“ليسوا سواء”… مبدأ قرآني يرسخ لكيفية التعامل مع الآخر

ثمة عبارة قرآنية قصيرة، لا تتجاوز كلمتين، ولكنها تنطوي على مبدأ بالغ الأهمية في فهم الإنسان والحكم عليه والتعامل معه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. وقد وردت هذه العبارة في سياق حديث القرآن عن أهل الكتاب، إذ يقول الله تعالى:
﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ۝ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 113-114).
واللافت في قول الله تعالى هذا هو ليس مجرد أن القرآن أثنى على جماعة من أهل الكتاب، وإنما أنه فعل ذلك في سياق كان من الممكن فيه، وفق المنطق البشري المعتاد، أن يُكتفى بالحكم على الجماعة كلها من خلال هويتها الجامعة. فالقرآن تحدث في مواضع أخرى عن أخطاء ومواقف وممارسات صدرت عن بعض أهل الكتاب، ولكنه لم يسمح لهذه الأحكام بأن تتحول إلى إدانة جماعية تمحو الفروق بين الأفراد. ولذلك جاءت العبارة الحاسمة: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. وهنا يمكن النظر إلى هذه العبارة باعتبارها أكثر من مجرد توصيف لجماعة تاريخية بعينها؛ إذ أنها تؤسس لمنهج في الحكم على البشر: لا تجعل انتماء الإنسان إلى جماعة ما بديلًا عن معرفة الإنسان نفسه، فالناس ليسوا سواء.
وهذه الحقيقة التي تبدو بديهية حين تُقال مجردة، هي من أكثر الحقائق التي أخفقت البشرية في الالتزام بها حين دخلت ميادين الدين والسياسة والعرق والقومية والأيديولوجيا والصراع.
فالعقل البشري يميل إلى الاختزال. وحين يتعامل مع جماعات كبيرة، يصبح الاختزال أكثر إغراءً؛ لأنه يوفر عليه مشقة النظر في الأفراد واحدًا واحدًا. فيقال: هؤلاء كذا، وأولئك كذا. هذا الشعب يتصف بكذا، وذلك العرق يتصف بكذا، وأتباع هذا الدين يفعلون كذا، وأصحاب تلك الإيديولوجيا لا يمكن أن يكونوا إلا كذا. وبمجرد أن تستقر هذه الصورة، يختفي الفرد خلف الجماعة. فلا يعود الإنسان يُرى بوصفه فرداً له شخصيته وأخلاقه وأفعاله واختياراته، وإنما يصبح مجرد حامل لاسم: يهودي، مسيحي، مسلم، عربي، غربي، شرقي، أسود، أبيض، مهاجر، قومي، ليبرالي، محافظ، أو غير ذلك من الهويات التي صنع البشر منها صناديق ضخمة ثم راحوا يضعون ملايين البشر داخلها. وعندئذ لا يعود السؤال: ماذا فعل هذا الإنسان؟ بل يصبح: إلى أي جماعة ينتمي؟ وهذا تحديدًا هو المنطق الذي تقطعه عبارة القرآنية ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ من جذوره.
فالانتماء قد يخبرنا شيئًا عن الإنسان، لكنه لا يخبرنا بكل شيء عنه، ولا يمنحنا الحق في أن نستعير حكمًا أصدرناه على جماعته ثم نلصقه به قبل أن نعرفه.
لقد امتلأ التاريخ البشري بأمثلة جرى فيها تحويل الهوية الجماعية إلى قيمة أخلاقية. فثمة عرق عُدَّ أرقى من غيره، لا لأن كل فرد فيه قد أثبت تفوقه، وإنما لأن مجرد الانتساب إليه أصبح فضيلة. وفي المقابل، اعتُبر عرق آخر أدنى، لا لأن كل فرد فيه قد اقترف ما يستوجب الانتقاص منه، وإنما لأن ولادته فيه كانت كافية لإصدار الحكم عليه. والشيء نفسه حدث مع الشعوب والأديان والطوائف والطبقات الاجتماعية والقوميات، ثم مع الأحزاب والإيديولوجيات الحديثة. فالآلية واحدة، تتغير أسماؤها ولا يتغير جوهرها: نأخذ حكمًا عامًا على جماعة، ثم نوزعه بالتساوي على أفرادها. وهكذا يصبح الصالح مسؤولًا عن فساد الفاسد لأنه ينتمي إلى الجماعة نفسها، ويصبح المسالم مسؤولًا عن جريمة المعتدي، ويصبح المعتدل مسؤولًا عن تطرف المتطرف، ويصبح الإنسان مطالبًا بأن يجيب عن أفعال أشخاص لم يرهم قط، لمجرد أن تصنيفًا دينيًا أو عرقيًا أو قوميًّا جمع بينهم.
ولكن القرآن يقول: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. وكأن هاتين الكلمتين تهدمان البنية المنطقية الكامنة وراء كل أشكال العنصرية والتعصب الجماعي: لا تستطيع أن تجعل التشابه في الهوية دليلًا على التطابق في القيمة الأخلاقية.
لا تقتصر القيمة الدلالية لقول الله تعالى ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ على العبارة نفسها، بل تتجلى في الطريقة التي يتحدث بها القرآن عن الجماعات المختلفة. فالقرآن لا يقدم أهل الكتاب، مثلًا، بوصفهم كتلة بشرية واحدة ذات طبيعة أخلاقية ثابتة. ولذلك نجد في خطابه عبارات من قبيل: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110)،
ويقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (آل عمران: 75).
والمثال الأخير بالغ الدلالة؛ لأن القرآن يضع الأمانة والخيانة داخل الجماعة الدينية نفسها. فمن أهل الكتاب من يمكن أن تأتمنه على مال عظيم فيؤديه إليك، ومنهم من لا يؤدي إليك القليل إلا بالمطالبة والإلحاح. أي إن الهوية الدينية وحدها لا تخبرك بمن هو الأمين ومن هو الخائن. وهذه نقطة بالغة الدلالة: فالفرد يُعرف بفعله، لا بمجرد اسم الجماعة التي ينتسب إليها.
لعل الاختبار الحقيقي لهذا المبدأ لا يكون في تعامل الإنسان مع الجماعات التي يحبها، وإنما مع الجماعات التي يختلف معها.
فمن السهل أن نرى الفروق الفردية داخل جماعتنا. فنحن نعرف أن في أهلنا الصالح والطالح، وفي مجتمعنا الكريم والبخيل، وفي أتباع أفكارنا الحكيم والأحمق، وفي جماعتنا الأمين والخائن. ولكن الغريب أننا نفقد هذه القدرة على التمييز بمجرد أن ننظر إلى الجماعة الأخرى. فنرى جماعتنا أفرادًا، ونرى الآخرين كتلة. ونلتمس لأنفسنا الاستثناءات، ونحرم الآخرين منها. فإذا أخطأ واحد منا قلنا: إنه لا يمثلنا. وإذا أخطأ واحد منهم قلنا: هكذا هم. وإذا أحسن واحد منا جعلنا إحسانه شاهدًا على فضائل جماعتنا، بينما إذا أحسن واحد منهم تعاملنا معه باعتباره استثناءً لا يغير الصورة العامة. وهنا تظهر القيمة الأخلاقية العميقة لقول الله تعالى ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾؛ لأنها تطالب الإنسان بأن يمنح الآخر الحق نفسه الذي يمنحه لنفسه: حق أن يُحكم عليه بصفته فردًا.
تقوم العصبية، في أحد أعمق مستوياتها، على قلب معيار الحكم الأخلاقي. فبدلًا من أن ننتقل من فعل الفرد إلى الحكم عليه، ننتقل من هوية الجماعة إلى الحكم على الفرد. فيصبح التسلسل هكذا: نعرف جماعته أولًا، ثم نقرر من يكون. أما المبدأ الذي يمكن استخلاصه من ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ فيعكس الاتجاه: نعرف الإنسان من قوله وفعله وأمانته وعدله وسلوكه، ثم نحكم عليه بما صدر عنه. وهذا الفارق البسيط ظاهريًا هو الفارق بين العدل والتعصب. فالعدل فردي بطبيعته، لأن المسؤولية فردية. ولهذا يقرر القرآن في مواضع متعددة مبدأ المسؤولية الشخصية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. فإذا كان الإنسان لا يحمل عند الله وزر إنسان آخر، فكيف نُحمِّله نحن أخلاقيًا وزر جماعة بأكملها؟
لكن هذا المبدأ لا ينبغي أن يعمل في اتجاه واحد. فـ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ لا تحمينا من أن نظلم الجماعات التي نختلف معها فحسب، وإنما تحمينا كذلك من تقديس الجماعات التي ننتمي إليها. فكما لا يجوز أن نقول إن جماعة أخرى سيئة بجميع أفرادها، لا يجوز أن نفترض أن جماعتنا خيّرة بجميع أفرادها. وكما أن انتماء الإنسان إلى عرق أو دين أو وطن لا يجعله مذنبًا، فإن انتماءه إلى عرق أو دين أو وطن لا يجعله فاضلًا أيضًا. وهنا تتجلى عدالة المبدأ في صورته الكاملة: لا تجعل الهوية سببًا للإدانة، ولا تجعلها شهادة بالبراءة. فالإنسان لا يكتسب فضيلته الأخلاقية بالوراثة، ولا تنتقل إليه رذيلة الآخرين بالوراثة. وليس الاسم الذي يحمله هو الذي يحدد قيمته، وإنما ما يصنعه بهذا الاسم في حياته.
فكثيرٌ من الكراهية البشرية يحتاج، لكي يستمر، إلى التعميم. فمن الصعب أن تكره ملايين البشر إذا اضطررت إلى رؤيتهم واحدًا واحدًا. ولذلك تحتاج الكراهية الجماعية إلى اختزالهم في كلمة واحدة: عرق، طائفة، شعب، دين، حزب، قومية.
ثم تُحمَّل هذه الكلمة بمجموعة من الصفات، وبعد ذلك يصبح مجرد انتماء الفرد إليها كافيًا لاستدعاء الصفات جميعًا.
وهنا تكمن الخطورة. فالمرحلة الأولى من نزع إنسانية الآخر ليست بالضرورة الاعتداء عليه، وإنما التوقف عن رؤيته فردًا. فحين يصبح الإنسان مجرد نموذج ممثل لجماعته، يصبح من السهل تحميله ذنوب الآخرين، ومن ثم يصبح ظلمُه أيسر، وإقصاؤه أيسر، والعدوان عليه أيسر.
أما قول الله تعالى ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ فيعيد الفرد إلى المشهد؛ إذ أنه يجبرنا على فتح الكتلة البشرية المغلقة التي صنعها التعميم، لكي نكتشف أن بداخلها بشرًا مختلفين: فيهم الصالح والطالح، والعادل والظالم، والأمين والخائن، والرحيم والقاسي، والحكيم والجاهل.
فلو أن البشرية استوعبت معنى “ليسوا سواء” وعملت بمقتضاه قبل أن تصنع نظرياتها العرقية والقومية والطائفية، لربما كان جانب كبير من تاريخها مختلفًا. فالعنصرية تقول ضمنًا: هم سواء. والتعصب الطائفي يقول: هم سواء. والكراهية الدينية تقول: هم سواء. والقومية المتطرفة تقول عن الشعب الآخر: هم سواء. والأيديولوجيا حين تستبيح خصومها تقول: هم سواء. أما القرآن فيضع أمام هذا التاريخ الطويل من التعميم كلمتين فقط: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.
ولعل المفارقة أن الإنسان، على الرغم من كل ما راكمه من فلسفات في حقوق الإنسان والتعددية والتسامح، ما زال حتى اليوم يقع في الفخ نفسه. فما إن يشتد صراع سياسي أو ديني أو قومي حتى تبدأ الفروق الفردية بالتلاشي، ويعود الخطاب القديم: هؤلاء جميعًا كذا، وأولئك جميعًا كذا. وكأن الحضارة الحديثة، على ضخامة منجزاتها، لم تتخلص بعد تمامًا من هذه الحاجة البدائية إلى تقسيم العالم إلى قبائل أخلاقية: قبيلة للخير وقبيلة للشر.
ليس المقصود أن نتجاهل وجود ظواهر جماعية، أو أن ننكر أن الثقافات والمجتمعات والعقائد والأيديولوجيات يمكن أن تؤثر في سلوك أفرادها. كما لا يعني المبدأ الامتناع عن نقد جماعة أو مؤسسة أو منظومة فكرية حين يكون النقد مستندًا إلى الوقائع، ولكن الفرق الجوهري هو بين نقد الظاهرة وإدانة كل فرد ينتسب إلى الجماعة التي ظهرت فيها. فيمكن أن ننتقد عقيدة من غير أن نفترض سوء أخلاق كل من يؤمن بها. ويمكن أن نعارض أيديولوجيا من غير أن ننزع النزاهة عن كل من ينتسب إليها. ويمكن أن ندين سياسة دولة من غير أن نجعل كل أفراد شعبها مسؤولين عنها. ويمكن أن نرفض ممارسة شائعة في مجتمع من غير أن نفترض أنها موجودة في كل إنسان ينتمي إليه. وذلك لأن الجملة التي ينبغي أن تبقى حاضرة بين الحكم على الجماعة والحكم على الفرد هي دائمًا: ليسوا سواء.
ربما تكمن إحدى أعمق مشكلات الإنسان في أنه يعرف نفسه فردًا، ولكنه كثيرًا ما يرى الآخر جماعة. ويعرف تفاصيل نفسه وأسبابها واستثناءاتها وتعقيداتها، لكنه يختزل ملايين الآخرين في هوية واحدة، ثم يصدر عليهم حكمًا واحدًا. ومن هنا يكتسب قول الله تعالى ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ دلالته الإنسانية الأوسع. فهو، وإن ورد في سياق مخصوص يتعلق بأهل الكتاب، يضع أمامنا مبدأ يمكن أن يهدي تعاملنا مع كل آخر: ألا نستبدل الإنسان بالتصنيف، وألا نجعل الانتماء يقوم مقام الفعل، وألا نورث الفرد ذنوب جماعته أو نمنحه فضائلها دون استحقاق. فالآخر الذي يقف أمامك ليس عرقًا يمشي على قدمين، ولا دينًا يتحدث، ولا طائفة لها وجه، ولا حزبًا يرتدي جسد إنسان. إنه إنسان، ولذلك ينبغي أن يُسأل عما فعل هو، لا عما فعله الذين يشبهونه في الاسم أو النسب أو العقيدة. وربما كان من أوجز ما يمكن أن تقدمه الرؤية القرآنية لعالمنا الذي لا يزال ممزقًا بالتصنيفات والهويات والكراهية الجماعية قاعدة من كلمتين: قبل أن تحكم على إنسان من خلال الجماعة التي ينتمي إليها، تذكّر أنهم ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.

أضف تعليق