هل الميتابايولوجيا ثورة علمية جديدة أم امتداد طبيعي للبايولوجيا؟

حين يظهر نظام تفسيري جديد في أي حقل من حقول المعرفة، سرعان ما يُطرح السؤال عما إذا كان هذا النظام قد جاء لكي يهدم ما سبقه، أم لكي يكمله. وربما كان هذا السؤال أكثر إلحاحاً عند الحديث عن الميتابايولوجيا؛ لأن مجرد إضافة السابقة “ميتا” إلى البايولوجيا قد توحي بأننا نتحدث عن علم يقع خارجها أو يتجاوزها أو يناقضها. ولكن هذه الصورة لا تعبّر بدقة عن العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين المجالين.
فالميتابايولوجيا، كما نقترحها، لا تبدأ من افتراض خطأ البايولوجيا، وإنما تبدأ من التسليم بصحتها داخل المجال الذي تستطيع تفسيره. وهي لا تقول إن الإنسان لم يعد كائناً بايولوجياً، بل تقول شيئاً أكثر تحديداً: إن الإنسان، مع بقائه كائناً بايولوجياً، أصبح يُظهر من الصفات والخصال ما لا يكفي تاريخه البايولوجي وحده لتفسيره. وهذا التمييز هو الذي يجعل السؤال عن كون الميتابايولوجيا “ثورة” أو “امتداداً” سؤالاً أكثر تعقيداً مما يبدو عليه.
ولعل تاريخ الفيزياء يقدم لنا مثالاً بالغ الدلالة على ذلك. فلقد استطاعت ميكانيكا نيوتن أن تقدم للبشرية واحداً من أعظم النظم التفسيرية التي عرفها تاريخ العلم. فمن حركة الأجسام على سطح الأرض إلى حركة الكواكب، أمكن لقوانين قليلة أن تفسر طيفاً هائلاً من الظواهر الفيزيائية. ولم تكن نجاحاتها تقريبية بالمعنى الذي يجعلها مجرد مرحلة بدائية من تاريخ الفيزياء، بل كانت، وما تزال، دقيقة بصورة مذهلة داخل مجال معين من الواقع.
ثم جاء القرن العشرون، وبدأ الفيزيائيون يكتشفون أن العالم المجهري لا يتصرف دائماً بالطريقة التي تتوقعها الفيزياء الكلاسيكية. ولم يكن الحل في تعديل بعض التفاصيل داخل ميكانيكا نيوتن، وإنما في بناء إطار تفسيري جديد أصبحت له مفاهيمه وقواعده الخاصة.
فظهرت ميكانيكا الكم. لكن ظهورها لم يجعل قوانين نيوتن خاطئة. فالطائرة ما تزال تطير، والجسر ما يزال يُبنى، والقمر الصناعي ما يزال يتحرك في مداره وفق حسابات تستطيع الفيزياء الكلاسيكية التعامل معها بدرجة عالية من الدقة. فما حدث هو أن الفيزياء اكتشفت أن قوانين نيوتن ليست قوانين كافية لوصف الواقع الفيزيائي في جميع مستوياته. وبعبارة أخرى، فلقد انتقلت الفيزياء، من الاعتقاد بوجود نظام تفسيري واحد صالح لكل شيء إلى الاعتراف بأن الطبيعة قد تستلزم مستويات مختلفة من التفسير.
ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا. فالبايولوجيا حققت نجاحاً هائلاً في تفسير الحياة. ومن خلال التطور والوراثة والفسيولوجيا وعلم الأعصاب وسائر فروع علوم الحياة، فأصبح بالإمكان تفسير قدر هائل من الظاهرة الإنسانية نفسها. والإنسان، مهما بلغ من التفرد، لم ينقطع عن هذا التاريخ. فجسمه وأعضاؤه وأجهزته وحاجاته الأساسية وكثير من دوافعه وسلوكياته كلها موصولة بتاريخ تطوري سابق على ظهوره بوصفه إنساناً. ولذلك سيكون من الخطأ أن تبدأ الميتابايولوجيا بإنكار هذا الأصل. ولكن الخطأ المقابل لا يقل خطورة، وهو افتراض أن نجاح البايولوجيا في تفسير جانب كبير من الإنسان يعني قدرتها، من حيث المبدأ، على تفسير كل ما فيه. فربما كانت المشكلة في هذا الافتراض شبيهة بالمشكلة التي كان سيقع فيها عالِم فيزياء يُصر على أن نجاح ميكانيكا نيوتن في تفسير حركة الكواكب يعني قدرتها بالضرورة على تفسير سلوك الإلكترون.
إن نجاح نموذج تفسيري داخل مجال معين لا يمنحه تلقائياً سلطة تفسيرية غير محدودة.
ومن هنا تبدأ الميتابايولوجيا. فهي لا تظهر عند النقطة التي تصبح فيها البايولوجيا خاطئة، وإنما عند النقطة التي تصبح فيها غير كافية. والفرق بين الأمرين جوهريٌ للغاية. فالقول إن البايولوجيا خاطئة يعني وجوب استبدالها، أما القول إنها غير كافية فيعني ضرورة استكمالها. وهذا هو السبب الذي يجعل العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا أقرب إلى علاقة الامتداد منها إلى علاقة الإلغاء. غير أن كلمة “امتداد” ينبغي ألا تُفهم بمعنى مجرد إضافة فصل جديد إلى الكتاب القديم. فقد يكون الانتقال من البايولوجيا إلى الميتابايولوجيا أعمق من ذلك، لأنه يقتضي إدخال مفاهيم وآليات تفسيرية لم تكن ضرورية لفهم الحياة قبل ظهور الإنسان. فالإنسان لم يتوقف عن الخضوع للبايولوجيا، لكنه أضاف إلى البايولوجيا مستوى جديداً من الأداء.
وهنا تكمن خصوصية الظاهرة الإنسانية. فالخوف، على سبيل المثال، ظاهرة بايولوجية قديمة، لها وظيفة واضحة في حماية الكائن الحي من الأخطار. ولكن الإنسان يستطيع أن يخاف من انهيار مكانته الاجتماعية، أو من حكم الآخرين عليه، أو من فشل مشروع لم يوجد بعد إلا في مخيلته. والجنس ذو أصل بايولوجي لا يحتاج إلى كثير من الجدل، لكنه يستطيع لدى الإنسان أن يتحول إلى منظومات من الرموز والتمثلات والقيود والهويات والصراعات تتجاوز الوظيفة الإنجابية الأصلية. والعدوان بدوره موجود في الطبيعة، لكنه يستطيع عند الإنسان أن يتجاوز حدود الدفاع والمنافسة على الموارد إلى الانتقام الذي يستمر سنوات، أو الحرب التي تُخاض من أجل رمز أو عقيدة أو ذكرى تاريخية. وفي جميع هذه الحالات لم تختف البايولوجيا؛ إذ أنها موجودة في الطبقة الأولى من الظاهرة. ولكن شيئاً آخر قد بُني فوقها. ومن هنا يمكن تصور الظاهرة الإنسانية بوصفها بناءً ذا طبقتين: طبقة بايولوجية عميقة ورثها الإنسان من تاريخه التطوري، وطبقة ميتابايولوجية نشأت فوقها وأعادت توظيف كثير من آلياتها القديمة. وهذا التصور يمنعنا من الوقوع في خطأين متعاكسين: اختزال الإنسان إلى بايولوجيته، وفصله عن بايولوجيته.
فالميتابايولوجيا لا تستطيع أن تعمل من دون البايولوجيا، لأن الظواهر التي تبحث فيها لا تظهر خارج الجسم والدماغ والجهاز العصبي والدوافع التطورية الموروثة. ولكن البايولوجيا، في المقابل، قد لا تستطيع وحدها تفسير الكيفية التي أعيد بها تنظيم هذه العناصر لتنتج ذلك العالَم الإنساني بالغ التعقيد. بل إن أكثر الظواهر الميتابايولوجية وضوحاً قد تكون، في الوقت نفسه، أكثرها التصاقاً بجذر بايولوجي قديم. فالانتقام مثلاً، لا يظهر من العدم؛ إذ أنه قد يستثمر جهازاً قديماً للعدوان. والتعلق المفرط بالآخر لا ينشأ من فراغ؛ إذ أنه قد يُبنى فوق منظومات بايولوجية للتعلق. والسعي المحموم وراء المكانة لا يحتاج إلى خلق جهاز عصبي جديد؛ إذ أنه يستطيع أن يعيد توظيف آليات قديمة للمنافسة الاجتماعية.
وهكذا تصبح العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا أكثر تعقيداً من مجرد تقسيم الظواهر إلى مجموعتين منفصلتين. فما هو ميتابايولوجي قد يكون بايولوجياً في جذره، ميتابايولوجياً في تجليه. وهذه العبارة ربما تكون من أهم المفاتيح لفهم العلاقة بين المجالين. فالانتقال إلى الميتابايولوجيا لا يحدث بالضرورة عندما تختفي الآلية البايولوجية، وإنما قد يحدث عندما تتجاوز مخرجاتها الوظيفة التي تشكلت من أجلها في التاريخ التطوري.
وهنا تحديداً يصبح “اقتصاد الطبيعة” مفهوماً مركزياً. فالطبيعة لا تنتخب عادةً أداءً بالغ الكلفة بلا مردود وظيفي يمكن أن يسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في البقاء والتناسل. ولهذا فإن ظهور أنماط من السلوك الإنساني تُنفَق فيها موارد هائلة من الوقت والطاقة، وقد تضر بالكائن نفسه، من دون أن يكون بالإمكان ردها بسهولة إلى منفعة تطورية واضحة، يستدعي السؤال عما إذا كنا ما نزال داخل الحدود التي تكفي البايولوجيا وحدها لتفسيرها.
وهذا لا يعني أن كل سلوك ضار هو ميتابايولوجي. فالطبيعة ليست منظومة للكمال، والتطور لا ينتج كائنات مثالية، كما أن السمات النافعة في بيئة قد تصبح ضارة في بيئة أخرى. ولذلك لا يكفي وجود الهدر أو الضرر وحده لإثبات الانتقال إلى الميتابايولوجيا. إنما تكمن المسألة في النمط المنهجي المتكرر من التجاوز: أن تتحول آلية ذات أصل بايولوجي معروف إلى أداء يتضخم ويتشعب ويكتسب استقلالاً نسبياً عن الوظيفة التي يمكن أن تكون قد نشأت من أجلها. عندئذ يصبح السؤال الميتابايولوجي مشروعاً.
ولذلك فإن الميتابايولوجيا، إذا أرادت أن تكون امتداداً علمياً للبايولوجيا، لا ينبغي أن تبحث عن الظواهر التي لا علاقة لها بالبايولوجيا، بل ينبغي أن تبحث، على العكس، عن اللحظة التي يتحول فيها ما هو بايولوجي إلى ما هو ميتابايولوجي. وهذا التحول هو الذي ينبغي أن يصبح موضوعها المركزي.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الميتابايولوجيا هي امتداد للبايولوجيا من جهة، وثورة عليها من جهة أخرى؛ فهي امتداد لها لأنها تبدأ من مكتسباتها، وتحافظ على تفسيراتها، وتعترف بالأصل التطوري للإنسان. لكنها ثورة عليها إذا كان المقصود بالثورة التخلي عن افتراض أن مستوى واحداً من التفسير يستطيع استيعاب الظاهرة الإنسانية بأكملها.
وهي بهذا المعنى تشبه ما حدث في الفيزياء: فلم تكن الثورة الكمية إعلاناً بأن نيوتن كان مخطئاً في كل شيء، وإنما كانت إعلاناً بأن الواقع أوسع من المجال الذي تستطيع ميكانيكا نيوتن وصفه. وقد تكون الثورة التي تقترحها الميتابايولوجيا من الطبيعة نفسها: ليست ثورة ضد البايولوجيا، وإنما ضد مركزية التفسير البايولوجي؛ أي ضد الاعتقاد بأن كل ما يظهر في كائن حي يجب، لمجرد ظهوره فيه، أن يكون قابلاً للاختزال إلى القوانين التي تفسر الحياة الطبيعية السابقة عليه.
وعندئذ لن يصبح السؤال: البايولوجيا أم الميتابايولوجيا؟ بل سيصبح: أي مستوى من التفسير تحتاج إليه الظاهرة التي أمامنا؟
فإذا كانت بايولوجية، كان تفسيرها بايولوجياً. وإذا كانت ميتابايولوجية، وجب الانتقال إلى مستوى آخر. وإذا كانت، كما هو الحال في كثير من الظواهر الإنسانية، بايولوجية في أصلها وميتابايولوجية في تجليها، أصبح التفسير الصحيح هو الذي يستطيع الجمع بين المستويين من دون أن يختزل أحدهما في الآخر.
وهكذا لا تكون الميتابايولوجيا إعلاناً عن نهاية البايولوجيا، بل هي نتيجة طبيعية لنجاحها؛ لأن العلم كلما ازداد نجاحاً في تفسير مجال ما، أصبح أكثر قدرة على اكتشاف الظواهر التي تقع عند حدوده. وعند تلك الحدود تحديداً تبدأ الأسئلة الجديدة. وربما يبدأ العلم الجديد أيضاً.

أضف تعليق