الغرور المعرفي… حين يظن الإنسان أن ما عرفه يكفي لفهم نفسه وفهم العالم!

من بين أكثر الآفات البشرية قدرة على تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم آفةٌ قلّما يُنتبه إليها، لأنها لا تظهر في صورة جهل صريح، بل تتخفى، على العكس من ذلك، في صورة معرفة. إنها الغرور المعرفي؛ ذلك الميل الذي يجعل الإنسان يتعامل مع القدر المحدود من الوقائع والأحداث والتجارب والمعارف التي أُتيح له الاطلاع عليها كما لو أنها مادة كافية لبناء تصور شامل عن العالم، ثم يذهب أبعد من ذلك حين يطمئن إلى أن الصورة التي انتهى إليها ليست مجرد صورة ممكنة من بين صور عديدة، وإنما هي الصورة الصحيحة التي ينبغي أن يُقاس عليها كل ما عداها.
والمفارقة أن الإنسان لا يحتاج، لكي يقع في هذا الغرور، إلى أن يعتقد صراحة أنه يعرف كل شيء. فقد يعترف، من دون تردد، بأن معرفته محدودة، وأن العالم بالغ الاتساع، وأن ما يجهله يفوق كثيراً ما يعرفه، ولكنه ما أن ينتقل من هذا الاعتراف النظري إلى إصدار الأحكام حتى يتصرف وكأن هذا الاعتراف لم يكن موجوداً أصلاً! فهو يعرف أن معرفته جزئية، ثم يصدر أحكاماً كلية؛ ويقر بأن تجربته محدودة، ثم يجعل منها مقياساً عاماً؛ ويدرك أن أمامه من المجهول أكثر من المعلوم، ثم يبني تصوراً للعالم يتسم من اليقين بما لا يتناسب إطلاقاً مع ضآلة المادة المعرفية التي بُني عليها.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فالإنسان لا يرى العالم كما هو في ذاته، وإنما كما أتيح له أن يراه من موضع معين، وفي زمن معين، ومن خلال سلسلة محدودة للغاية من التجارب والوقائع والمعارف. وما نسميه «نظرتنا إلى العالم» هو ليس العالم نفسه، بل حصيلة ما وصل إلينا منه. إنها أشبه بنافذة صغيرة فُتحت في جدار هائل، ثم وقعنا في الوهم القائل إن المشهد الذي ظهر من خلالها هو المشهد كله! ولو كان ما يراه جميع البشر من هذه النوافذ متطابقاً، لأمكن للإنسان أن يجد في ذلك شيئاً من العذر ليطمئن إلى صحة صورته. ولكن الواقع يقدم لنا البرهان المعاكس تماماً. فالبشر الذين يعيشون على الأرض نفسها، وفي الزمن نفسه أحياناً، ينتهون إلى تصورات شديدة الاختلاف عن الإنسان والحياة والمجتمع والدين والأخلاق والسياسة والتاريخ، بل وحتى عن معنى السعادة والنجاح والعدالة والخير والشر. ولا يلزم أن يكون السبب في ذلك أن أحدهم عاقل والآخر جاهل، أو أن أحدهم صادق والآخر مخادع. فقد يكون الاثنان قد مارسا التفكير بأقصى ما يستطيعان من جدية، ولكنهما انطلقا من مواد معرفية مختلفة؛ فهذا رأى من التاريخ وجهاً لم يره الآخر، وذاك عاش تجربة لم يعشها الأول، وأحدهما قرأ كتباً لم يقرأها الثاني، والآخر نشأ في بيئة اجتماعية وثقافية جعلته يرى ما لم يكن متاحاً للأول أن يراه. وهكذا فقد ينتهي إنسانان، كلاهما حسن النية وكلاهما مقتنع بأنه يفكر بصورة عقلانية، إلى نتيجتين متناقضتين.
وهذه الحقيقة وحدها كان ينبغي أن تكون كافية لإحداث قدر كبير من التواضع المعرفي. فإذا كنت قد انتهيت إلى نتيجة معينة اعتماداً على ما عرفته، بينما انتهى إنسان آخر إلى نتيجة مختلفة اعتماداً على ما عرفه هو، فمن أين جاء اليقين بأن ما وقع في مجال رؤيتك أنت يمثل من الواقع أكثر مما وقع في مجال رؤيته؟
إن السؤال هنا لا يتعلق بصحة جميع الآراء بالتساوي، ولا يعني أن الحقيقة مستحيلة، أو أن المعرفة البشرية لا قيمة لها، أو أن علينا الوقوع في “نسبية معرفية” تجعل كل رأي مساوياً للرأي الآخر. فبعض التصورات أقدر على الصمود أمام الأدلة من غيرها، وبعضها أكثر اتساقاً وقدرة على التفسير. وإنما يتعلق السؤال بشيء أسبق من ذلك كله: هل تتناسب درجة يقين الإنسان بالصورة التي يحملها عن العالم مع مقدار العالم الذي أتيح له أن يعرفه؟ غالباً ما تكون الإجابة: لا. فنحن أمام كائن لا تتجاوز حياته بضعة عقود، يعيش فوق نقطة متناهية الصغر من كوكب هائل، داخل كون يفوق قدرته على التصور، وينتمي إلى لحظة متناهية القصر من تاريخ بشري طويل، ثم لا يصل إليه خلال هذه الحياة إلا جزء بالغ الضآلة من المعرفة التي راكمها البشر. وحتى أكثر الناس قراءة لا يقرأ إلا جزءاً مجهرياً مما كُتب، وأكثرهم سفراً لا يرى إلا جزءاً ضئيلاً من الأرض، وأكثرهم خبرة لا يعيش إلا حياة واحدة، وأكثرهم تخصصاً لا يحيط حتى بجميع بما أنتجه تخصصه. ومع ذلك كله، يستطيع هذا الكائن أن يقول بثقة مذهلة: هكذا هو الإنسان، وهكذا هي الحياة، وهكذا يسير التاريخ، وهذه طبيعة المجتمع، وهذه حقيقة الآخرين!
فما الذي يمنحه كل هذا اليقين؟
قد يبدو أن الجواب هو الجهل بحدود المعرفة. ولكن المسألة أعمق من ذلك، لأن الإنسان، في حالات كثيرة، يعرف بالفعل حدود معرفته. إنه يعلم أنه لم يقرأ إلا القليل، ولم ير إلا القليل، ولم يعش إلا تجربة واحدة، ولم يشهد إلا زمناً واحداً، ومع ذلك يظل متمسكاً بالصورة التي بناها. وهنا يتحول الغرور المعرفي من مشكلة تخص المعرفة إلى مشكلة تخص الهوية. فالإنسان لا يبني، عبر السنوات، تصوراً عن العالم فحسب؛ فهو يبني نفسه داخل هذا التصور. فآراؤه ومعتقداته وأحكامه وتفسيراته للماضي والحاضر ليست أشياء موضوعة أمامه على طاولة يستطيع استبدالها بسهولة، وإنما تصبح بالتدريج أجزاء من الصورة التي يحملها عن نفسه. ومن هنا فإن الاعتراف بخطأ تصور أساسي عن العالم قد لا يُستقبل نفسياً باعتباره مجرد تصحيح لمعلومة، بل باعتباره مساساً بشيء من الذات. ولذلك قد يدافع الإنسان عن فكرة ثبت ضعفها دفاعاً لا يتناسب مع قيمتها المعرفية، لأن ما يدافع عنه في الحقيقة لم يعد الفكرة وحدها، وإنما صورته عن نفسه بوصفه الإنسان الذي كان على صواب حين اعتنقها! وكلما طال عمر الفكرة داخل الإنسان، ازدادت كلفة التخلي عنها. فإذا أمضى المرء عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاماً وهو ينظر إلى العالم من خلال هذه الفكرة، فإن الاعتراف بأنها كانت خاطئة لا يعني تغيير رأي واحد، وإنما قد يعني إعادة تفسير جانب واسع من حياته الماضية. وماذا عن المواقف التي اتخذها بسببها؟ وماذا عن الأشخاص الذين خاصمهم؟ وماذا عن الأحكام التي أصدرها؟ وماذا عن القرارات التي اتخذها؟ وماذا عن الصورة التي رسمها لنفسه طوال تلك السنوات؟
وهكذا تنشأ مقاومة خفية للمعرفة الجديدة. فالإنسان لا يسأل دائماً: هل هذه المعلومة صحيحة؟ بل قد يعمل داخله، من دون أن يشعر، سؤال آخر: ماذا ستفعل هذه المعلومة بالصورة التي أحملها عن نفسي؟
ومن هنا نفهم لماذا لا تؤدي زيادة المعلومات بالضرورة إلى زيادة الحكمة. فقد تتحول المعرفة نفسها إلى وسيلة لتحصين الغرور المعرفي. فيبحث الإنسان عما يؤيد الصورة التي استقر عليها، ويقرأ ما ينسجم معها، ويتذكر الوقائع التي تؤكدها، ويمنحها وزناً أكبر من الوقائع التي تناقضها، وعندئذ لا يعود يستخدم المعرفة لكي يصحح نظرته إلى العالم، وإنما يستخدمها لكي يحمي هذه النظرة من التصحيح.
وتتجلى خطورة هذه الآفة بصورة أوضح حين ندرك أن العالم لا يتوقف عن تقديم وقائع جديدة. فكل حدث جديد، وكل تجربة جديدة، وكل اكتشاف، وكل معرفة لم تكن متاحة من قبل بوسعها أن تكشف أن الصورة السابقة كانت ناقصة أو مشوهة أو مبنية على عينة صغيرة من الواقع، لكن الإنسان بدلاً من أن يسمح للواقع بإعادة تشكيل تصوراته، قد يحاول إعادة تشكيل دلالة الواقع لكي تلائم تصوراته السابقة. وهنا تنقلب العلاقة الطبيعية بين المعرفة والحقيقة؛ فبدلاً من أن تكون الفكرة خاضعة للواقع، يصبح الواقع مطالباً بالخضوع للفكرة!
ولعل هذا يفسر جانباً كبيراً من الصراعات الفكرية التي عرفها البشر. فالمتنازعون لا يحمل كل واحد منهم «العالم» في ذهنه لكي يقارنه بعالم الآخر؛ وإنما يحمل كل منهم نسخة محدودة من العالم صاغتها تجربته ومعرفته وبيئته وتاريخه الشخصي، ثم يخطئ حين ينسى أنها نسخة محدودة، ويعاملها باعتبارها الواقع نفسه.
ومن هنا ربما كان التواضع المعرفي واحداً من أصعب الفضائل البشرية؛ لأنه لا يقتضي من الإنسان أن يقول فقط «قد أكون مخطئاً»، وإنما أن يستوعب بالفعل النتائج المترتبة على هذه العبارة. أن يكون مستعداً لأن يعيد النظر في تصور عاش معه سنوات، وأن يسمح لواقعة واحدة قوية بأن تهدم بناءً فكرياً أحبه طويلاً، وأن يميز بين نفسه وبين أفكاره بحيث لا يشعر بأن سقوط فكرة يعني سقوطه هو. والتواضع المعرفي لا يعني الشك الدائم ولا العجز عن اتخاذ موقف. فالإنسان يستطيع أن يعتقد وأن يرجح وأن يختار وأن يبني مواقفه وفق أفضل ما توفر له من الأدلة. لكنه يفعل ذلك وهو يحتفظ في أعماقه بمسافة ضرورية بين عبارتين مختلفتين تماماً: “هذه هي الصورة التي أراها للعالم” و “هكذا هو العالم”. فبين العبارتين تقع مساحة هائلة اسمها: ما لم أعرفه بعد.
ولعل الحكمة تبدأ حين يصبح الإنسان قادراً على رؤية هذه المساحة، لا باعتبارها فراغاً عارضاً سيملؤه يوماً، وإنما باعتبارها جزءاً أصيلاً من وضعه الإنساني. فالإنسان مهما اتسعت معرفته سيظل يرى العالم من نافذة. وقد تتسع النافذة بالعلم والقراءة والسفر والتجربة والحوار، لكنها لن تصبح العالم كله. ومن ثم فإن أخطر صور الجهل أن يجهل المرء مقدار ما يجهله؛ وأخطر منها أن يعرف مقدار جهله، ثم يتصرف كما لو أنه قد أحاط بالعالم علماً. وعند هذه النقطة تحديداً يولد الغرور المعرفي، وذلك حين تتحول المعرفة المحدودة من أداة تساعد الإنسان على الاقتراب من الحقيقة إلى مرآة ينظر فيها إلى نفسه، ثم يرفض كسرها، ليس لأنه متأكد من أنها تعكس العالم كما هو، وإنما لأنه أحب الصورة التي تعكسها له عن نفسه.
ولذلك فإن التحرر من الغرور المعرفي ليس معركة الإنسان ضد جهله فحسب، بل هي معركة أشد صعوبة: معركته ضد حاجته الدائمة إلى حماية الصورة التي صنعها عن نفسه من أن تمسها المعرفة الجديدة.

أضف تعليق