اختلال مجال الهيمنة… من الإقليم الحيواني إلى النفوذ الكوكبي

من بين الاختلالات الكبرى التي يمكن ردّها، في إطار المقاربة الميتابايولوجية، إلى الانعطافة التطورية الأولى، اختلالٌ لا يتعلق بعضو بعينه من أعضاء الإنسان، ولا بوظيفة فيسيولوجية منفردة، وإنما بالعلاقة التي أصبحت تربط الكائن الإنساني بالمجال الذي يعيش فيه. فقد كان عالم الحيوان، طوال التاريخ التطوري السابق على ظهور الإنسان بصورته الراهنة، عالماً تحكمه حدود واضحة نسبياً للنفوذ والهيمنة؛ فلكل نوع مجاله الذي تتحرك فيه أفراده، ولكل فرد مساحة تتناسب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع حاجاته البايولوجية وقدراته على الدفاع عنها والانتفاع بها. أما الإنسان فقد حدث معه شيء مختلف تماماً؛ حيث انفصل مدى نفوذه تدريجياً عن مدى حاجته البايولوجية، حتى انتهى الأمر بأن أصبحت الأرض كلها، براً وبحراً وجواً، مجالاً ممكناً لهيمنته.
وهنا تحديداً تظهر طبيعة الاختلال؛ فالحيوان قد يدافع عن إقليم، وقد ينافس غيره على الماء أو الغذاء أو الشريك، وقد يقتل منافساً أو يطرد دخيلاً، غير أن مجال أفعاله يظل محكوماً بقيود صارمة تفرضها الطبيعة عليه. فالأسد لا يحتاج إلى السيطرة على قارة كاملة لكي يعيش، والذئب لا يحتاج إلى إخضاع جميع قطعان الذئاب الموجودة على الأرض، والطائر لا يحتاج إلى احتكار سماء الكوكب لكي يضمن بقاءه. وليس مرد ذلك كلِّه إلى أن الحيوان هو «أكثر حكمة» من الإنسان بالمعنى الأخلاقي، وإنما إلى أن المنظومة البايولوجية نفسها لم تمنحه سبباً ولا قدرة ولا وسيلة تجعل توسيع نفوذه إلى ما وراء حاجته الوجودية مشروعاً ممكناً. فالطبيعة لا تمنح الكائن الحي، في الأصل، نفوذاً مطلقاً؛ وإنما تمنحه من القدرة بقدر ما يحتاج إليه ضمن شروط بقائه وتناسله ومنافسته. ولهذا كان مجال الهيمنة في عالم الحيوان مجالاً محدوداً بطبيعته. وقد تتغير هذه الحدود بتغير الظروف، وقد تتسع أو تضيق، لكنها لا تنفصل انفصالاً جذرياً عن البنية الجسدية للكائن، وعن حاجته إلى الغذاء والمأوى والتناسل، وعن مقدار الطاقة التي يستطيع إنفاقها في الدفاع عن مجال نفوذه. فهنال على الدوام كلفة تفرضها الطبيعة، وثمة مسافة لا يستطيع الحيوان تجاوزها، وثمة نقطة يصبح عندها المزيد من التوسع بلا منفعة تبرر الطاقة اللازمة لتحقيقه.
أما الإنسان فلقد خرق هذه المعادلة. فمنذ أن أصبح قادراً على أن يمد أثر فعله إلى ما وراء الحدود التي يستطيع جسده بلوغها مباشرة، بدأت المسافة بين مجال الوجود البايولوجي ومجال النفوذ الإنساني تتسع. فالإنسان الفرد لا يشغل بجسده إلا بضعة أقدام من الأرض، ولا يحتاج لكي يبقى حياً إلا إلى مقدار محدود من الماء والغذاء والمأوى، ولكنه يستطيع أن يمتلك آلاف الهكتارات، وأن يتحكم بموارد تقع على الجانب الآخر من الكوكب، وأن يؤثر في أنهار لم يرها، وغابات لم تطأها قدماه، وبحار لم يبحر فيها، ومجتمعات لم يلتق بأفرادها قط.
ومع تطور الحضارة والتقنية، لم يعد اتساع هذا المجال استثناءً يخص الملوك والأباطرة وحدهم، وإنما أصبح إمكاناً كامناً بدرجات متفاوتة في الفعل الإنساني ذاته. وهذا ما يجعل المسألة أعمق من مجرد الحديث عن توسع الحضارة. فالمشكلة ليست أن الإنسان استطاع الوصول إلى أماكن بعيدة؛ فهذه في ذاتها قدرة يمكن أن تكون نافعة. وإنما المشكلة تكمن في أن قدرته على إحداث الأثر قد انفصلت عن الحدود الطبيعية لحضوره وحاجته ومسؤوليته المباشرة. فلقد أصبح في مقدور فعل يصدر في بقعة صغيرة من الأرض أن يمتد أثره إلى منظومات طبيعية وبشرية تقع على بعد آلاف الكيلومترات، بل وأن يستمر أثره بعد موت من اتخذ القرار الذي أطلقه.
وهكذا انتقل الإنسان من كائن يعيش داخل مجال طبيعي إلى كائن يتعامل، بصورة متزايدة، مع الطبيعة كلها كما لو كانت مجالاً متاحاً لفعله. فلم تعد الغابة البعيدة بعيدة حقاً، ما دام ممكناً استثمارها أو قطع أشجارها. ولم يعد قاع البحر خارج مجال النفوذ ما دام ممكناً استخراج موارده. ولم تعد السماء خارج حدود السيطرة ما دام ممكناً ملؤها بالطائرات والأقمار الصناعية وآثار النشاط الصناعي. ولم تعد حتى المناطق القطبية، التي لم تكن جزءاً من المجال الطبيعي لمعظم البشر، بمنأى عن آثار النشاط الإنساني. فلقد تمدد «إقليم» الإنسان حتى صار الكوكب نفسه إقليمه!
وهنا تظهر واحدة من المفارقات الكبرى في التاريخ الطبيعي. فالحيوان القادر على إحداث الضرر مقيد جغرافياً، والحيوان القادر على السيطرة مقيد جسدياً، والحيوان الذي ينافس غيره مقيد بحاجته. أما الإنسان فقد استطاع، بواسطة العقل واللغة والتنظيم والتقنية والمؤسسات، أن يفصل القوة عن الجسد، والتأثير عن الحضور، والهيمنة عن الحاجة. وهذه النقلة ليست كمية فحسب، وإنما هي نقلة نوعية. فحين يستطيع حيوان مفترس قتل عدد محدود من الفرائس، فإن أثره يبقى جزءاً من شبكة بيئية تطورت معه وعبر ملايين السنين. أما حين يستطيع الإنسان القضاء على أعداد هائلة من الكائنات، أو تغيير مجرى نهر، أو إزالة غابة، أو تلويث بحر، أو التأثير في تركيب الغلاف الجوي، فإننا نكون أمام مستوى من القدرة لم تعد الضوابط البايولوجية القديمة مصممة للتعامل معه. وهنا يكمن جوهر الاختلال: فلقد اتسع مجال القدرة أسرع بكثير مما اتسع به مجال الضبط. فالإنسان اكتسب أدوات تمكنه من التأثير في الكوكب، بينما بقي يحمل في داخله كثيراً من الدوافع التي نشأت أصلاً في عالم محدود النطاق: الرغبة في الاستحواذ، والدفاع عن المكانة، ومنافسة الآخر، والخوف منه، والسعي إلى الموارد، والرغبة في توسيع مجال السيطرة. فالدافع القديم بقي، لكن الأداة تغيرت. والمجال الذي كان يمتد عشرات الأمتار أو بضعة كيلومترات أصبح يمتد آلاف الكيلومترات. وهنا يتحول ما كان قابلاً للضبط في عالم الحيوان إلى خطر بالغ في عالم الإنسان.
ولعل أخطر ما طرأ على هذه العلاقة هو أن الهيمنة الإنسانية لم تعد مرتبطة بالحاجة. ففي النظام الطبيعي توجد، في الأغلب، علاقة ما بين ما يسعى الحيوان للحصول عليه وبين منفعة بايولوجية يمكن فهمها: طعام، ماء، مأوى، تزاوج، حماية للصغار أو دفاع عن إقليم. أما الإنسان فيستطيع أن يستمر في التوسع بعد أن تكون حاجاته قد أشبعت منذ زمن بعيد. فيمكنه أن يراكم من الموارد ما لا يستطيع استهلاكه طوال حياته. ويمكنه أن يسعى إلى نفوذ لا يحتاج إليه للبقاء. ويمكنه أن ينافس على مساحة أو ثروة أو سلطة لا تضيف شيئاً ضرورياً إلى وجوده البايولوجي. ويمكن لدولة أن تسعى إلى السيطرة على أراضٍ لا يحتاج سكانها إليها للبقاء، ولشركة أن تستنزف مورداً طبيعياً لا لأن استمرارها يتوقف عليه بالضرورة، وإنما لأن المزيد من الربح ممكن، ولإنسان أن يسعى إلى مزيد من النفوذ لمجرد أن المزيد من النفوذ أصبح في حد ذاته غاية!
وهكذا تحولت الهيمنة من وسيلة بايولوجية إلى غاية ميتابايولوجية. وهذه نقطة فارقة؛ لأن الطبيعة تستطيع، إلى حد بعيد، تنظيم السلوك حين تكون الغاية محددة بالحاجة. فالحيوان الذي شبع يتوقف عن الأكل، والذي أمَّن إقليمه لا يحتاج إلى احتلال العالم! أما حين تتحول السيطرة ذاتها إلى موضوع للرغبة، فلا توجد نقطة طبيعية واضحة تقول للكائن: هنا يكفي!
وهذا هو ما يفسر ذلك السؤال الذي يصعب طرحه على عالم الحيوان، بينما يفرض نفسه بإلحاح على التاريخ الإنساني: كم يكفي الإنسان من النفوذ؟ والإجابة المقلقة التي يقدمها التاريخ هي: ليس هنالك مقدار محدد بالضرورة!
ومن هنا يكتسب قول الله تعالى المتعلق بإظهار الفساد في الأرض: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} (من 56 الأعراف)، دلالة تستحق التأمل في هذا السياق؛ لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي أصبحت «الأرض» بالفعل مجالاً ممكناً لإفساده. فالفساد الحيواني، إن جاز استخدام العبارة، يظل محلياً ومحدوداً، لا بسبب فضيلة أخلاقية يمتلكها الحيوان، وإنما بسبب محدودية قدرته. أما فساد الإنسان فقد أصبح قابلاً لأن يكون عابراً للأقاليم والقارات والأجيال!
فقرار اقتصادي في مكان قد يؤدي إلى تدمير منظومة بيئية في مكان آخر، وحرب تبدأ عند حدود دولتين قد تمتد آثارها الاقتصادية والبيئية والإنسانية إلى أنحاء العالم، ومادة تصنع في مصنع واحد قد تنتشر في البحار والأنهار والتربة عبر القارات، وانبعاثات تنتجها أجيال معينة قد تتحمل نتائجها أجيال لم تولد بعد. وهكذا أصبح الإنسان أول كائن نعرفه يمكن أن تكون الأرض نفسها وحدة قياس أثره! وهذا تحول بالغ الخطورة؛ لأن القدرة على الإفساد لم تعد متناسبة مع الحجم البايولوجي لمن يمارسها. فقد يكون القرار قرار فرد واحد، بينما يكون مجال أثره دولة؛ وقد يكون القرار قرار مجموعة صغيرة، بينما يكون أثره قارة؛ وقد يكون الفعل حصيلة نشاط ملايين البشر كل منهم محدود الأثر بمفرده، لكن أثرهم التراكمي يصبح كوكبياً.
غير أن أخطر أبعاد هذا الاختلال لا يتمثل في أن بعض البشر امتلكوا عبر التاريخ سلطة هائلة، وإنما في أن قابلية توسيع النفوذ أصبحت جزءاً من الإمكان الإنساني ذاته. فليس كل إنسان طاغية بالفعل، وليس كل إنسان قادراً في ظروفه الواقعية على إحداث فساد واسع، لكن الإنسان، من حيث المبدأ، يحمل قابلية لأن يتسع مجال إرادته متى أتيحت له الأدوات والسلطة والظروف.
وهنا يصبح التمييز بين “الإنسان بالفعل” و”الإنسان بالقوة” ضرورياً. فالمشكلة ليست في الادعاء بأن كل فرد يريد السيطرة على الأرض، فهذا غير صحيح، وإنما في أن المنظومة الإنسانية لم تعد تحتوي على حد بايولوجي مضمون يمنع الفرد، إذا تراكمت لديه القوة، من أن يواصل توسيع نفوذه.
ومن هنا أمكن لشخص واحد في بعض لحظات التاريخ أن يقرر مصائر الملايين. وأمكن لمجموعة صغيرة أن تمتلك أدوات تستطيع بها إلحاق أضرار بمساحات شاسعة من الأرض. وأصبح في مقدور عدد محدود من البشر التحكم بموارد يعتمد عليها عدد هائل من الآخرين. بل إن التقنية الحديثة تزيد هذه المفارقة حدة: فكلما ازدادت قوة الأدوات التي يضعها الإنسان بين يديه، ازدادت المسافة بين ضآلة الفرد جسدياً وضخامة أثره واقعياً.
ويمكن، من هذه الزاوية، إعادة النظر في مفهوم الطغيان نفسه. فالطغيان ليس مجرد شدة في استعمال القوة، وإنما يمكن فهمه باعتباره تجاوزاً للحد الذي ينبغي أن ينتهي عنده مجال إرادة الفرد. فالإنسان يطغى حين لا يعود يعترف بأن لإرادته حدوداً. وحين يعتقد أن ما يستطيع الوصول إليه يحق له التحكم فيه. وحين تتحول القدرة إلى مبرر للفعل. وحين يصبح اتساع مجال النفوذ دليلاً، في نظر صاحبه، على مشروعية المزيد من الاتساع. وهذا بالضبط ما لا تسمح الطبيعة للحيوان بأن يفعله إلا في نطاق ضيق؛ لأنها وضعت بين رغبته وبين تحققها سلسلة من القيود الجسدية والطاقية والبيئية. أما الإنسان فقد أخذ يرفع هذه القيود واحدة تلو الأخرى. فلقد تجاوز حدود سرعته فصنع العربة. وتجاوز حدود قوته فصنع الآلة. وتجاوز حدود بصره فصنع أدوات الرصد. وتجاوز حدود صوته فابتكر وسائل الاتصال. وتجاوز حدود ذاكرته فابتكر الكتابة ثم الحوسبة. وتجاوز حدود حضوره المكاني فصار قادراً على إصدار أمر في مكان ليُنفذ في مكان آخر. وكل انتصار من هذه الانتصارات الحضارية وسّع مجال القدرة الإنسانية، لكنه طرح في الوقت نفسه سؤالاً لم تكن الطبيعة مضطرة إلى طرحه من قبل: من الذي سيضع الحدود لكائن أصبح قادراً على تجاوز الحدود التي وضعتها الطبيعة له؟
وهنا تظهر مفارقة الحضارة مرة أخرى. فالحضارة، التي نعدها أعظم تجليات الذكاء الإنساني، لم تعالج بالضرورة اختلال مجال النفوذ، وإنما ضخمته في جوانب كثيرة. فلقد منحت الفرد والجماعة والدولة أدوات لم يكن ممكناً تخيلها في الأزمنة السابقة، وجعلت أثر الفعل أسرع وأبعد وأطول بقاءً. ولهذا فإن التقنية ليست هي أصل المشكلة، كما أنها ليست شرّاً بذاتها، بل هي مضاعِف للقدرة البشرية فحسب. فإذا وُضعت في يد كائن مضبوط الحدود، ضاعفت قدرته على البناء. أما إذا وُضعت في يد كائن فقد الحدود الطبيعية لمجال هيمنته، فإنها تضاعف أيضاً قدرته على الإفساد والطغيان. ومن هنا لا تكون المشكلة الكبرى التي تواجه الإنسان المعاصر هي مقدار القوة التي يستطيع اكتسابها، وإنما مقدار القدرة التي يمتلكها على تقييد استعمال هذه القوة.
لقد كان اقتصاد الطبيعة يفرض على الحيوان علاقة شبه مباشرة بين الحاجة والقدرة والمجال. أما الإنسان فقد فكك هذه العلاقة. فأصبحت قدرته أكبر من حاجته. وأصبح مجال تأثيره أكبر من مجال وجوده. وأصبح ما يستطيع امتلاكه أكبر من مقدار ما يستطيع الانتفاع به. وأصبح ما يستطيع تدميره أكبر بما لا يقاس من مقدار ما يحتاج إلى تدميره دفاعاً عن بقائه.
وهذا هو الاختلال الحقيقي.
فالخطر ليس أن الإنسان قوي، وإنما أن قوته لم تعد تمتلك حداً طبيعياً داخلياً يتناسب معها. ولذلك اضطر الإنسان إلى ابتكار الحدود من خارج منظومته البايولوجية كـ (القانون، والأخلاق، والأعراف، والمؤسسات، والمواثيق الدولية، وحقوق الآخرين، والقيود المفروضة على السلطة، وقواعد الحرب، وتشريعات حماية البيئة). ويمكن النظر إلى هذه المنظومات كلها، من زاوية ميتابايولوجية، باعتبارها محاولات حضارية لتعويض حدود طبيعية فُقدت. فالطبيعة كانت تقول للحيوان: “لا تستطيع”، أما الإنسان، بعد أن أصبح “يستطيع”، فقد اضطر إلى ابتكار منظومات تقول له: “تستطيع، ولكن لا ينبغي لك أن تفعل”.
والفرق بين العبارتين هوأحد أكبر الفروق بين العالم البايولوجي والعالم الإنساني.
وهكذا نصل إلى جوهر المعضلة. فلقد أنتجت الانعطافة التطورية الأولى كائناً لم يعد مجال نفوذه متناسباً مع مجال وجوده البايولوجي. ثم جاءت الحضارة، جيلاً بعد جيل، فوسعت هذا الاختلال حتى أصبحت الأرض كلها مسرحاً ممكناً للفعل الإنساني. وللمرة الأولى في التاريخ الطبيعي الذي نعرفه، ظهر كائن يستطيع أن يغير بيئات لم يسكنها، وأن يقتل كائنات لم يرها، وأن يستنزف موارد لن يستخدمها بنفسه، وأن يترك آثاراً ستعيش بعد موته، وأن يتخذ قرارات قد تمس حياة بشر لم يولدوا بعد. لقد أصبح الإنسان كائناً كوكبي النفوذ، بينما لم يصبح بالضرورة كائناً كوكبي المسؤولية. وهذه المفارقة هي موضع الخطر كله.
فإذا كانت الطبيعة قد نجحت طوال مئات الملايين من السنين في ضبط مجالات النفوذ بواسطة حدود القدرة والحاجة والطاقة والمكان، فإن الإنسان قد تجاوز معظم هذه الحدود دون أن يكتسب، بصورة تلقائية، بديلاً فيسيولوجياً عنها.
ومن هنا لم يعد السؤال: إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يمد نفوذه؟ فقد أجابت الحضارة عن ذلك عملياً: إلى أبعد مدى تستطيع أدواته بلوغه. وإنما أصبح السؤال الحقيقي: إلى أي مدى ينبغي للإنسان أن يسمح لنفسه بأن يمد نفوذه؟ وهذا سؤال لم يعد من الممكن للطبيعة وحدها أن تجيب عنه؛ لأن الإنسان تجاوز الحدود التي كانت الطبيعة تجيب من خلالها.
وربما كان هذا أحد أخطر معاني الميتابايولوجيا: أن الإنسان لم يصبح خطراً على الأرض لأنه خرج من الطبيعة، وإنما لأنه احتفظ بدوافع كائن نشأ داخل نظام بايولوجي محدود، ثم امتلك من الأدوات ما جعل مجال تحقيق تلك الدوافع غير محدود تقريباً.
وهكذا أصبح ذلك الكائن الصغير، الذي لا يحتاج لكي يعيش إلا إلى رقعة محدودة من الأرض وقليل من مواردها، قادراً على أن يجعل الأرض كلها مجالاً لإرادته. وعند هذه النقطة يصبح الإفساد والطغيان احتمالين لا تحدهما القدرة، بل يحدهما شيء آخر لم يعد في وسع الطبيعة أن تفرضه عليه بالقوة: أن يضع الإنسان بنفسه حداً للإنسان.

أضف تعليق