
إذا كانت مقولة “لا جديد تحت الشمس” تصلح، كما حاولنا أن نبين من قبل، لأن تكون أكثر من مجرد عبارة قديمة عن تكرار أحوال البشر، فإن قيمتها الحقيقية تظهر حين نستخدمها مبدأً في قراءة تاريخ المعرفة نفسها. فما نسميه في كل عصر «فكرًا جديدًا» لا يكون، في كثير من الأحيان، جديدًا بالمعنى الصارم للكلمة، وإنما يكون إعادة اكتشاف لفكرة قديمة، أو إعادة صياغة لسؤال سابق، أو تركيبًا جديدًا لعناصر معرفية سبق للعقل البشري أن عرفها في زمن آخر ثم نسيها. ولكن هل يعني ذلك أن التاريخ البشري لم يعرف قط علمًا جديدًا حقًا؟ وهل ينبغي أن نفهم عبارة «لا جديد تحت الشمس» بوصفها قانونًا مطلقًا لا استثناء له؟
هنا يمكن لمقولة قديمة أخرى أن تفتح أمامنا بابًا لمقاربة مختلفة. إنها المقولة التي اشتهرت في التراث الديني بصيغ متعددة، والتي يمكن اختزال معناها في العبارة: “يُقبض العلم بقبض العلماء”. وقد اعتدنا أن نفهم هذه العبارة بمعنى بسيط ومباشر: أن العالِم حين يموت يذهب معه شيء من العلم الذي كان يحمله، وأن موت العلماء يؤدي، بالتدريج، إلى نقصان المعرفة في المجتمع. غير أن هذه القراءة، على وجاهتها، قد لا تستنفد كل ما يمكن أن تنطوي عليه العبارة من دلالة أعمق. فماذا لو كان المقصود بالعلم الذي يُقبض بموت العالِم ليس مجرد المعلومات التي كان يعرفها، وإنما قدرته الفريدة على إنتاج معرفة لم تكن موجودة قبله أصلًا؟ عندئذ تتغير المسألة كلها. فالمعلومات يمكن أن تُكتب، والكتب يمكن أن تُنسخ، والنظريات يمكن أن تُدرّس، والتلاميذ يستطيعون أن يحفظوا ما قاله أستاذهم وينقلوه إلى من يأتي بعدهم. ولو كان العلم مجرد محتوى معرفي قابل للتدوين، لما كان من السهل فهم معنى أن يُقبض العلم بموت صاحبه؛ لأن ما عرفه العالِم يستطيع، من حيث المبدأ، أن يبقى بعده في كتبه وآثاره وتلاميذه. أما الشيء الذي لا يمكن تدوينه ونقله بهذه السهولة فهو العقل الذي كان قادرًا على إنتاج ذلك العلم. وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين كثيرًا ما يختلطان في تاريخ المعرفة: العلم بوصفه معرفة موجودة، والعالِم بوصفه قدرة على إيجاد معرفة لم تكن موجودة. فالأول يمكن نقله، أما الثاني فلا يُورث بالضرورة. فيمكن للإنسان أن يقرأ جميع كتب عالِم عظيم، وأن يحفظ نظرياته، وأن يصبح أكثر الناس معرفة بتفاصيلها، ولكنه لا يصبح بذلك قادرًا على فعل ما فعله ذلك العالِم حين جاء بما لم يكن موجودًا قبله. ذلك أن المعرفة التي خلّفها العالِم شيء، والمَلَكة العقلية التي مكّنته من إنتاجها شيء آخر تمامًا.
ومن هنا يمكن أن نفهم عبارة “يُقبض العلم بقبض العلماء” على نحو أكثر عمقًا. فبعض العلم لا يغيب لأن الكتب التي تحتويه اختفت، وإنما لأن العقل القادر على إنتاج مثله قد اختفى. وهذا هو الموضع الذي تلتقي فيه هذه المقولة مع مقولة “لا جديد تحت الشمس”. فالأخيرة، وفق هذه المقاربة، لا تقول إن الجديد مستحيل، وإنما تقول إن الجديد الحقيقي استثناء. أما القاعدة فهي التكرار. فمعظم البشر، بمن فيهم عدد كبير ممن نطلق عليهم وصف المفكرين والعلماء، يعملون داخل مخزون معرفي سبق وجودَهم. إنهم يشرحونه، ويطورونه، ويرتبونه، ويجمعون بين عناصره، وينقلونه من لغة إلى أخرى، ويطبقونه في ميادين جديدة، وقد يعيدون اكتشاف شيء منه بعد أن يكون قد طواه النسيان. وكل ذلك عمل معرفي ذو قيمة بالغة، لكنه لا يعني بالضرورة أن شيئًا لم يكن موجودًا من قبل قد دخل إلى العالِم. ولهذا قد يكون جزء كبير من «الجديد» في تاريخ الفكر جديدًا بالنسبة إلينا، وليس جديدًا من وجهة نظر التاريخ. فنكتشف فكرة في القرن الحادي والعشرين فنحسب أنها وُلدت معنا، ثم يكشف البحث أنها كانت موجودة بصيغةٍ ما قبل قرون. ونبتكر مصطلحًا جديدًا، فنظن أننا ابتكرنا معه مفهومًا جديدًا، بينما يكون كل ما فعلناه في الحقيقة لا أكثر من إعادة تسمية حدس قديم. ونعلن ميلاد مدرسة فكرية جديدة، ثم لا يلبث المؤرخ أن يعثر على أسلافها في حضارة أخرى أو في نصوص نسيها التاريخ.
وبهذا المعنى تعمل قاعدة “لا جديد تحت الشمس” بكفاءة مذهلة. ولكنها تتوقف، أو تكاد، عند ظهور نمط نادر من البشر. فهؤلاء هم الذين تستحق كلمة “العلماء”، في المقولة التي نتأملها هنا، أن تُفهم في ضوئهم بمعناها الأشد خصوصية؛ فهم ليسوا مجرد حَمَلة للعلم، وإنما منتجو علم جديد تمام الجدة. والفارق بين الاثنين هائل. فحامل العلم يستطيع أن يعلّمك ما يعرف. أما منتج العلم فيستطيع أن يرى ما لم يكن أحد يعرف أنه موجود لكي يُرى أصلًا. فالأول يتحرك داخل خريطة، أما الثاني فقد يضيف إلى الخريطة أرضًا لم تكن مرسومة فيها. والأول يجيب عن الأسئلة الموجودة، أما الثاني فقد تكون عبقريته الكبرى في أنه يطرح سؤالًا لم يخطر لأحد أن يسأله.
وهنا تصبح وفاة مثل هذا الإنسان حدثًا معرفيًا يتجاوز فقدان شخص واحد. فما يُقبض بموته ليس مجموعة المعلومات التي كانت في رأسه فحسب؛ إذ ربما بقي كثير منها في كتبه وأبحاثه، وإنما تُقبض معه إمكانية مخصوصة لإنتاج المعرفة. فلقد كان العالِم، في هذه الحالة، أشبه بنافذة فريدة استطاع الوجود أن يُرى من خلالها بكيفية لم يكن يُرى بها من قبل. فإذا أُغلقت هذه النافذة، فلا ضمانة لأن تُفتح نافذة أخرى في المكان نفسه. وهذا يفسر ظاهرة لافتة في تاريخ المعرفة: أن ظهور العبقرية لا يخضع لنظام زمني منتظم. فلا تستطيع أمة أن تقرر أنها ستنتج في كل خمسين عامًا عقلًا استثنائيًا. ولا تستطيع جامعة، مهما بلغت عظمتها، أن تضع برنامجًا دراسيًا يضمن تخريج عبقري كل عشر سنوات. فالمؤسسات تستطيع أن تنتج باحثين ممتازين، وأن توفر شروط البحث، وأن تحفظ المعرفة وتنميها، ولكنها لا تستطيع أن تأمر التاريخ بأن ينجب لها عقلًا قادرًا على تغيير صورة العالم. فالعقول الاستثنائية لا تأتي وفق جدول زمني. وقد تمر عقود، بل قرون، قبل أن يظهر في مجال معين من يرى ما لم يره الآخرون.
ومن هنا تكتسب عبارة “يُقبض العلم بقبض العلماء” معنى بالغ العمق: فقد يُتوفى العالِم، ويبقى علمه، ولكن يموت معه العلم الذي كان يمكن أن يأتي به لو امتد به العُمُر. وهذا علم لن نجده في كتبه، لأنه لم يُكتب بعد. وهو علمٌ لن يعرفه تلاميذه، لأنه لم يُعلَّم بعد. ولن تستطيع الأجيال التالية استعادته، لأنه لم يوجد أصلًا لكي يُستعاد؛ إذ أنه، إذا صح التعبير، العلم الممكن الذي مات بموت صاحبه.
وهذه الفكرة تجعل موت العالِم الخلاق أكثر مأساوية معرفيًا مما نتصور. فنحن نحصي عادة ما خلّفه العالِم وراءه، ولا نستطيع أن نحصي ما أخذه معه. فنعرف الكتب التي كتبها، ولا نعرف الكتب التي كان سيكتبها! ونعرف النظريات التي صاغها، ولا نعرف الأسئلة التي كان سيطرحها بعد عشر سنوات! ونعرف ما أضافه إلى المعرفة، ولا نملك أي وسيلة لمعرفة مقدار المعرفة التي فقدها العالَم بموته!
وهنا يظهر الفارق الحاسم بين المعرفة المتحققة والمعرفة الممكنة. فـ “المعرفة المتحققة” يمكن حفظها في المكتبات، أما “المعرفة الممكنة” فقد تكون مرتبطة بوجود عقل بعينه. فإذا غاب ذلك العقل، غابت معه إمكانية معرفية كاملة، ولا يوجد ما يضمن أن التاريخ سيعيد إنتاجها.
وعند هذه النقطة يمكن إعادة صياغة العلاقة بين المقولتين بصورة أكثر دقة. فـ “لا جديد تحت الشمس” تصف القاعدة العامة لحركة المعرفة البشرية: التكرار، والاستعادة، وإعادة الاكتشاف، وإعادة التركيب، وإعادة التسمية. أما “يُقبض العلم بقبض العلماء” فتصف الاستثناء النادر: اللحظة التي يظهر فيها عقل يستطيع أن يضيف إلى العالَم شيئًا لم يكن موجودًا في مخزونه المعرفي السابق.
وبذلك لا تعود المقولتان متعارضتين. بل تصبح الثانية بمثابة المفتاح الذي يفسر الاستثناء في الأولى. فلا جديد تحت الشمس ما دام البشر يعيدون إنتاج ما عرفه البشر من قبل. ولكن الجديد يظهر حين يجود الزمان بعقل لا يكتفي باستعادة المخزون المعرفي، وإنما يستطيع أن يتجاوز حدوده. وحين يُتوفى هذا العقل، تعود القاعدة القديمة إلى العمل. فتبدأ الأجيال اللاحقة بشرح ما قاله، والتعليق عليه، وتطويره، والاختلاف حوله، وتأسيس المدارس باسمه، وربما إعادة اكتشاف بعض أفكاره بعد نسيانها. وقد يستمر ذلك قرونًا كاملة. لكن كل هذه الحركة الهائلة قد تكون، في نهاية المطاف، حركة داخل المساحة التي فتحها ذلك العقل الاستثنائي. وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات إثارة في تاريخ المعرفة؛ إذ قد يحتاج الإنسان إلى لحظة واحدة لكي يفتح أفقًا معرفيًا جديدًا، ثم تحتاج البشرية إلى قرون لكي تستنفد ما فتحته تلك اللحظة. ولهذا فإن تاريخ المعرفة، وفق هذه المقاربة، ليس خطاً متصلًا من الاكتشافات المتساوية، وإنما هو أقرب إلى سلسلة من الانقطاعات النادرة تفصل بينها مساحات طويلة من التراكم وإعادة الإنتاج. فيظهر عقل استثنائي، فيُحدث انقطاعاً، ثم يأتي المئات بعده فيشرحون نتائج ذلك الانقطاع، ثم يتحول الجديد إلى مألوف، ثم يصبح المألوف تراثًا، ثم يُنسى جزء من هذا التراث، ثم يعاد اكتشافه في عصر لاحق ويُقدَّم، مرة أخرى، بوصفه جديدًا. وهكذا تعود الشمس لتشرق على شيء سبق أن أشرقت عليه. إلى أن يظهر، في لحظة لا يستطيع أحد التنبؤ بها، إنسان يرى شيئًا لم تشرق عليه شمس المعرفة البشرية من قبل. وذلك هو الاستثناء الحقيقي. وهذا، وفق هذه القراءة، هو العالِم الذي لا يعني موته فقدان رجل كان يعرف أشياء كثيرة فحسب، وإنما انطفاء قدرة فريدة كان يمكن أن تأتي بأشياء لم يعرفها أحد بعد.
ومن هنا قد نستطيع الجمع بين المقولتين في صيغة واحدة: لا جديد تحت الشمس في معظم تاريخ المعرفة؛ لأن أكثر ما يفعله البشر هو إعادة اكتشاف ما سبق أن عُرف، وإعادة صياغة ما سبق أن قيل. أما الجديد حقًا فلا يظهر إلا حين يظهر ذلك العقل النادر القادر على تجاوز الذاكرة المعرفية للبشرية. فإذا ما تُوفي، لم يُقبض ما كان يعرفه فحسب، وإنما قُبض معه شيء من العلم الذي كان يمكن أن يعرفه العالَم من خلاله. ولهذا ربما لا يكون السؤال الأكبر في تاريخ المعرفة: كم من العلم أنتج البشر؟ بل سؤالًا يستحيل علينا أن نجيب عنه: كم من العلم لم يصل إلينا قط، لأن العقول التي كان يمكن أن تأتي به رحلت قبل أن تأتي به؟
