“الجبر الذاتي” والمذهب التوافقي المعاصر: تقاطع المسارات وتقارب النتائج

تتجلى البصيرة الفلسفية النافذة للدكتور زكي نجيب محمود عند وضع أفكاره في مقارنة معيارية مع تطورات المذهب التوافقي المعاصر (Compatibilism) في التراث التحليلي الأنغلو-أمريكي؛ إذ تلتقي أطروحته التي نال بها شهادة الدكتوراه مع أدبيات أقطاب الفلسفة التحليلية المعاصرة من أمثال هاري فرانكفورت (Harry Frankfurt)، وبيتر ستروسون (Peter Strawson)، ودانيال دينيت (Daniel Dennett).
وتتجلى هذه المقارنة عبر ثلاثة محاور مفاهيمية رئيسية:
1. بنية الرغبات من الدرجة الثانية وهيكلة “الذات”
في تحليله الشهير للإرادة، يرى هاري فرانكفورت أن حرية الإنسان لا تعني القدرة على الفعل دون أسباب، بل تعني انسجام رغبات الدرجة الأولى (First-Order Desires) (مثل الدوافع البيولوجية والنزعات اللحظية) مع رغبات الدرجة الثانية (Second-Order Desires) (وهي قدرة الفرد المعرفية على تقييم رغباته واختيار ما يريد أن يكونه).
يلتقي هذا الطرح مع مفهوم “الجبر الذاتي” لدى الدكتور زكي نجيب محمود؛ فالحرية عنده ليست “انفصالاً عن العِلِّية”، بل هي خضوع الفعل للسلسلة العلِّية الممتدة داخل النسق العقلي والنفسي للفاعل نفسه. فالإنسان يكون حراً بقدر ما تكون أفعاله مسببة ببنيته الذاتية الواعية ومبادئه النقدية التي تشكل هويته الفردية.
2. التمييز بين القسر الداخلي والقسر الخارجي
يُجمع التوافقيون المعاصرون، مثل دانيال دينيت في كتابه (Elbow Room) “مساحة كافية “، على أن القلق التقليدي من الحتمية العلمية ناتج عن مغالطة لغوية تخلط بين “التعيين الحتمي” (Determinism) و”القسر والتقييد” (Coercion / Compulsion) . فالقوانين الطبيعية والبيولوجية لا تقسر الفاعل، بل تشكل شروط وجوده.
وهذا بالضبط ما أسس له الدكتور زكي نجيب محمود مبكراً عبر حسمه المفاهيمي بين الحتمية الخارجية (External Determinism) التي تستوجب الإكراه وسلب الإرادة، والجبر الذاتي (Self-Determinism) الذي يعبر عن التناغم الناجم عن صدور الفعل من داخل المنظومة الشخصية للفاعل.
3. تأسيس المسؤولية الأخلاقية بعيداً عن الميتافيزيقا
يمتد التقارب بين الدكتور زكي نجيب محمود ومنظور المذهب التوافقي المعاصر (كما عند بيتر ستروسون في ورقته العمدة “Freedom and Resentment”) في تأطير المسؤولية الأخلاقية؛ حيث تُخرج التوافقية مفهوم المسؤولية من ضيق محددات الميتافيزيقا إلى فضاء الوظيفية العملية والاجتماعية. فالتقييم الأخلاقي (العقاب، الثناء، والمسؤولية) لا يتطلب وجود “إرادة مطلقة لا سبب لها”، بل يتطلب فاعلاً يُمكن توجيه سلوكه وتعديله عبر الأسباب والتربية والقانون، طالما أن أفعاله تصدر عن اتساق حتمي مع طبيعته الذاتية.
ويكمن وجه القوة في مشروع الدكتور زكي نجيب محمود في أنه صاغ هذه “التوافقية التحليلية” بأسلوب إجرائي صارم منذ أربعينيات القرن العشرين، وذلك قبل أن تتبلور معظم أدبيات المذهب التوافقي المعاصر بصيغتها الراهنة. ولقد برهن الدكتور زكي نجيب محمود، من خلال صرامة المنهج الوضعي، على أن استبعاد الغيبيات لا يؤدي بالضرورة إلى الحتمية العبثية، بل يفتح الباب أمام عقلانية إنسانية تضمن المسؤولية الأخلاقية وتتسق كلياً مع قوانين العلم الطبيعي.

أضف تعليق