في علة انتفاء وجود “الحب غير المشروط” و “الحب الأبدي”

من بين أكثر المجالات التي أسرف فيها الخطاب الإنساني في تحميل الكلمات ما لا تستطيع الطبيعة البشرية أن تفي به، مجال الحب بين الرجل والمرأة. فقلّما اكتفى الإنسان بوصف الحب كما هو: علاقة شديدة التعقيد، تبدأ من أرضية بايولوجية واضحة، ثم تدخل بعد ذلك في شبكة أكثر تعقيدًا من التمثلات النفسية والاجتماعية والثقافية. وبدلًا من ذلك، أحاط الإنسان الحب بطبقة كثيفة من المفاهيم المثالية، حتى أصبح الحب الحقيقي، وفقًا لهذا الخطاب، حبًا ينبغي أن يكون “غير مشروطunconditional love ” ، وأن يكون، فوق ذلك، “أبديًاendless love ” .غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: هل يستطيع كائنان بشريان أصلًا أن يقدما لبعضهما حبًا غير مشروط؟ وهل يستطيع كائن فانٍ، متغير نفسيًا وجسديًا وتمثليًا، أن يَعِد كائنًا آخر بحب أبدي؟ أم أننا نطلب هنا من الإنسان ما لا تسمح به لا بايولوجيته التي جاء منها، ولا ميتابايولوجيته التي صار إليها؟ فالمشكلة، من هذه الزاوية، هي ليست أن الإنسان يفشل أحيانًا في بلوغ النموذج المثالي للحب، وإنما أن النموذج نفسه ربما صيغ ابتداءً بطريقة تتجاهل ماهية الكائن الذي يُطلب منه تحقيقه.
فإذا عدنا بالحب إلى طبقته البايولوجية الأولى، فلن نعثر في الطبيعة على مفهوم «الحب غير المشروط» بالمعنى الذي تمنحه إياه الثقافة الإنسانية الحديثة. فالعلاقات بين الكائنات الحية محكومة، بصورة أو بأخرى، بشروط الوظيفة البايولوجية: الانجذاب، والتزاوج، والتناسل، ورعاية الصغار، والحماية، والتعاون، والارتباط. وحتى أشد أشكال التعلق الحيواني قوة لا تحتاج إلى افتراض مبدأ ميتافيزيقي اسمه «سأحبك مهما حدث». فالطبيعة لا تكتب العقود الأخلاقية، ولا تطلب من الكائن الحي أن يتعهد بأن تظل حالته العاطفية ثابتة مهما تبدلت الظروف. والإنسان لم يغادر هذا التاريخ حين أصبح إنسانًا؛ إذ لا يزال يحمل الجهاز العصبي، والمنظومة الهرمونية، وآليات الانجذاب والتعلق والغيرة والمنافسة والاختيار التي تشكلت في تاريخ بايولوجي طويل. ولذلك لا يبدأ الحب الإنساني من نقطة محايدة، وإنما من كائن له رغبات وحاجات وتفضيلات واستجابات وحدود.
وهذه كلها شروط. فالإنسان لا ينجذب إلى كل إنسان، ولا يحب كل من يلتقيه، ولا يستمر بالضرورة في حب شخص تغيرت صفاته على نحو جذري. ومن هنا تبدأ المفارقة الأولى: إننا نستخدم تعبير «الحب غير المشروط» لوصف علاقة لم يكن من الممكن أصلًا أن تبدأ إلا بسبب تحقق جملة من الشروط.
إذ يكفي أن نطرح سؤالًا بسيطًا حتى تظهر المشكلة الكامنة في المصطلح: لماذا أحب هذا الإنسان هذا الشخص تحديدًا، ولم يحب واحدًا من مليارات البشر الآخرين؟ لا بد أن هناك شيئًا حدث. فقد يكون انجذابًا جسديًا، أو توافقًا نفسيًا، أو إعجابًا بصفة معينة، أو شعورًا بالأمان، أو استجابة للاهتمام، أو تشابهًا في الأفكار، أو ظرفًا جمع الاثنين، أو حاجة نفسية وجد كل منهما في الآخر إشباعًا لها. ومهما اختلف التفسير، فإن مجرد وجود سبب للاختيار يعني أن العلاقة لم تنشأ من فراغ. فالحب البشري انتقائي بطبيعته، والانتقائية شكل من أشكال الشرطية، بل أن عبارة «سأحبك مهما فعلت» نفسها تنهار إذا دفعناها إلى نتائجها المنطقية. فهل يبقى الحب واجبًا إذا تحول الطرف الآخر إلى مصدر دائم للإذلال؟ وإذا خان؟ وإذا مارس العنف؟ وإذا دمّر حياة شريكه؟ وإذا تغيرت شخصيته وقيمه وسلوكه إلى الحد الذي لم يعد معه الشخص الذي نشأت العلاقة معه موجودًا إلا بالاسم؟ فإذا أجبنا بأن هناك أفعالًا تستطيع إنهاء الحب، فقد اعترفنا بوجود الشروط، وإذا أجبنا بأنه ينبغي للحب أن يستمر مهما حدث، فإننا لا نعود نتحدث عن الحب بقدر ما نتحدث عن إلزام نفسي مطلق قد يتحول في بعض الحالات إلى تبرير للاستسلام للأذى.
غير أن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا حين يغادر الإنسان المستوى البايولوجي المباشر ويدخل العالم الذي يمكن للميتابايولوجيا أن تتناوله بالتفسير. فالحيوان قد يتعلق بشريك، لكن الإنسان لا يتعلق بالآخر فحسب؛ إنه يبني حوله تمثلًا؛ إذ أن الحبيب ليس مجرد شخص نحبه، وإنما يصبح «الشخص الذي اختارني»، و«الشخص الذي يراني جميلًا»، و«الشخص الذي يؤكد قيمتي»، و«الشخص الذي ينبغي أن يفهمني»، و«الشخص الذي ينبغي ألا يفضل أحدًا عليّ»، و”الشخص الذي يمثل استمرار وجوده معي شيئًا عن قيمتي أنا”.
وهنا تنتقل العلاقة من البايولوجيا إلى الميتابايولوجيا. فالإنسان لا يحمل إلى الحب جسده ورغباته الجنسية وآليات تعلقه فحسب، وإنما يحمل معه فائض التمثل: صورته عن نفسه، والصورة التي يريد أن يحملها الآخر عنه، وتوقعاته، وعزة نفسه، وغيرته، وذاكرته، ومقارناته، وخوفه من الاستبدال، وحاجته إلى الاعتراف. ومن المفارقات أن هذه الطبقة الجديدة لا تجعل «الحب غير المشروط» أكثر قابلية للتحقق، وإنما تجعله أقل قابلية لذلك. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على التمثل، ازدادت الشروط غير المعلنة التي يدخل بها العلاقة، فـ (أحببني بالكيفية التي أريدها. وانتبه إليّ بالمقدار الذي أتوقعه. ولا تجعلني أشعر بأنني أقل قيمة. ولا تقارني بغيري. ولا تهدد الصورة التي أكونها عن نفسي. وتذكر المناسبات التي أراها مهمة. ولا تتغير بطريقة تجعلني أعيد النظر في الصورة التي صنعتها عنك)؛ إذ أنها قائمة طويلة من الشروط، وإن لم تُكتب قط. وهكذا قد يكون الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على أن يعلن أنه يريد «حبًا غير مشروط»، ثم يدخل العلاقة حاملًا معه من الشروط ما لا يستطيع هو نفسه إحصاءه!
وإذا كان مفهوم (الحب غير المشروط) unconditional love يصطدم ببنية الإنسان، فإن مفهوم (الحب الأبدي) endless love يواجه مشكلة أخرى تتمثل في الزمن. فالإنسان كائن متغير يريد من كائن متغير آخر أن يَعِده بثبات شعور في مستقبل لا يعرف أي منهما شيئًا عنه.
وهذه مفارقة هائلة. فحين يقول إنسان لإنسان: «سأحبك إلى الأبد»، فهو لا يصف حقيقة يستطيع معرفتها، وإنما يعبّر في الغالب عن شدة حالته الشعورية الراهنة مستخدمًا لغة المستقبل؛ إذ أنه يعرف ما يشعر به الآن، لكنه يتحدث باسم إنسان المستقبل الذي لم يوجد بعد. فهو لا يعرف ماذا سيكون بعد عشر سنوات، ولا ماذا سيكون الطرف الآخر، ولا ماذا ستفعل الشيخوخة والمرض والنجاح والفشل والاختلاف والخسارة والظروف الاقتصادية والاجتماعية والتغيرات النفسية في كلٍ منهما.
ومع ذلك يوقع الحاضر عقدًا عاطفيًا باسم المستقبل. ومن هنا ينبغي التمييز بين صدق الشعور وصدق النبوءة. فقد يكون الإنسان صادقًا تمامًا حين يقول: «سأحبك إلى الأبد»؛ بمعنى أنه يشعر في تلك اللحظة بأنه لا يستطيع تصور نهاية لهذا الحب. ولكن صدقه النفسي في الحاضر لا يمنحه معرفة بالمستقبل. فهو لا يكذب بالضرورة، لكنه يَعِد بما لا يستطيع معرفته.
ولعل أحد أسباب استمرار هذه الأسطورة أننا نخلط بين الحب والوفاء، وبين الشعور والقرار. فالإنسان يستطيع أن يَعِد بأشياء كثيرة تتعلق بسلوكه: أن يكون وفيًا، وألا يخون، وأن يحترم شريكه، وأن يبذل جهدًا لحماية العلاقة، وأن يتحمل المسؤولية، وأن يحاول إصلاح الخلاف، وألا يتخلى عن الآخر عند أول أزمة. فهذه كلها أمور يمكن للإرادة والأخلاق أن تتدخلا فيها بدرجات متفاوتة.
لكن هل يستطيع الإنسان أن يأمر نفسه بأن يشعر بشعور بعينه إلى الأبد؟
هنا تختلف المسألة. فالمشاعر ليست قرارات إدارية. فالإنسان لا يستطيع أن يضمن أنه سيشعر بعد عشرين عامًا بما يشعر به اليوم، تمامًا كما لا يستطيع أن يضمن أن الشخص الآخر سيظل بعد عشرين عامًا حاملًا الصفات نفسها التي أحبها فيه. ولذلك فإن القول: “سأبذل ما أستطيع للمحافظة على علاقتنا” أكثر واقعية من القول: “سأحبك إلى الأبد”. والقول: “لن أجعل تغير مشاعري ذريعة لإيذائك”، أكثر أخلاقية من المطالبة باستحالة تغير المشاعر أصلًا.
غير أن الثقافة الشعبية لم تكتفِ بابتكار هذه التعبيرات، وإنما حولتها شيئًا فشيئًا إلى اختبارات لصدق الحب. فإذا وضعت شروطًا فأنت لا تحب حقًا. وإذا استطعت تصور نهاية العلاقة فحبك ناقص. وإذا تغير شعورك فقد كان حبك الأول زائفًا. وهنا يرتكب الخطاب الرومانسي خطأ منطقيًا بالغ الدلالة؛ إذ أنه يستدل من نهاية الحالة على عدم صدق بدايتها. ولكن الأشياء الحقيقية يمكن أن تنتهي. فالجوع الحقيقي ينتهي. والألم الحقيقي ينتهي. والخوف الحقيقي ينتهي. والفرح الحقيقي ينتهي. ولا يعني انتهاء أي منها أنها لم تكن حقيقية حين حدثت. فلماذا يكون الحب وحده مطالبًا بإثبات صدقه عن طريق الخلود؟
فقد يحب إنسان إنسانًا حبًا حقيقيًا عشرين عامًا ثم يتغير شيء جوهري بينهما. ولا يجعل ذلك السنوات العشرين وهمًا. إنما يعني أن حالة إنسانية حقيقية كانت موجودة ثم تبدلت، كما تتبدل الحالات الإنسانية.
ومن هنا يمكن فهم الحب بوصفه واقعًا يقع عند نقطة التقاء قانونين: الأول بايولوجي الذي يتمثل بـ (الانجذاب، والرغبة، والتعلق، والتزاوج، والغيرة، والتفضيل، وآليات المكافأة العصبية). والثاني ميتابايولوجي والذي يتمثل بـ (التمثل، والاعتراف، وعزة النفس، والصورة الذاتية، والمكانة، والتوقعات، والرموز الاجتماعية، والسرديات التي يصيغ الإنسان من خلالها معنى علاقته).
ولا يسمح أي من المستويين بسهولة بذلك الحب المطلق الذي تتحدث عنه القصائد. فالبايولوجيا تجعله مشروطًا بالحاجات والاستجابات والتفضيلات، أما الميتابايولوجيا فإنها تضيف إليه شروطًا أكثر تعقيدًا تتعلق بالذات وتمثلها لنفسها وللآخر.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة لافتة: فكلما بالغ الإنسان في الابتعاد عن الحيوان في تعقيد تجربته العاطفية، أصبح الحب أكثر قدرة على اختراع شروط جديدة يضيفها طواعية، وبصورة تلقائية، الى قائمة الشروط المعدَّة سلفاً.
ولا يعني إسقاط أسطورتي «الحب غير المشروط» و«الحب الأبدي» الدعوة إلى حب بارد نفعي مؤقت، ولا التقليل من قيمة الوفاء والإخلاص والتضحية، بل ربما يكون العكس هو الصحيح. فقيمة الحب لا تحتاج إلى الاستناد إلى ادعاءات مستحيلة كي تكون عظيمة. وقد يكون أجمل ما يستطيع إنسان أن يقدمه لإنسان آخر هو ليس أن يقول له: «سأحبك مهما فعلت»، وإنما: سأحاول ألا أجعل محبتك رهينة أهواء نفسي، ولكني لن أنسى ما استطعت ما يعنيه أن نكون أنا وانت مجرد بشرين خُلقنا ضعفاء. ولن أقول لك: «سأحبك إلى الأبد»، وإنما: سأتعامل مع هذا الحب بجدية ما دام قائمًا، ولن أستخف به لمجرد أنني لا أملك المستقبل.
وبهذا المعنى يصبح الوفاء أكثر قيمة تحديدًا لأنه ليس مضمونًا بايولوجيًا. وتصبح المحافظة على العلاقة فعلًا أخلاقيًا لأنها تجري في عالم يسمح بانتهائها. وتصبح السنوات الطويلة التي يقضيها اثنان معًا إنجازًا إنسانيًا لا نتيجة آلية لوعد رومانسي أُطلق في بداية الطريق.
وربما تكمن المشكلة إذاً في أننا طالبنا الحب بأن يتحدث بلغة ليست لغته. فالإنسان ليس روحًا مجردة تحب خارج الجسم والزمن والتغير، وليس حيوانًا تتحكم فيه البايولوجيا وحدها. إنه كائن يحمل ماضيه الحيواني في داخله، لكنه يعيش في الوقت نفسه داخل عالم جديد صنعته قدرته الميتابايولوجية على التمثل وبناء المعنى والصورة والهوية. ولهذا فقد كُتب قاموس الحب البشري بقلمين: قلم البايولوجيا وقلم الميتابايولوجيا.
فالأول كُتب فيه الانجذاب والرغبة والتعلق والغيرة والاختيار. والثاني أضاف الاعتراف وعزة النفس والتملك والتوقع والمقارنة والخوف من الاستبدال والحاجة إلى أن يرى الإنسان نفسه في عين من يحب. ولكن أيًا من القلمين لم يُكتب فيه “غير مشروط”، ولم يُكتب فيه “أبدي”. فهاتان الكلمتان أضافهما خيال الإنسان لاحقًا، ثم نسي أنه هو مَن أضافهما، وراح يحاكم الحب الواقعي بمقتضاهما.
ولعل تحرير الحب من هاتين الأسطورتين لا ينتقص منه، وإنما يعيده إلى حجمه الإنساني الحقيقي. فالحب العظيم ليس الحب الذي يتجاوز الطبيعة البشرية، وإنما هو الحب الذي يعرف حدود هذه الطبيعة ثم يحقق، داخلها، أكبر قدر ممكن من الوفاء والرعاية والاحترام والاستمرار.
فالخلود ليس شرطًا لكي يكون الحب حقيقيًا، وانعدام الشروط ليس شرطًا لكي يكون الحب نقيًا. وقد تكون أعظم واقعية أخلاقية في الحب هي أن يقول الإنسان للآخر، دون حاجة إلى لغة المطلق: أنا لا أملك أن أعدك بما ستشعر به نفسي إلى الأبد، ولا أملك أن أحب بلا أي شرط؛ لكنني أملك أن أكون مسؤولًا عن الكيفية التي أحبك بها مادمت أحبك. ويُعتبر هذا، لكائن كتب تاريخه كلٌّ من البايولوجيا والميتابايولوجيا، وعدًا هو أعظم من «الحب الأبدي» نفسه.

أضف تعليق