
ثمة سؤال يبدو للوهلة الأولى شديد البساطة: ما الذي يجعل الشيء هو الشيء الذي نعرفه؟ ما الذي يجعل العصا عصاً، والحية حية، والنار نارًا، والماء ماءً؟ يبدو الجواب في منطقنا المعتاد بديهيًا إلى درجة أننا قلما نرى في السؤال مشكلة تستحق التفكير. فالعصا عصا لأن لها خصائص العصا، والحية حية لأنها كائن حي يمتلك بنية بايولوجية مخصوصة، ولكل شيء طبيعة تحدد هويته وتفصله عن سائر الأشياء.
غير أن القرآن، في حديثه عن موسى وعصاه، يضع العقل أمام واقعة تهز هذه البداهة من أساسها، إذا لم نكتف بالنظر إليها بوصفها معجزة خارقة، وسألنا بدلًا من ذلك عما تكشفه عن حقيقة الشيء وهويته. حيث يقول الله تعالى لموسى في الوادي المقدس طوى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾ (طه: 17–21).
ولعل أكثر ما يستوقف في هذا النص أن القرآن يبدأ بسؤال عن هوية الشيء نفسه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾؟ ويأتي جواب موسى واضحًا لا يحتمل الالتباس: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾.بل إنه لا يكتفي بتسميتها، وإنما يعدد وظائفها التي تؤكد هويتها: يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، وله فيها مآرب أخرى؛ إذ أنها، وفق الخبرة الإنسانية كلها، عصا مكتملة الهوية والوظيفة والتاريخ.
ولكن هذه الهوية التي بدت لموسى ثابتة إلى درجة البداهة تنهار في اللحظة التالية: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾. وهنا لا يقول القرآن إن موسى تخيلها حية، ولا إنها بدت له شبيهة بالحية، ولا إن العصا بقيت عصًا واتخذت مجرد صورة حية. وإنما ينتقل التعبير القرآني مباشرة من: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ إلى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾.
والفارق بين العبارتين هائل. فالشيء نفسه الذي كان قبل لحظات موضوعًا جامدًا من المادة، له طول وشكل ووظيفة معلومة، أصبح كائنًا حيًا يتحرك ويسعى. فلم تتغير صفة عرضية من صفاته فحسب؛ لم يتغير لونه أو حجمه أو موضعه، وإنما تبدلت هويته التي نعرفه بها.
ثم تأتي العبارة الأشد دلالة: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾. فالهوية الأولى يمكن أن تغادرها، ثم يمكن أن تعاد إليها.
وهنا ينفتح أمامنا سؤال بالغ العمق: ما حقيقة هذه العصا إذاً؟ هل حقيقتها أنها عصا؟ فلو كانت العصوية هوية قائمة فيها بذاتها، ممتنعة الانفكاك عنها، لما أمكن أن تصبح حية تسعى. وإذا كانت حقيقتها أنها حية بعد تحولها، فكيف أمكن أن تعود سيرتها الأولى؟ ربما يكمن الجواب القرآني الأعمق في أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة. فالعصا ليست عصًا بذاتها، والحية ليست حية بذاتها. وما نراه نحن هو الهوية التي شاء الله للشيء أن يكون عليها في اللحظة التي ندركه فيها. وهذا لا يعني أن الأشياء لا تمتلك خصائص حقيقية في العالم الذي نعيش فيه. فالعصا التي حملها موسى كانت عصا بالفعل، والحية التي رآها كانت حية بالفعل. ولكنه يعني أن كون العصا عصًا لا يجعل «العصوية» ملكية وجودية مستقلة عن الله، كما أن كون الحية حية لا يجعل «الحيَّوية» حقيقة قائمة بذاتها لا سلطان لله عليها. فالقرآن لا ينفي حقيقة الأشياء؛ وإنما يمكن أن تُقرأ قصة موسى بوصفها تنفي استقلال حقيقة الأشياء عن الله.
وهنا يظهر فارق دقيق بين قولين متشابهين في الظاهر، مختلفين جذريًا في المعنى.
فالقول الأول: العصا عصا بذاتها، والله يستطيع تحويلها إلى حية، أما القول الثاني فهو أعمق: العصا عصا لأن الله أقامها في هوية العصا، ثم أقام الشيء نفسه في هوية أخرى حين جعله حية، ثم أعاده إلى هويته الأولى. ففي التصور الأول يمتلك الشيء هويته أولًا، ثم يتدخل الله فيها استثناءً. أما في التصور الثاني، فحتى الهوية المعتادة التي نراها كل يوم ليست مستقلة عن الله أصلًا. وهذا هو التحول الفلسفي الذي تقترحه القصة. فنحن معتادون على الاعتقاد بأن المعجزة وقعت حين أصبحت العصا حية، وأن الأمر الطبيعي وقع حين عادت عصًا. ولكن لماذا نعد بقاء العصا عصًا أمرًا مستقلًا عن الله، بينما نعد تحولها إلى حية فعلًا إلهيًا؟
ربما تكون الرؤية القرآنية أعمق من هذه الثنائية. فتحول العصا إلى حية بالله، ولكن بقاء العصا عصًا هو الآخر بالله. والفرق أن الأول نادر فنسميه معجزة، بينما الثاني متكرر حتى فقدنا الإحساس بإعجازه الوجودي.
فلقد اعتدنا أن نرى الأشياء محتفظة بهوياتها، فتحول الاعتياد في أذهاننا إلى ضرورة. فنرى الحجر حجرًا كل يوم فنحسب أن فيه شيئًا يوجب عليه أن يكون حجرًا إلى الأبد. ونرى الماء ماءً فنظن أن مائيته ضرورة مستقلة. ونرى الكائن الحي محافظًا على بنيته فننسب إليه هوية ذاتية مكتفية بنفسها. ولكن قصة العصا تكسر هذا الوهم. فما حسبه موسى عصًا مستقرة الهوية أصبح أمام عينيه شيئًا آخر تمامًا، ثم قيل له إن هويته السابقة ستعاد إليه: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾. وكأن «السيرة الأولى» ليست حقًا مكتسبًا للشيء، وإنما حالًا يمكن أن يقيمه الله فيها، وينقله منها، ثم يعيده، إن شاء، إليها. ومن هنا يمكن أن نستخلص مبدأً أنطولوجيًا بالغ الدلالة: الشيء وفق هذه القراءة القرآنية لا يستمد شيئيته من ذاته، وإنما يستمدها من الله. فهو موجود، ولكن وجوده ليس قائمًا بذاته. وهو شيء معين، ولكن تعينه ليس استقلالًا عن الله. وله هوية، ولكن هويته ليست ملكًا وجوديًا ذاتيًا يحوزها بمعزل عن خالقه. فالشيء فقير إلى الله ليس فقط لكي يوجد، وإنما، وفق هذا الاستنباط، لكي يكون ما هو عليه. وهنا تصبح فكرة الافتقار إلى الله أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بأن الله خلق الأشياء في بداية وجودها ثم تركها تعمل وفق الخصائص التي أودعها فيها. فالقرآن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15). والفقر، وفق هذه القراءة، ليس فقرًا إلى علة البداية فحسب، بل هو فقر مستمر في الوجود والتعيُّن والبقاء والهوية. فالشيء مفتقر إلى الله في أن يوجد، ومفتقر إليه في أن يستمر، ومفتقر إليه في أن يكون هذا الشيء دون ذاك.
وبهذا المعنى يمكن أن نفهم على نحو أعمق دلالة اسم الله الصمد. فالله وحده لا يحتاج في قيامه إلى غيره. أما كل ما عداه فوجوده وتعيُّنه واستمراره مفتقر إليه. فالله لا يمتلك هويته إعارةً من شيء آخر، ولا يستمد وجوده من سبب سابق، ولا يحتاج إلى من يحفظ له صفته أو يعيد إليه «سيرته الأولى». أما العصا، والحية، والإنسان، والحجر، والنجم، وكل ما في الوجود، فليس شيء منها قائمًا بنفسه على هذا النحو.
ومن هنا يمكن القول، مع ضرورة الدقة إن الله وحده قائم بذاته، أما الأشياء فقائمة بالله. وعندئذ تتغير رؤيتنا للمعجزة نفسها. فالمعجزة لا تعود فعلًا إلهيًا يقع في عالَم مستقل عن الله ويستعصي على قوانينه من الخارج. بل تصبح كشفًا لحقيقة كانت مستترة وراء انتظام العالم، ولسان حالها يقول إن القوانين التي نراها ليس لها سلطة بمعزل عن الله، وأن الهويات التي تبدو لنا ضرورية ليست مستقلة عن الله.
العلم يصف لنا، وبنجاح بالغ، كيف تنتظم الأشياء في العالم الذي شاء الله له هذا الانتظام. فيخبرنا بما يحدث عادةً للمادة، وكيف تعمل الكائنات الحية، وكيف تنتقل الطاقة، وكيف تحفظ الأجسام خصائصها ضمن شروط محددة. ولا تتعارض قصة العصا مع صلاحية هذا العلم داخل مجاله؛ لأنها لا تقدم قانونًا فيزيائيًا بديلًا يمكن للعالِم أن يعيد إنتاجه في المختبر؛ إذ أنها تقول شيئًا من مرتبة أخرى تمامًا: إن انتظام الطبيعة لا يعني استقلال الطبيعة. وهذا تمييز حاسم. فقوانين الفيزياء والبايولوجيا تصف الثبات الذي نشاهده في الأشياء، أما القصة القرآنية فتفتح سؤالًا عما إذا كان هذا الثبات قائمًا بذاته أم قائمًا بالله.
ومن هنا نستطيع أن نرى انقلاب العصا إلى حية لا بوصفه مجرد استثناء غريب من قوانين الطبيعة، وإنما بوصفه لحظة كشف أنطولوجي: لحظة ظهر فيها أن الهوية التي حسبها الإنسان لازمة للشيء ليست لازمة له استقلالًا عن الله. ولذلك كان السؤال الإلهي في بداية المشهد أكثر عمقًا مما يبدو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾؟ فأجاب موسى بما تجيبه المعرفة البشرية: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾. وكان جوابه صحيحًا. ولكن الأحداث التالية أظهرت أن هذه الإجابة، على صحتها، ليست الحقيقة الوجودية الأخيرة للشيء. إنها عصاك يا موسى ما دامت قد أُقيمت لك عصًا، وهي حية حين يجعلها الله حية، ويمكن أن تعود عصًا حين يعيدها الله سيرتها الأولى. وبذلك يصبح المشهد كله درسًا في حدود المعرفة البشرية. فنحن نعرف الأشياء من خلال الصورة المستقرة التي تظهر لنا بها، ثم نحول طول الاستقرار إلى ضرورة، ونحول انتظام الطبيعة إلى استقلال، ونحول الاسم الذي أطلقناه على الشيء إلى حقيقة أزلية أبدية كامنة فيه.
لكن القرآن يفتح أمام العقل احتمالًا مختلفًا: ما نسميه «هوية الشيء» قد يكون في حقيقته الهيئة الوجودية التي أقامه الله عليها.
فالشيء هو هذا الشيء وليس ذاك، ولكن ليس لأنه يملك في ذاته استقلالًا يفرض على الوجود أن يبقيه كما هو، وإنما لأن الله شاء له أن يكون كذلك. ولو شاء الله غير ذلك لكان غير ذلك.
وهكذا لا يعود السؤال: كيف استطاعت العصا أن تصبح حية؟ فالعصا لم «تستطع» شيئًا. ولا الحية صنعت نفسها من العصا. فالسؤال الأعمق هو: من الذي أعطى العصا أصلًا حقها في أن تكون عصًا؟ وعند هذه النقطة تنقلب المعجزة من حادثة وقعت مرة في زمن موسى إلى مفتاح لفهم الوجود كله. فنحن نعيش وسط مليارات الأشياء التي تبدو لنا مكتفية بهوياتها؛ فهذه شجرة، وهذا حجر، وهذا إنسان، وهذا ماء، وهذه نار. لكن وراء هذه الأسماء جميعًا حقيقة أعمق: ليس أي من هذه الأشياء هو ما هو بذاته. إنما هو ما هو بالله. ولذلك كانت العصا عصًا بالله، وصارت حية بالله، وعادت سيرتها الأولى بالله.
وإذا صح هذا الاستنباط، فإن أعظم ما تكشفه عصا موسى ليس قدرة الله على تحويل شيء إلى شيء آخر فحسب، بل حقيقة أشد جذرية مفادها أن الله لا يملك القدرة على تغيير هوية الأشياء فحسب؛ بل أن الأشياء لم تكن لتملك هوية أصلًا لولا أن الله أقامها فيها. فالشيء ليس مستقلًا ثم يحتاج إلى الله لكي يتغير؛ إنه محتاج إلى الله حتى يبقى هو الشيء الذي نعرفه.
وهنا يبلغ معنى التوحيد مداه الأنطولوجي الأعمق: الله وحده قائم بذاته، وكل ما سواه قائم به؛ وكل شيء مفتقر إليه لا في وجوده وحده، بل في بقائه وتعينه وهويته أيضًا.
