتراف به، ومرآة يرى فيها جاذبيته وقيمته ومكانته. ومن ثم فإن العلاقة تنتقل من مستوى الحاجة إلى الآخر إلى مستوى أكثر تعقيدًا: الحاجة إلى الذات التي أصبح وجود الآخر يساعد الإنسان على الشعور بها. وهنا يدخل الحب المجال الميتابايولوجي.
فالإدمان، في صورته العامة، لا يعني مجرد الرغبة الشديدة في شيء، وإنما يعني أن انتظام الإنسان الداخلي قد أصبح متعلقًا على نحو متزايد بحضور ذلك الشيء، بحيث يسبب غيابه اضطرابًا لا يتناسب مع وظيفته الأصلية. وشيء قريب من ذلك يمكن أن يحدث في بعض علاقات الحب. فالحبيب الذي كان في البداية شخصًا مستقلاً نحبه قد يتحول تدريجيًا إلى جزء من البناء التمثلي للذات. فيقول الإنسان، من حيث لا يشعر: هذا الشخص لي؛ وجوده معي يقول شيئًا عني، واختياره لي يؤكد قيمتي، واستمراره في حبي يثبت أنني ما زلت جديرًا بالحب، وابتعاده عني لا يعني أنه قد غادر فحسب، بل قد يعني ايضاً أن الصورة التي بنيتها عن نفسي أصبحت مهددة.
وهكذا يقع التحول الحاسم، فالإنسان لا يعود خائفًا من أن يفقد الآخر فحسب، وإنما يصبح خائفًا مما سيحدث له هو إذا فقد الآخر. وهذا فارق جوهري. فالآخر لم يعد موضوعًا للحب فحسب، بل أصبح أحد أعمدة النظام النفسي الذي تستند إليه الذات في تمثل نفسها. ولذلك يمكن لفقده أن يُستقبل كما لو كان انهيارًا جزئيًا في الذات نفسها.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة الغيرة. فالغيرة ليست دائمًا دليلًا بسيطًا على مقدار الحب، كما تحب الثقافة الشعبية أن تصورها. فالغيرة قد تكون في بعض صورها علامة على مقدار ما أصبح الآخر مدمجًا في النظام التمثلي للذات. فالإنسان يغار عندما يشعر بأن ما اعتبره جزءًا من عالمه الخاص أصبح معرضًا لأن يتجه إلى عالم آخر. ولهذا السبب لا يكون الألم ناتجًا فقط من احتمال فقدان المحبوب، وإنما من الجرح الذي يصيب النفس عندما تكتشف أن الآخر الذي أدخلته في تعريفها لذاتها ما زال يمتلك إرادة مستقلة عنها. وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الحب الإنساني: نبدأ بحب شخص لأنه هو، ثم قد ننتهي إلى مطالبته بألا يكون هو إلا ضمن الحدود التي تسمح لنا بالاطمئنان إليه. ومن هذه النقطة تبدأ المسافة بين الحب والرغبة في التملك بالتقلص.
وقد يبدو لأول وهلة أن الزواج ينبغي أن يحل مشكلة القلق المرتبط بالحب. فالعلاقة أصبحت مستقرة ومعلنة، وأصبح الطرفان يعيشان في إطار اجتماعي وقانوني واضح. لكن ما يحدث أحيانًا هو العكس تمامًا. فالزواج قد يمنح بعض النزعات التملكية شرعيةً متوهمة. فما كان قبل الزواج رغبة في الاطمئنان قد يتحول بعده إلى مطالبة بمعرفة التفاصيل. وما كان سؤالًا عابرًا قد يصبح حقًا مزعومًا في التفتيش والمراقبة. وما كان غيرة محدودة قد يتحول إلى اعتراض على الأصدقاء والعمل والملابس والهوايات وطريقة قضاء الوقت، بل وحتى على الأفكار والآراء. وهنا يبدأ الإدمان على الآخر بالكشف عن وجهه الأكثر خطورة: الرغبة في إدارة مصدر الإدمان.
فالمدمن لا يريد أن يكون الشيء الذي يعتمد عليه بعيدًا عنه أو خارج سيطرته أو معرضًا للاختفاء. وإذا أصبح الإنسان معتمدًا تمثليًا على إنسان آخر، فقد تنشأ لديه الرغبة نفسها: أن يعرف أين هو، وماذا يفعل، ومع من يتحدث، وماذا يشعر، بل وحتى ماذا يفكر. ولذلك فإن التحكم ليس دائمًا نقيضًا للحب من الخارج؛ فقد يكون، في بعض العلاقات، نتيجة مرضية لتحول الحب نفسه من ارتباط بالآخر إلى اعتماد عليه.
ولعل هذا يفسر لماذا تستطيع الأزمات العاطفية أن تدفع بعض البشر إلى سلوكيات شديدة التطرف. فالإنسان قد يتحمل خسارة مالية كبيرة، أو فشلًا مهنيًا، أو خصومة اجتماعية، ثم يفقد قدرته على الاتزان أمام خيانة عاطفية أو هجر أو رفض. ولا تكفي قيمة العلاقة الموضوعية وحدها لتفسير ذلك. فالمفقود هنا ليس شخصًا فحسب، بل هو منظومة كاملة من المعاني. فقد يفقد الإنسان معه الشعور بأنه مرغوب، أو أنه مختار، أو أنه مهم، أو أنه منتصر على منافسيه، أو أنه يمتلك مستقبلًا معينًا كان قد تخيله لنفسه. وهكذا يمكن لحدث واحد هو «رحيل الآخر» أن يتحول داخل النفس إلى سلسلة متزامنة من الخسارات. وهنا يتدخل فائض التمثل ليضاعف حجم الواقعة. فالواقع يقول: شخص لم يعد يريد استمرار العلاقة. ولكن النفس قد تترجم ذلك إلى: أنا غير مرغوب فيَّ، لقد هُزمت، لقد استُبدلت بغيري، لقد أُهنت، ماذا سيقول الآخرون؟ كيف استطاع أن يعيش من دوني؟ وكيف أسمح له بأن يكون سعيدًا بعدما تسبب في ألمي؟
وعند هذه النقطة يستطيع فائض العدوان أن يلتحق بفائض التمثل، فتنتقل الأزمة من الحزن على فقد العلاقة إلى الرغبة في معاقبة من تسبب في هذا الجرح التمثلي. ولهذا فإن بعض جرائم الحب قد يكون وصفها بهذا الاسم مضللًا؛ إذ أنها لا تحدث لأن الإنسان «أحب أكثر مما ينبغي»، وإنما لأن الحب تحول إلى رغبة في التملك، والتملك إلى اعتماد، والاعتماد إلى تهديد للذات، ثم تحول التهديد إلى عدوان.
وهذا يساعد أيضًا على تفسير واحدة من أكثر المفارقات غرابة: لماذا لا يحل الطلاق دائمًا مشكلات الزواج؟ فمن الناحية القانونية، ينتهي الزواج بالطلاق. ولكن العلاقات النفسية والتمثلية لا تخضع للقوانين بهذه البساطة. فقد يخرج الإنسان من الزواج قانونيًا، بينما يظل الطرف الآخر حاضرًا داخله حضورًا أقوى مما كان عليه أثناء الزواج. فيراقبه، ويتابع أخباره، ويقارن حياته بحياته، ويغضب من نجاحه، ويتألم من زواجه مرة أخرى، ويحاول التأثير فيه من خلال الأبناء أو المال أو الأقارب. وهكذا قد ينتهي الزواج ولا ينتهي الإدمان على الآخر، بل أن الانفصال نفسه قد يكشف مقدار ذلك الإدمان؛ لأن الإنسان لا يعرف دائمًا درجة اعتماده على شيء ما إلا عندما يُحرم منه. ولهذا فقد يكون الطلاق قادرًا على فصل منزلين وحسابين وحياتين قانونياً، لكنه يعجز عن فصل ذاتين ادخلت إحداهما الأخرى عميقًا في بنيتها التمثلية.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجًا: فعندما نقول لإنسان «أنا أحبك»، فما الذي نحبه تحديدًا؟ هل نحبه هو؟ أم نحب الطريقة التي يجعلنا نشعر بها تجاه أنفسنا؟ ربما تكمن إحدى أكثر حقائق الحب الإنساني إحراجًا في أن هذين الأمرين يمتزجان إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما. فنحن نحب الآخر، لكننا نحب كذلك أنفسنا في عينيه. نحب اهتمامه بنا، وافتقاده لنا، واختياره لنا، وإعجابه بنا، وحاجته إلينا. ولهذا يصبح الحب الإنساني معرضًا دائمًا لأن يتحول من عبارة: “أريدك لأنني أحبك” إلى عبارة خفية مختلفة: “أحتاج إليك لكي أستطيع أن أظل الشخص الذي أصبحت أشعر أنني إياه من خلالك”. وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها الحب بمغادرة فضائه العاطفي الطبيعي والدخول في فضاء الإدمان التمثلي.
ولذلك فإن المعيار الأكثر دقة لسلامة الحب قد لا يكون مقدار القرب بين شخصين، وإنما مقدار الاستقلال الذي يستطيع هذا القرب احتماله. فالحب الذي لا يستطيع احتمال استقلال الآخر ليس حبًا خالصًا مهما بلغت شدته. والحب الذي يحتاج باستمرار إلى المراقبة والإثبات والطمأنة والسيطرة يحمل في داخله شيئًا آخر غير الحب؛ إذ أنه يحمل الخوف. والتملك. والاعتماد. وفائض التمثل. فالحب الناضج لا يعني اندماج شخصين حتى يختفي الحد الفاصل بينهما، وإنما يعني قدرة شخصين مستقلين على إنشاء علاقة عميقة من دون أن يطالب أحدهما الآخر بأن يتخلى عن استقلاله لكي يطمئن. فالآخر ليس عضوًا من أعضاء جسدي، ولا امتدادًا لإرادتي، ولا ملكية حصلت عليها بالزواج، ولا جهازًا نفسيًا وظيفته أن يزودني باستمرار بالطمأنينة والاعتراف وتقدير الذات. إنه إنسان آخر. وربما تكون القدرة على تذكر هذه الحقيقة البسيطة واحدة من أصعب المهارات التي يتطلبها الحب.
لهذا كله يمكن القول إن مأساة الحب الإنساني لا تبدأ بالضرورة عندما يقل الحب، وإنما قد تبدأ عندما يتحول معنى الحب نفسه.
فثمة مسافة هائلة بين أن يقول الإنسان للآخر: “أحب وجودك في حياتي” وأن يقول: “لا أستطيع أن أكون بخير إلا إذا كنت موجودًا بالطريقة التي أريدها في حياتي”. فالجملة الأولى تسمح بوجود شخصين، أما الثانية فتوشك أن تحول أحدهما إلى شرط نفسي لاستقرار الآخر. وعندما يصبح إنسان شرطًا لاستقرار إنسان آخر، يصبح الخوف من فقده قادرًا على إنتاج الغيرة، والشك، والمراقبة، والتحكم، والابتزاز العاطفي، ثم العدوان في الحالات الأشد تطرفًا.
وهنا ربما تقدم الميتابايولوجيا تفسيرًا لما تعجز المقاربة البايولوجية الخالصة عن تفسيره. فالبايولوجيا تستطيع أن تساعدنا على فهم لماذا ينجذب الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل، ولماذا ينشأ التعلق، ولماذا يسعى الإنسان إلى الاقتران. لكنها لا تكفي وحدها لتفسير ذلك العالم الهائل الذي بناه الإنسان فوق الحب؛ ذلك العالم الذي يستطيع فيه تأخر رسالة أن يصبح إهانة، ونظرة عابرة أن تصبح خيانة، وصديق أن يصبح منافسًا، والاستقلال أن يصبح تهديدًا، والفراق أن يصبح انهيارًا للذات. فما بدأ رابطة بين كائنين “بايولوجيين” قد ينتهي علاقة بين نظامين تمثليين شديدي التعقيد.
وعندئذ لا يعود السؤال: لماذا نحب الآخر؟ بل يصبح السؤال الأكثر عمقًا: ما الذي يحدث لنا عندما نُدخل الآخر في تعريفنا لأنفسنا إلى الحد الذي يصبح فيه غيابه شبيهًا بأعراض الانسحاب؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال هي التي تكشف لماذا كان الحب واحدًا من أجمل التجارب التي عرفها الإنسان، وفي الوقت نفسه واحدًا من أكثرها قدرة على إخراجه عن طوره.
فالحب قد يبدأ رغبة في الاقتراب من الآخر، لكن مأساته تبدأ عندما لا يعود الإنسان يريد الآخر فحسب، وإنما يصبح محتاجًا إليه لكي يظل قادرًا على احتمال نفسه.
