
ثمة مفارقة عميقة تكاد تختصر قصة الحضارة البشرية كلها مفادها أن أعظم شاهد على قوة الإنسان هو، في الوقت نفسه، أحد أكثر الشواهد دلالة على هشاشته. فالحضارة هي أكثر تجليات الذكاء البشري قدرة على التعبير عن المسافة الهائلة التي تفصل الإنسان عن سائر الكائنات البايولوجية الأخرى. فلم يكتف الإنسان بالتكيف مع الطبيعة كما تفعل الكائنات الأخرى، وإنما شرع منذ وقت مبكر في تطويعها، ثم تعديلها، ثم إعادة تشكيل الكثير من مفرداتها بما يتلاءم مع حاجاته ورغباته وتطلعاته. فشق الأرض، وحوّل مجاري المياه، وبنى المدن، واخترق الجبال، واستخرج ما في باطن الأرض، وسيطر على الطاقة، واخترع الآلة، ثم بلغ به الأمر أن أرسل مصنوعاته خارج الكوكب الذي نشأ عليه.
ولذلك تبدو الحضارة، للوهلة الأولى، وكأنها قصة انتصار العقل البشري على الطبيعة. غير أن قراءة أخرى لهذه القصة تقودنا إلى نتيجة أقل مدعاة للزهو بكثير. فالحضارة نفسها التي تشهد على قدرة الإنسان الفذة على تغيير الطبيعة تقدم، في الوقت ذاته، البرهان على قدرته الفذة أيضًا على إحداث أضرار فيها قد يعجز عن إصلاحها، أو قد يملك وسائل إصلاح بعضها لكنه يفتقر إلى الإرادة والتنظيم اللذين يدفعانه إلى استخدامها في الوقت المناسب.
وهنا تكمن المفارقة. فالإنسان استطاع أن يصنع حضارة شديدة القوة، لكنه لم يستطع أن يصنع لنفسه، بالقدر ذاته، ذائقة قيمية تتناسب مع هذه القوة. فلقد تطورت أدوات الإنسان بوتيرة أسرع بكثير من تطور قدرته على ضبط دوافعه، وترتيب أولوياته، والتمييز بين ما يتوهم أنه يخيفه وما ينبغي حقًا أن يخيفه. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه لم يعد: إلى أي مدى أصبحت الحضارة قوية؟ وإنما: من الذي يتخذ القرارات داخل هذه الحضارة؟ والإجابة، على بساطتها، مقلقة: إنه الإنسان نفسه؛ أي ذلك الكائن الذي حمل معه إلى أرقى مؤسساته السياسية والعلمية والعسكرية والاقتصادية كثيرًا من البنية النفسية والتمثلية التي حملها منذ آلاف السنين.
فلعل ما شهده صيف عام 2026 في أوروبا يقدم نموذجًا بالغ الدلالة على هذه المفارقة. فقد تعرضت مناطق واسعة من القارة لموجات حر شديدة ومتلاحقة، ترافقت مع الجفاف وتهيؤ ظروف ملائمة لاندلاع الحرائق وانتشارها، حتى أتت النيران على مساحات هائلة من الغابات والأراضي. ولا تكمن الدلالة التي ينطوي عليها حدوث هذه الحرائق في كونها كارثة طبيعية أخرى تضاف إلى سجل الكوارث، وإنما في السؤال الحضاري الذي تفرضه: كيف يمكن لقارة تمتلك واحدًا من أعظم التراكمات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والتنظيمية في تاريخ الإنسان أن تجد نفسها، عامًا بعد عام، أمام المشهد نفسه: الغابات تحترق، والقرى تُخلى، والناس يفرون، والطائرات تكافح النيران، ثم تنتهي الكارثة لكي يبدأ الاستعداد النفسي لتكرارها في العام التالي؟!
ليس المقصود بهذا السؤال الزعم بأن إخماد حرائق الغابات الكبرى أمر يسير، أو أن الدول الأوروبية لا تبذل جهودًا لمكافحتها. فالحرائق الضخمة التي تغذيها الحرارة والجفاف والرياح قد تتجاوز، بالفعل، قدرة أجهزة الإطفاء مهما بلغت إمكاناتها. وإنما السؤال أعمق من ذلك بكثير: هل بلغ حجم الاستثمار الحضاري الجماعي في الوقاية والتكيف والاستعداد والبنية التحتية وإدارة الغابات ومكافحة الحرائق مستوى يتناسب حقًا مع حجم الخطر الذي أصبح معلومًا ومتكررًا ومتفاقمًا؟ وهنا تتحول الحرائق من مشكلة بيئية إلى سؤال فلسفي عن الحضارة نفسها.
تزداد المفارقة وضوحًا عندما ننظر إلى القدرة الهائلة التي تمتلكها الدول الحديثة على التعبئة حين تُعرّف خطرًا ما بأنه خطر أمني أو عسكري. فبمجرد أن يدخل تهديد معين إلى المجال السياسي بوصفه «خطرًا وجوديًا»، تتحرك منظومة كاملة تتمثل في اجتماعات طارئة، وموازنات إضافية، وتحالفات، وصفقات تسليح، وقواعد، ومناورات، وخطط تمتد سنوات وعقودًا. ويمكن خلال مدة قصيرة إعادة ترتيب أولويات اقتصادات كاملة استجابة لاحتمال مستقبلي لمواجهة عسكرية قد تقع وقد لا تقع. ولا يعني ذلك أن المخاطر العسكرية ينبغي تجاهلها، أو أن الدول لا يحق لها الاستعداد لها. فالفطنة السياسية تقتضي الاستعداد للمخاطر المحتملة أيضًا. لكن المفارقة تبدأ عندما تصبح قدرة الحضارة على الاستجابة للخطر المحتمل أكبر من قدرتها على الاستجابة للخطر الماثل أمامها. فالخطر المناخي ليس جيشًا مختبئًا خلف الحدود، ولا تقريرًا استخباريًا مختلفًا على تفسيره، ولا سيناريو استراتيجيًا يحتمل الصواب والخطأ. فهذا الخطر يظهر في درجات الحرارة، وفي الجفاف، وفي المياه، وفي المحاصيل، وفي الغابات المحترقة، وفي صحة البشر، وفي تكاليف التأمين، وفي البنى التحتية، وفي الاقتصادات المحلية. ومع ذلك، يبدو أن الإنسان يستطيع أن يخاف من دبابة محتملة أكثر مما يخاف من غابة تحترق بالفعل! ولكن لماذا يحدث ذلك؟
هنا يمكن استدعاء مفهوم فائض التمثل. فالإنسان لا يستجيب للواقع بحسب حجمه الموضوعي فحسب، وإنما بحسب الصورة التي يصنعها لذلك الواقع في ذهنه. وقد تكون الصورة أحيانًا أقوى من الشيء الذي تمثله. فالخطر العسكري يمتلك كل المقومات اللازمة لاستنفار فائض التمثل: عدو له اسم، ودولة لها علم، وجيش له أسلحة، وخرائط يمكن رسم الأسهم عليها، وتاريخ يمكن استدعاؤه، وذاكرة جماعية مليئة بالحروب والغزوات والهزائم والانتصارات.
أما تغير المناخ فلا يمتلك «وجهًا» مُحدد المعالم مُفصَل القَسَمات بهذه السهولة. فلا توجد دولة اسمها الجفاف يمكن إعلان الحرب عليها. ولا جيش يسمى الاحتباس الحراري يمكن تصويره بالأقمار الصناعية. ولا قائد لموجة الحر يمكن تشويه صورته في نشرات الأخبار. ولهذا يصبح الخطر الأكثر تجريدًا، على الرغم من ماديته الهائلة، أقل قدرة على استنفار المخيال الجمعي من خصم بشري يمكن تمثله.
وهذه إحدى المفارقات الكبرى للعقل البشري؛ فليس أشد الأخطار بالضرورة هو أشدها قدرة على إخافتنا؛ بل أشدها قابلية للتمثل هو الذي يستفز أعمق هذه المخاوف فيضطرها الى الإفصاح عن نفسها بأبشع الصور
ثم يأتي فائض العدوان ليضيف بعدًا آخر إلى المشكلة. فالإنسان يمتلك تاريخًا بالغ الطول في تعبئة الجماعة لمواجهة جماعة أخرى. ومنذ القبيلة القديمة حتى الدولة الحديثة، كان وجود «الآخر المهدِّد» من أقوى الوسائل القادرة على توحيد الجماعة وتبرير التضحية واستنفار الموارد. فلقد تغيرت الأدوات، لكن البنية القديمة ما زالت قابلة للاستدعاء. ولهذا تستطيع الحضارة الحديثة أن تنظم نفسها بسهولة مدهشة عندما تُصاغ المشكلة في صورة صراع: نحن وهم، حليف وعدو، هجوم ودفاع، انتصار وهزيمة. ولكن ماذا تفعل الحضارة عندما يكون عدوها نمط حياتها نفسه؟! وكيف تعلن التعبئة العامة ضد منظومة اقتصادية تمنحه الرفاه الذي يرغب فيه، بينما تسهم في الوقت نفسه في إنتاج الأخطار التي يخشاها؟! وكيف تطلب منه التضحية اليوم من أجل كارثة لن تظهر آثارها الكاملة إلا بعد سنوات؟! هنا تبدو أدوات الحضارة أقل كفاءة، لأن المشكلة لم تعد في «الآخر». فالمشكلة فينا. والحرب ضد الآخر أسهل نفسيًا بكثير من مراجعة الذات.
ربما تكمن إحدى أكبر أخطاء الخطاب الحضاري الحديث في افتراض وجود علاقة تلقائية بين ازدياد المعرفة والحصول على الحكمة. غير أن تاريخ الحضارة لا يقدم ما يكفي لتأكيد هذه العلاقة. فيمكن للإنسان أن يعرف أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك يتخذ قرارات شديدة القصور. ويمكن أن يمتلك بيانات مذهلة الدقة عن المناخ، ونماذج حاسوبية تتنبأ بما سيحدث، وأقمارًا صناعية ترصد الحرائق ساعة بساعة، ثم يعجز عن تحويل هذه المعرفة إلى سلم أولويات سياسي واقتصادي يتناسب معها. وهنا يظهر الفرق بين المقدرة الحضارية و”الرشد الحضاري”. فالمقدرة تجيب عن السؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟ أما الرشد فيجيب عن سؤال أصعب: ما الذي ينبغي أن نفعله أولًا؟ فلقد حققت الحضارة البشرية تقدمًا مذهلًا فيما يخص السؤال الأول، بينما ظل تقدمها فيما يخص السؤال الثاني متواضعًا على نحو يدعو إلى القلق.
لهذا قد نكون مخطئين حين نبحث عن مواطن ضعف الحضارة في أنظمتها التقنية وحدها. فأخطر هشاشة الحضارة ليست في انقطاع الكهرباء، أو تعطل شبكات الاتصالات، أو انهيار سلاسل توريد، أو نقص مورد معين. فهذه كلها صور لهشاشة تقنية يمكن، من حيث المبدأ، إصلاحها. فالهشاشة الأعمق موجودة في الإنسان الذي يدير هذه الأنظمة. فإذا كان الإنسان قابلًا للخوف غير المتناسب، ولتضخيم بعض المخاطر وتقليل شأن أخرى، ولتقديم مصالح آنية على أخطار مستقبلية، وللانقسام إلى جماعات متنافسة حتى أمام التهديدات المشتركة، فإن الحضارة التي يبنيها سوف تحمل هذه الخصائص نفسها مهما بلغت درجة تطورها التكنولوجي. فالحضارة، بهذا المعنى، ليست كيانًا مستقلًا عن الإنسان؛ إذ أنها الإنسان وقد تضخمت قدراته. ولهذا فإن تضخم القدرة البشرية لا يعني اختفاء العيوب البشرية؛ بل قد يعني تضخم آثارها أيضًا. فلقد كان الإنسان القديم يستطيع، بسوء تقديره، أن يحرق مساحة صغيرة من الغابة. أما الإنسان الحضاري فيستطيع، بسلسلة متراكمة من القرارات الاقتصادية والصناعية والاستهلاكية، أن يسهم في تغيير شروط المناخ التي تحدد قابلية غابات قارة كاملة للاحتراق. وهنا تصبح الحضارة مضاعِفًا للقوة، لا مضاعفًا للحكمة بالضرورة.
ولعل هذه هي الصورة الأكثر إثارة للقلق. فنحن نعيش داخل حضارة القرن الحادي والعشرين، لكن كثيرًا من الآليات النفسية التي تحدد أولوياتنا أقدم منها بآلاف السنين. فنحن لانزال نستجيب بسرعة أكبر للعدو المرئي. ولا نزال نتوحد أمام الخصم أكثر مما نتوحد أمام المشكلة. ولانزال نفضل الخطر المفاجئ على الخطر المتراكم. ولا نزال نمنح الحاضر وزنًا نفسيًا يفوق المستقبل، حتى عندما نعلم أن المستقبل الذي نهمله اليوم سيصبح حاضرًا لا مهرب منه غدًا. وهكذا نشأت فجوة خطيرة بين حداثة الوسيلة وقدم الدافع. فنحن لدينا أقمار صناعية، وذكاء اصطناعي، وحواسيب فائقة، وطائرات متقدمة، وتقنيات هندسية غير مسبوقة؛ لكن الكائن الذي يقرر أين تُوجَّه هذه الأدوات لا يزال قابلًا لأن يستنفد جانبًا ضخمًا من موارده في صراع تمثلي مع إنسان آخر، بينما تتغير البيئة التي تسمح لكلٍ منهما بالحياة.
من هنا يصبح السؤال مشروعًا: ما نفع الحضارة إن كانت تعرف كيف تفعل كل شيء تقريبًا، لكنها لا تعرف دائمًا متى ينبغي أن تفعله، ولا أين ينبغي أن تضع مواردها، ولا أي الأخطار يستحق الأولوية؟! إن المقياس الحقيقي لنضج الحضارة لا ينبغي أن يكون مقدار الطاقة التي تستطيع إنتاجها، ولا سرعة حواسيبها، ولا مدى صواريخها، ولا عدد الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، فالمقياس الأعمق هو قدرتها على ترتيب المخاطر وفق أولويتها، لا وفق قدرتها على إثارة المخيال البشري.
فالحضارة الناضجة هي ليست التي تستطيع مواجهة عدوها فحسب، وإنما التي تستطيع التعرف إلى الخطر حتى عندما لا يكون له عدو يمكن كراهيته. وليست الحضارة الحكيمة هي التي تستطيع حشد المليارات بعد وقوع الكارثة، وإنما التي تستطيع إنفاق جزء من هذه المليارات قبل وقوعها. وليست الحضارة القوية هي التي تستطيع تغيير الطبيعة فحسب، وإنما التي تعرف متى ينبغي أن تكف عن تغييرها، ومتى ينبغي أن تبدأ بإصلاح ما أفسدته فيها.
ولهذا كله، فإن الأزمة المناخية قد تكون أكثر من أزمة بيئية؛ إذ أنها اختبار أنثروبولوجي وفلسفي للحضارة البشرية. إنها تختبر قدرة الإنسان على تجاوز تلك البنية التي جعلته بارعًا في مواجهة الأخطار القريبة والمرئية والمجسدة في خصم، وأقل براعة في التعامل مع الأخطار البطيئة والتراكمية والموزعة على عقود.
وقد نكتشف، في نهاية المطاف، أن المشكلة الكبرى لم تكن أن الإنسان لم يمتلك العلم الكافي لمعرفة ما يحدث، ولا التكنولوجيا الكافية للتقليل من آثاره، ولا الثروة الكافية للاستعداد له. ربما كانت المشكلة أن الإنسان الذي امتلك كل ذلك ظل يحمل داخله فائض التمثل وفائض العدوان، وظل قادرًا على أن يمنح الخطر الذي يستطيع تخيل عدو وراءه أولوية على الخطر الذي يستطيع أن يراه بعينيه.
وهنا تتكشف المفارقة كاملة: فلقد بنى الإنسان حضارة تستطيع أن تفعل ما كان سيبدو للإنسان القديم ضربًا من السحر، لكنه لم يبنِ بعد إنسانًا يمتلك من الحكمة ما يوازي القوة التي وضعتها هذه الحضارة بين يديه. ومن ثم فإن هشاشة الحضارة ليست نقيض قوتها، بل الوجه الآخر لهذه القوة. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على تغيير العالم، ازدادت خطورة مواطن ضعفه حين تتحول إلى قرارات جماعية تمتلك التكنولوجيا والمال والمؤسسات لتنفيذها.
فالحضارة ليست أكثر حكمة من الإنسان الذي يقودها، ولا أكثر اتزانًا من النفس التي تحدد أولوياتها. ولهذا، فربما يكون السؤال الذي سيحدد مصير الحضارة في العقود القادمة هو ليس: إلى أي مدى سيستطيع الإنسان تطوير أدواته؟ فلقد أثبت بما يكفي أنه قادر على ذلك. فالسؤال الأصعب هو: هل يستطيع الإنسان أن يطور من حكمته بالقدر الذي يجعله جديرًا بالأدوات التي صنعها؟ فإذا كانت الحضارة تضخيمًا لقدرة الإنسان، فإن خلاصها لن يكون بابتكار قوة أكبر فحسب، وإنما بظهور قدرة موازية على ضبط هذه القوة وتوجيهها. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل الحقيقة الأكثر إزعاجًا قائمة، والمتمثلة في أن هشاشة الحضارة ليست إلا هشاشة الإنسان وقد أصبحت حضارة.
