هل يملك الإنسان من المعرفة ما يكفي للجزم بانتفاء الحاجة إلى الله؟

إذا كنا قد انتهينا في المقالة السابقة والتي كانت بعنوان ” الغرور المعرفي… حين يظن الإنسان أن ما عرفه يكفي لفهم نفسه وفهم العالم!” إلى أن واحدة من أخطر صور الغرور المعرفي تتمثل في أن الإنسان يبني من قدر محدود من المعرفة صورة كلية عن العالم، ثم ينسى محدودية المادة التي بُنيت منها هذه الصورة، فإن ثمة سؤالاً لا مفر من طرحه عند الانتقال بهذه الفكرة إلى واحد من أكبر الأسئلة التي شغلت الإنسان منذ القدم: هل يملك الإنسان بالفعل من المعرفة ما يكفي لكي يقطع جازماً بانتفاء الحاجة إلى الله، كما عرَّف الله نفسه في القرآن؟
ينبغي منذ البداية أن نحدد طبيعة السؤال بدقة. فنحن لا نسأل هنا: هل تثبت محدودية المعرفة الإنسانية وجود الله؟ فالقول بذلك سيكون انتقالاً غير مشروع من مقدمة إلى نتيجة لا تستلزمها. فجهل الإنسان بشيء لا يثبت وجوده، كما أن عدم معرفتنا بحقيقة ما لا يسمح لنا باختراع إجابة عنها. فالسؤال مختلف تماماً؛ إذ أنه يتعلق بـ “المشروعية المعرفية” للنفي الجازم نفسه. فإذا قال إنسان «لا أملك دليلاً يكفيني للإيمان بالله»، فنحن أمام موقف معرفي يستطيع صاحبه الدفاع عنه بالرجوع إلى الأدلة التي عرفها وكيفية تقييمه لها. وإذا قال: «لا أرى أن تفسير هذه الظاهرة أو تلك يحتاج إلى افتراض تدخل إلهي»، فهذه أيضاً قضية محددة يمكن مناقشتها داخل مجالها. ولكن ماذا يحدث عندما تتسع الدعوى لتصبح: لا حاجة إلى الله أصلاً، ولا يوجد في حقيقة العالم والوجود والإنسان ما يقتضي وجوده؟
هنا تغيرت طبيعة القضية جذرياً. لأننا لم نعد أمام وصف لما يعرفه الإنسان، وإنما أمام حكم على كل ما هو موجود؛ ولم نعد أمام تقرير لحدود تجربة فردية أو معرفة تاريخية مؤقتة، وإنما أمام قضية كلية تتجاوز هذه الحدود لتصدر حكماً على الواقع في مجموعه.
وهنا ينبغي أن يعود سؤال الغرور المعرفي بقوة: ما مقدار المعرفة التي ينبغي لكائن محدود أن يمتلكها حتى يصبح النفي الكلي مشروعاً؟ فالإنسان، مهما بلغ علمه، لا يعرف إلا جزءاً بالغ الضآلة من الواقع. وما يزال الكون نفسه ممتلئاً بالأسئلة المفتوحة، وما تزال حقيقة الوعي، وأصل كثير من البنى الأساسية للوجود، وحدود القوانين الفيزيائية، وطبيعة الواقع في مستوياته الأعمق، مسائل لم تستنفد المعرفة البشرية القول فيها؛ بل أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف حتى ما الذي ستعرفه البشرية بعد ألف عام، فضلاً عما يمكن أن يظل خارج قدرتها المعرفية إلى الأبد، فكيف ينتقل كائن بهذا «القَدَر المعرفي» من عبارة متواضعة معرفياً مثل “لم أجد في حدود ما أعرف ما يوجب عليَّ القول بوجود الله” إلى عبارة مختلفة جذرياً مثل “لا يوجد في حقيقة الوجود ما يقتضي وجود الله”؟ فالمسافة بين العبارتين ليست لغوية، إنها مسافة معرفية هائلة. فالأولى تتحدث عن حدود معرفة المتكلم، أما الثانية فتتحدث عن حدود الواقع نفسه. والخلط بينهما واحد من أوضح تجليات الغرور المعرفي.
فثمة فارق كثيراً ما يُغفل بين عدم العثور على شيء وإثبات عدم وجوده. فإذا بحث الإنسان في نطاق محدد، مستخدماً أدوات محددة، عن ظاهرة تقع بطبيعتها داخل قدرة تلك الأدوات على الرصد، ثم لم يجدها، فقد يكون لعدم العثور عليها وزن استدلالي معتبر. وكلما كان نطاق البحث شاملاً بالنسبة إلى الدعوى، وكانت الأدوات قادرة بالفعل على كشف الشيء المفترض وجوده، ازدادت قوة النفي. ولكن الأمر يختلف حين يكون موضوع السؤال متجاوزاً، بحكم تعريفه، للنطاق الذي تستطيع أدوات الإنسان الإحاطة به. وهنا تظهر الدلالة المعرفية البالغة للسؤال عن الله كما يعرّف نفسه في القرآن. فالقرآن لا يقدم الله بوصفه جسماً يقع في ناحية من الكون حتى تجوب البشرية أرجاءه ثم تقول لم نجده، ولا بوصفه ظاهرة فيزيائية ينبغي أن تظهر داخل جهاز قياس إذا كان موجوداً، ولا بوصفه حلقة مجهولة داخل سلسلة الأسباب الطبيعية بحيث كلما اكتشف العلم سبباً طبيعياً لظاهرة ما تقلصت «المساحة» المتاحة له. فالتصور القرآني مختلف من أساسه؛ فالله، وفق هذا التصور، خالق السماوات والأرض، وهو الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والذي ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، والذي يقول عن علم البشر: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (من 6 -7 الروم). وبذلك يصبح السؤال مختلفاً تماماً. فإذا كان الشيء المراد نفيه ليس، بحسب تعريفه، جزءاً من العالم الطبيعي الذي يمكن الإحاطة به من داخل العالم الطبيعي، فما هي الأداة المعرفية التي يمتلكها الإنسان والتي تخوله بأن يقول إنه قد أحاط بالواقع إحاطة تكفي لنفيه؟
وقد تظهر المشكلة في صيغة أكثر دقة من القول الصريح بعدم وجود الله، وهي القول إن العلم جعل الإنسان غير محتاج إلى الله. وهذه العبارة تحتاج بدورها إلى تفكيك. فإذا كان المقصود أن العلم استطاع تفسير ظواهر كان البشر في عصور سابقة ينسبونها مباشرة إلى تدخلات غيبية، فهذا صحيح في نطاق واسع. فقد أصبح الإنسان يعرف أسباباً طبيعية لظواهر كثيرة لم يكن يعرف أسبابها من قبل، لكن هل يعني اكتشاف السبب الطبيعي لظاهرة ما انتفاء الحاجة إلى السؤال عما يجعل النظام الطبيعي نفسه موجوداً؟
حين نعرف، مثلاً، الآليات الفيزيائية التي ينتج عنها المطر، نكون قد أجبنا عن سؤال يتعلق بكيفية حدوث المطر داخل النظام الطبيعي. ولكن هذا لا يعني أننا أجبنا بذلك عن كل سؤال يمكن طرحه عن وجود النظام الطبيعي نفسه. وهنا يقع خلط بين مستويين من التفسير. فاكتشاف الإنسان لكيفية عمل شيء ما لا يساوي بالضرورة اكتشافه لماذا يوجد ذلك الشيء أصلاً، ولا يعني أن تفسير العلاقات بين مكونات الواقع يساوي تفسير وجود الواقع الذي يحتوي تلك المكونات.
وإذا كان الله في التصور القرآني ليس فرضية وضعت لسد الثغرات المؤقتة في المعرفة الطبيعية، فإن تقلص هذه الثغرات لا يشكل، في ذاته، برهاناً على انتفاء وجوده.
فإله الفجوات المعرفية يمكن بالفعل أن يتراجع كلما تقدمت المعرفة. أما خالق النظام الذي تقع داخله المعرفة والجهل معاً، فإن السؤال عنه من طبيعة أخرى.
وهنا نعود إلى المفارقة التي كشفتها آفة الغرور المعرفي. فالإنسان يعرف أنه محدود المعرفة. ويعرف أن البشرية نفسها لا تزال تجهل قدراً هائلاً من حقائق الكون. ويعرف أن كثيراً مما اعتبرته أجيال سابقة حقائق نهائية تغير لاحقاً. ويعرف أن أدواته الإدراكية والعلمية لا تتيح له الوصول إلى كل ما يمكن أن يكون موجوداً. ثم قد ينتقل، مع ذلك كله، إلى إصدار حكم يتجاوز كل هذه الحدود بألا حاجة إلى الله.
ولكن كيف أمكن إثبات هذه الـ «لا»؟ فلكي تكون القضية كلية، ينبغي أن يكون أساسها المعرفي متناسباً مع كليتها. فإذا كان المراد القول إنه لا يوجد في أي مستوى من مستويات حقيقة الوجود، المعلوم منها للإنسان والمجهول، ما يجعل وجود الله حقيقة أو ضرورة، فإن المتكلم لا يعود مطالباً بأن يخبرنا بما عرفه فحسب، وإنما عليه أن يبين كيف استطاع استبعاد ما لا يعرفه أيضاً.
وهنا تظهر المعضلة. فهو لا يستطيع، بحكم التعريف، أن يفحص المجهول بوصفه مجهولاً، ولا أن يعلم مقدماً ما يمكن أن تكشفه المعرفة المستقبلية، ولا أن يحيط بكل مستويات الواقع الممكنة، ولا أن يبرهن على أن أدوات المعرفة البشرية تستنفد كل الطرق الممكنة للوصول إلى الحقيقة. ولهذا فإن النفي الجازم قد يتطلب من الإنسان مقداراً من الإحاطة المعرفية لا يملكها أصلاً.
وهنا ينبغي التشديد مرة أخرى على نقطة حاسمة حتى لا تنقلب الحجة على نفسها. فلا يجوز أن نقول: “لأن الإنسان لا يعرف كل شيء، إذاً الله موجود”. فهذا استدلال غير صحيح. ولكن يجوز أن نسأل: “إذا كان الإنسان لا يعرف كل شيء، فعلى أي أساس يستطيع أن يجعل معرفته الجزئية كافية لنفي ما يتجاوز نطاقها؟”. والفرق بين القضيتين جوهري للغاية. فالأولى تحاول إثبات وجود الله من الجهل، بينما الثانية تحاول ضبط حدود ما يسمح الجهل، والمحدودية المعرفية، للإنسان بأن يجزم بنفيه. ولذلك فإن هذه المقاربة لا تطالب غير المؤمن بأن يصبح مؤمناً لمجرد كونه محدود المعرفة. وإنما تطالبه، كما تطالب المؤمن نفسه، بأن يجعل درجة يقينه متناسبة مع مقدار ما يستطيع البرهنة عليه. فكما لا يجوز للمؤمن أن يجعل جهله بآلية ظاهرة ما دليلاً تلقائياً على تدخل إلهي معين فيها، لا يجوز لغير المؤمن أن يجعل نجاح التفسير الطبيعي لبعض الظواهر دليلاً تلقائياً على أن الواقع كله مستغنٍ عن الله. فكلا الانتقالين يتجاوز ما تسمح به المقدمات.
ولكن لماذا، مع وضوح هذه الحدود، يستطيع الإنسان أن يتمسك بالنفي أو الإثبات بقدر بالغ من القطع؟ هنا تعود المسألة التي انتهينا إليها عند الحديث عن الغرور المعرفي. فالإنسان لا يحمل نظرته إلى العالم خارج ذاته، وإنما يبني ذاته داخلها. وقد يصبح الإيمان جزءاً من هوية الإنسان، كما قد يصبح إنكار الإيمان جزءاً من هويته أيضاً. وعندئذ لا يعود النقاش دائماً بحثاً محايداً عن الحقيقة، لأن تغيير الموقف من الله قد يستلزم إعادة بناء الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه والعالم والحياة والمعنى والأخلاق والموت. ولهذا ينبغي أن يخضع الموقفان معاً للسؤال نفسه: هل أنا متمسك بهذا التصور لأن الأدلة تفرضه بالفعل، أم لأن التخلي عنه سيجبرني على إعادة النظر في صورة أصبحت جزءاً من هويتي؟ إنه سؤال قاسٍ على المؤمن وغير المؤمن على السواء.
ولعل واحدة من أهم قواعد التواضع المعرفي أن يتعلم الإنسان التمييز بين ثلاث عبارات:
لا أعرف إن كان هذا موجوداً، لم أجد دليلاً يكفيني للقول إنه موجود، أعرف أنه غير موجود، أو أن وجوده غير ممكن.
فهذه ليست ثلاث صيغ لغوية لشيء واحد، بل ثلاث دعاوى معرفية متفاوتة جذرياً في القوة. والانتقال من الثانية إلى الثالثة يحتاج إلى دليل إضافي بالغ القوة؛ لأن عدم كفاية الأدلة للإثبات لا يتحول تلقائياً إلى دليل على الاستحالة. وهنا بالذات يمكن أن يعمل الغرور المعرفي في أخفى صوره، وذلك حين يحول الإنسان حدود معرفته إلى حدود للوجود نفسه؛ فما لم يستطع معرفته يصبح غير موجود، وما لم يجد له مكاناً داخل نموذجه المعرفي يصبح مستحيلاً، وما لم تستطع أدواته قياسه يصبح خارج دائرة الحقيقة! عندئذ لا يكون الإنسان قد اكتفى باستخدام عقله لفهم العالم، وإنما يكون قد جعل حدود عقله حدوداً للعالم!
إن السؤال عن الله أكبر من أن يُحسم بالغرور المعرفي، سواء صدر هذا الغرور عن مؤمن أو عن غير مؤمن. وإذا كان الله، كما يعرّف نفسه في القرآن، ليس شيئاً من أشياء العالم، وإنما خالق العالم، وإذا كان ليس ظاهرة، وإنما الذي أوجد النظام الذي تظهر فيه الظواهر، وإذا كان ليس موضوعاً مادياً تنتظره أدوات الرصد في ناحية من الكون، فإن نفي وجوده لا يمكن أن يقوم لمجرد القول إن الإنسان استطاع تفسير عدد متزايد من الظواهر الطبيعية من دون الحاجة إلى القول بوجوده! فالتفسير العلمي للطبيعة يجيب، في مجاله، عن أسئلة حقيقية وعظيمة، لكنه لا يمنح الإنسان تلقائياً سلطة معرفية على كل سؤال يمكن طرحه عن حقيقة الوجود.
ومن هنا قد يكون الموقف الأكثر اتساقاً مع محدودية الإنسان هو ليس أن يتخلى الإنسان عن البحث عن الحقيقة، ولا أن يجعل الشك غاية في ذاته، وإنما أن يرفض منح معرفته من السلطة أكثر مما تستحق، وأن يقول ما يعرف حين يعرف. وأن يقول ما يرجِّح حين يرجِّح. وأن يقول «لا أعلم» حين لا يعلم. وأن يمتنع، قبل كل شيء، عن تحويل “لم أجد” إلى “لا يوجد”، و “لا أعرف” إلى “لا يمكن”، وحدود المعرفة البشرية إلى حدود للوجود نفسه. فالغرور المعرفي يبلغ ذروته ربما ليس حين يعتقد الإنسان أنه عرف كل شيء، وإنما حين يعترف بأن ما يعرفه قليل، ثم يمنح هذا القليل سلطة إصدار الحكم النهائي على الكل.

أضف تعليق