ويظن الإنسان أن بوسعه ان يغير عاداته وطباعِه بغمضة عين

من بين أكثر الأوهام شيوعًا في نظرة الإنسان إلى نفسه ذلك الاعتقاد بأن المسافة الفاصلة بين أن يقرر تغيير نفسه وبين أن يصبح إنسانًا مختلفًا ليست إلا مسافة قصيرة تكاد تشبه إغماضة عين وانتباهتها. فيكفي، وفقًا لهذا الوهم، أن يدرك الإنسان أن عادة ما سيئة، أو أن طبعًا من طباعه يسبب له المشكلات، ثم يقول لنفسه: (لن أفعل هذا بعد اليوم)؛ لكي يكون قد شرع بالفعل في التحول إلى شخص آخر.
غير أن التجربة البشرية اليومية تقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالإنسان قد يعرف عادته، ويكرهها، ويعترف بأضرارها، ويتخذ قرارًا صادقًا بالتخلص منها، ثم يجد نفسه بعد ساعات أو أيام أو أسابيع يعيد إنتاج السلوك نفسه الذي أعلن الحرب عليه. وليس هذا بالضرورة دليلًا على أنه كان كاذبًا عندما قرر التغيير، بل قد يكون دليلًا على خطأ تصوره لطبيعة التغيير نفسه.
وهنا تبدو الفطنة الكامنة في المثل الإنجليزي الأمريكي الشائع:  Bad habits die hard، أي إن «العادات السيئة لا تموت بسهولة». فالمثل لا يقول إن العادات السيئة لا تموت، وإنما يقول إنها تموت بصعوبة؛ والفرق بين العبارتين ذو دلالة بالغة. فالأولى إعلان للحتمية واليأس، أما الثانية فإقرار بأن التغيير ممكن، ولكن له كلفة وزمن ومقاومة، وأن ما استغرق سنوات لكي يتكون لا ينبغي أن نتوقع منه أن يختفي في لحظة لأنه أصبح موضع قرار واعٍ.
وهنا لابد من التذكير بأنه ينبغي، وقبل كل شيء، التمييز بين قرار التغيير وحدوث التغيير. فالقرار حدث معرفي وإرادي يمكن بالفعل أن يقع في لحظة. فالمدخن يستطيع أن يقرر في ثانية واحدة ألا يدخن، ويستطيع سريع الغضب أن يعاهد نفسه في لحظة على ألا يغضب مرة أخرى، ويستطيع المسرف أن يقرر فجأة أن يصبح مقتصدًا، كما يستطيع من اعتاد التسويف أن يعلن أنه سيبدأ منذ الغد حياة جديدة من الانضباط.
ولكن المشكلة أن الشيء الذي أصدر القرار ليس هو كل الإنسان. فالإنسان ليس وعيًا مجردًا يصدر الأوامر فتطيع بقية مكوناته فورًا؛ إذ أنه جهاز بايولوجي ونفسي شديد التعقيد، يحمل داخله تاريخًا طويلًا من التكرار والتعلم والارتباط بين المواقف والاستجابات والمكافآت والانفعالات. والعادة التي تكررت مئات أو آلاف المرات لم تعد مجرد «فكرة» يمكن محوها بفكرة مضادة؛ إذ أصبحت مسارًا مألوفًا يسلكه الإنسان أحيانًا قبل أن يمنح نفسه الوقت الكافي للتفكير فيه.
ولهذا يستطيع الإنسان أن يغير رأيه في عادة خلال دقيقة، لكنه قد يحتاج إلى أشهر لكي يغير العادة نفسها. وهذه واحدة من أهم الحقائق التي يغفلها خطاب التغيير الساذج: الوعي أسرع من إعادة التشكيل. فلو كانت المعرفة كافية لتغيير الإنسان لكان معظم البشر مختلفين تمامًا عما هم عليه. فالمدخن يعرف في الغالب أن التدخين ضار، ومن يفرط في الطعام يعرف أنه يفرط فيه، ومن يماطل يعرف أنه يماطل، ومن يثور لأسباب تافهة قد يعرف بعد هدوئه أنه بالغ في رد فعله، ومن يكرر نمطًا مدمرًا في علاقاته قد يكون أقدر الناس على وصف ذلك النمط وتحليله. ومع ذلك يعود الإنسان إلى ما يعرف أنه ينبغي ألا يعود إليه.
وهنا تظهر الهوة العجيبة بين المعرفة والسلوك. فالإنسان يستطيع أن يمتلك معرفة صحيحة عن نفسه من دون أن يمتلك بعدُ القدرة الكافية على جعل سلوكه مطابقًا لهذه المعرفة. بل أن واحدة من أكثر الخبرات الإنسانية إثارة للدهشة هي أن يرى الإنسان نفسه وهو يكرر خطأ سبق له أن حلله بدقة، وكأنه أمام شخصين يقيمان في جسد واحد: شخص يعرف، وشخص يفعل.
والأمر لا يحتاج إلى افتراض انفصال حقيقي بين الاثنين. فيكفي أن ندرك أن السلوك الإنساني لا يصدر كله عن المداولة الواعية الآنية، وأن جانبًا كبيرًا منه تحكمه أنماط اكتسبت قوتها من التكرار. وكلما ازداد التكرار أصبح السلوك أقل حاجة إلى قرار جديد في كل مرة.
ولعل من المفيد النظر إلى العادة من زاوية أخرى. فالعادة ليست، في أصلها، عيبًا في الجهاز البشري؛ إذ أنها واحدة من وسائل الاقتصاد في الجهد. فلو اضطر الإنسان إلى التفكير الواعي الكامل في كل حركة وسلوك متكرر، لأصبحت حياته اليومية مرهقة إلى حد هائل. لذلك يسمح التكرار بتحويل كثير من الأفعال إلى أنماط شبه تلقائية لا تحتاج في كل مرة إلى المقدار نفسه من الانتباه والمداولة. وهذه ميزة عظيمة عندما تكون العادة نافعة، لكنها تصبح عبئًا عندما يكون المسار الذي جرى تثبيته ضارًا. فالمشكلة في العادة السيئة ليست فقط في أنها سيئة، وإنما في أنها عادة؛ أي إنها اكتسبت بالتكرار تلك الخاصية التي تجعل استدعاءها أسهل من استدعاء سلوك جديد لم يكتسب بعد القوة نفسها.
ولهذا فإن من يحاول تغيير عادة قد يجد نفسه في وضع غير متكافئ: السلوك القديم وراءه مئات أو آلاف التكرارات، أما السلوك الجديد فلا يملك في بدايته إلا قرارًا؛ وبهذا المعنى، فإنها مواجهة بين تاريخ ونية.
ولا ينبغي أن نستغرب أن ينتصر التاريخ أحيانًا!
وإذا كان هذا صحيحًا في العادات، فإنه يصبح أكثر تعقيدًا حين نتحدث عما نسميه “الطباع”. فبعض أنماط الاستجابة ليست أفعالًا منفردة اعتاد الإنسان القيام بها فحسب، وإنما هي طرائق كاملة في التعامل مع العالم: سرعة الغضب، الحساسية للنقد، الميل إلى السيطرة، الغيرة، التسرع، العناد، الخوف من الرفض، الحاجة المستمرة إلى الاعتراف، الميل إلى تفسير أفعال الآخرين تفسيرًا شخصيًا، أو تحويل الاختلاف في الرأي إلى تهديد للذات. فهذه الأنماط قد تكون حصيلة تفاعل شديد التعقيد بين الاستعدادات البايولوجية والتنشئة والخبرات والتعلم والتكرار والبناء النفسي والتمثلي للذات.
ولذلك فإن قول الإنسان: «من الآن فصاعدًا لن أغضب بهذه الطريقة» لا يمحو بالضرورة الجهاز الداخلي الذي كان ينتج ذلك الغضب. وقد يستطيع أن ينجح مرة أو مرتين، لكنه حين يتعرض للضغط أو الاستفزاز أو التعب قد يفاجأ بعودة النمط القديم. وهنا يظن أنه «عاد إلى نقطة الصفر»، مع أن الأمر ليس بالضرورة كذلك. فالتحول الحقيقي كثيرًا ما يكون صراعًا طويلًا بين نمط قديم قوي ونمط جديد لا يزال في طور البناء.
بل يمكن القول إن الإنسان لا يعرف مقدار ما تغير فيه حقًا في لحظات الهدوء، وإنما عندما تعود الظروف التي كانت تستدعي السلوك القديم. فمن السهل على الإنسان أن يقرر أنه أصبح أكثر حلمًا وهو جالس وحده يفكر في فضيلة الحلم، لكن الاختبار يبدأ عندما يهينه أحدهم. ومن السهل أن يقرر أنه لن يغار بعد اليوم ما دام    لا شيء يثير غيرته، لكن الامتحان يبدأ عندما يستجد ما يثير غيرته. ومن السهل أن يعتقد أنه تخلص من حب السيطرة حين يسير كل شيء وفق ما يريد، لكن مقدار التغيير يظهر حين يتصرف الآخرون على نحو يخالف رغباته. فالطبع القديم لا يعلن عن قوته في الفراغ؛ إذ أنه ينتظر البيئة التي اعتاد أن يعمل فيها. ولهذا فإن التغيير لا يقاس بجمال صياغة قراراته التي يتخذها الإنسان بشأن نفسه، وإنما بمقدار اختلاف استجابة قراراته عندما تعود المثيرات القديمة.
يقوم وهم التغيير الفوري على تصور ضمني للإنسان كما لو كان كائنًا يستطيع أن يستيقظ كل صباح بلا تاريخ. لكننا لا نستيقظ بلا تاريخ. فنحن نحمل معنا إلى اليوم الجديد ما فعلناه بالأمس، وما كررناه طوال سنوات، وما تعلمناه من الاستجابات، وما اعتدنا أن نفعله حين نخاف أو نغضب أو نشعر بالتهديد أو الإهانة أو الحرمان.
ولذلك فإن الإنسان الذي يقول: «سأصبح ابتداءً من الغد شخصًا مختلفًا» يملك بالتأكيد أن يبدأ غدًا عملية الاختلاف، لكنه لا يملك بالضرورة أن يستيقظ غدًا وقد صار ذلك الشخص المختلف. وهذا هو الخطأ الذي يغذيه كثير من خطابات التنمية الذاتية حيث تُقدم الإرادة كما لو كانت زرًا سحريًا لإعادة ضبط الإنسان؛ إذ أن الإرادة ضرورية، لكنها ليست عصًا سحرية. فالقرار يحدد الاتجاه، لكنه لا يختصر الطريق.
ومن منظور ميتابايولوجي، تصبح المسألة أشد تعقيدًا؛ لأن الإنسان لا يتعامل مع عادات حركية وسلوكية فحسب، وإنما مع منظومة تمثلات بناها حول ذاته والآخرين. فقد يكون وراء عادة السيطرة مثلًا شعور عميق بأن فقدان السيطرة يعني فقدان المكانة. وقد يكون وراء الغيرة تهديد لصورة الذات. وقد يكون وراء الغضب من النقد شعور بأن الرأي المخالف ليس مجرد رأي، وإنما انتقاص من قيمة الإنسان نفسه. وقد يكون وراء الإصرار على الانتصار في الجدال حاجة تمثلية إلى إثبات التفوق.
وهنا لن يكفي أن يقول الإنسان لنفسه: «سأتوقف عن هذا السلوك»، لأن السلوك الظاهر قد يكون مجرد الطرف المرئي لبناء أعمق. فهو يشبه من يقطع أغصان نبات بينما يترك جذوره في الأرض ثم يتعجب عندما تنبت الأغصان من جديد!
ومن هنا فإن تغيير بعض الطباع لا يقتضي مقاومة السلوك وحده، وإنما قد يقتضي اكتشاف الحاجة التي كان السلوك يخدمها. فما دام المصدر الداخلي قائمًا، فإنه يستطيع أن يبحث عن مخرج آخر حتى إذا أغلق الإنسان أمامه المخرج القديم.
غير أن الاعتراف بصعوبة التغيير ينبغي ألا يتحول إلى فلسفة حتمية تقول إن الإنسان أسير عاداته وطباعه إلى الأبد. وهنا تكمن عبقرية عبارة Bad habits die hard (العادات السيئة لا تموت بسهولة) مرة أخرى؛ إذ أنها لا تقول: Bad habits never die (العادات السيئة لا تموت مطلقاً)، بل تقول إنها (تموت بصعوبة). وهذا بالضبط هو التصور الأكثر واقعية للإنسان: لا الإنسان الذي يستطيع إعادة خلق نفسه في لحظة، ولا الإنسان المحكوم إلى الأبد بما كان عليه، وإنما الإنسان القادر على التغيير من خلال عملية تراكمية تتطلب التكرار والمقاومة والمراجعة وإعادة المحاولة.
ومن ثم فإن الانتكاسة لا تلغي بالضرورة التقدم السابق. فمن قضى شهرًا يقاوم عادة ثم عاد إليها مرة لم يعد بالضرورة إلى اليوم الأول؛ وإنما كشف عن أن النمط القديم لا يزال يمتلك قدرًا من القوة. والسؤال المفيد عندئذ هو ليس: “كيف فعلت ذلك مع أنني قررت ألا أفعله؟”، وإنما: “ما الذي جعل النمط القديم أقوى من النمط الجديد، الذي أرسخ له، في هذه اللحظة؟”. فهذا السؤال يحول الانتكاسة من مناسبة لجلد الذات إلى مادة لفهم آلية العادة نفسها.
ولعل اللغة التي يستخدمها الإنسان لوصف نفسه جزء من المشكلة. فنحن نحب العبارات النهائية: «لقد تغيرت»، «لن أفعل هذا أبدًا»، «لم أعد ذلك الشخص»، «انتهت هذه العادة». ولكن الواقع أكثر حذرًا من اللغة. وقد تكون العبارة الأدق: إنني أتغير. فالفعل المضارع هنا أكثر صدقًا من صيغة الإنجاز المكتمل. إنه يعترف بأن التحول مسار، وأن القديم قد يعود، وأن الجديد يحتاج إلى التثبيت، وأن الإنسان لا يزال في عملية إعادة تشكيل مستمرة.
وكلما كانت العادة أقدم، وكلما كانت مرتبطة بمكافأة قوية أو بانفعال شديد أو بصورة الإنسان عن نفسه، أصبح التخلص منها أكثر حاجة إلى الزمن والتكرار. فالعادات لا تقرأ القرارات التي نكتبها بشأنها، والطباع لا تحترم الخطب التي نلقيها على مسمع من أنفسنا؛ إذ أنها تستجيب لما نفعله مرارًا.
وهنا ربما نصل إلى القانون الأبسط في المسألة كلها؛ فما اكتسب قوته بالتكرار يفقد جانبًا كبيرًا من قوته بالتكرار المضاد، لا بمجرد القرار المضاد! فالإنسان الذي يريد أن يصبح أكثر هدوءًا لا يصبح هادئًا لأنه أحب فكرة الهدوء، وإنما لأنه يتعلم، موقفًا بعد آخر، أن يضع مسافة بين الاستفزاز والاستجابة. ومن يريد التخلص من التسويف لا يتغير لأنه أعلن كراهيته للتسويف، وإنما عندما يكرر البدء بالفعل في الأوقات التي كان يؤجل فيها. ومن يريد أن يصبح أقل اندفاعًا لا يكفيه أن يفهم أضرار الاندفاع، وإنما يحتاج إلى تكرار عدم الاستجابة لأول دافع حتى يصبح التأني نفسه أكثر ألفة. وهكذا يصبح السلوك الجديد، مع الزمن، صاحب تاريخ هو الآخر. وهنا فقط تبدأ موازين القوة بالتغير.
إن الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع تغيير عاداته وطباعه فور أن يقرر ذلك لا يبالغ في تقدير قوة الإرادة فحسب، وإنما يسيء فهم ماهية الإنسان نفسه. فالإنسان كائن تاريخي حتى على المستوى السلوكي؛ فهو يحمل ماضيه في طرائق استجابته، وفي المسارات التي سلكها مرارًا حتى أصبحت مألوفة لديه. ولهذا فإن تغيير النفس لن يكون بين إغماضة عين وانتباهتها. إنه بناء بطيء لنمط جديد في مواجهة نمط قديم يمتلك أسبقية الزمن وقوة التكرار. ومن هنا تكتسب الحكمة الشعبية البسيطة Bad habits die hard  (العادات السيئة لا تموت بسهولة) عمقًا يتجاوز كثيرًا معناها اليومي. إنها تذكرنا بأن السيئ لا يصبح سهل الاقتلاع لمجرد أننا اكتشفنا أنه سيئ، وأن معرفة الإنسان بعيبه لا تعني التخلص من العيب، وأن الرغبة في التغيير ليست هي التغيير، وأن القرار ليس سوى اللحظة الأولى في طريق قد يكون طويلًا.
لكنها، في الوقت نفسه، تحمل معنى أكثر تفاؤلًا مما يبدو. فالعادات السيئة تموت، ولكنها لا تموت بسهولة.
ولعل النضج الحقيقي يبدأ عندما يتخلى الإنسان عن وهم أنه يستطيع إعادة خلق نفسه في لحظة، من دون أن يتخلى عن إيمانه بأنه يستطيع إعادة تشكيل نفسه عبر الزمن. فالإنسان لا ينتصر على ماضيه بأن يعلن إلغاءه، وإنما بأن يكف، يومًا بعد يوم، عن إعادة إنتاجه.
وخير ما يوجز هذه المقالة العبارة التالية: “احترام قوة الماضي شرط لصناعة المستقبل”.

أضف تعليق