
ثمة برهان على عالمية رسالة القرآن قلما يُلتفت إليه، ربما لأن البحث في هذه العالمية ينصرف في الغالب إلى الآيات الكريمة التي تصرح بأن الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم أُرسل إلى الناس كافة، كقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. غير أن ثمة دليلاً آخر كامناً في بنية الخطاب القرآني نفسه، وفي طبيعة الموضوع الذي جعل منه القرآن محوراً لرسالته: الإنسان بما هو إنسان.
فالقرآن، حين يتحدث عن الإنسان، لا يقدم وصفاً لإنسان الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، ولا لإنسان ينتمي إلى قوم أو عرق أو حضارة مخصوصة، وإنما يتحدث عن كائن يحمل معه، حيثما ذهب وفي أي عصر عاش، مجموعة من الاستعدادات والخصال التي تجعل مشكلته الأساسية ملازمة له بحكم كونه إنساناً.
ومن هنا يمكن النظر إلى التعريف القرآني للإنسان باعتباره واحداً من أعمق الأدلة الداخلية على عالمية الرسالة. فما دامت العلة التي يخاطبها الدين لا تختص بزمان ولا مكان ولا جماعة، فإن العلاج المقدم لها لا يكون، من حيث موضوعه، مقصوراً على زمان أو مكان أو جماعة.
ولعل واحدة من أكثر السمات إثارة للتأمل في الخطاب القرآني أنه لا يقدم تلك الصورة المثالية التي اعتاد الإنسان أن يرسمها لنفسه. فلقد أصبحنا نستعمل كلمة «الإنسانية» للدلالة على الرحمة والرأفة والعدل والنبل، ونصف الفعل الرحيم بأنه «إنساني»، والفعل الوحشي بأنه «لا إنساني». غير أن تاريخ الإنسان نفسه يضعنا أمام مفارقة شديدة الغرابة: فما نسميه فعلاً «لا إنسانياً» لم يرتكبه، في معظم الأحيان، إلا الإنسان. فالحروب، والإبادات، والتعذيب، والاستعباد، والاستغلال، والطغيان، والإفساد في الأرض ليست أفعالاً هبطت إلى العالم البشري من كائن آخر؛ حيث أنها إمكانات ظهرت داخل التاريخ الإنساني نفسه. ولهذا لا يبدأ القرآن من افتراض أن الإنسان خير بطبيعته، وأن الشر مجرد حادث عرضي طرأ عليه من الخارج، ولكن يقدم وصفاً أكثر تعقيداً وحذراً لهذا الكائن. فالإنسان، في التعبير القرآني، ﴿خُلِقَ ضَعِيفًا﴾، وهو ﴿ظَلُومٌ جَهُولٌ﴾، و﴿كَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾، و ﴿كَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، و﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾، بل إنه قادر على أن يبلغ من الشعور بالاستغناء حداً يجعله يطغى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. فهذه ليست أوصافاً لإنسان بعينه، ولا لشعب بعينه، ولا لجيل تاريخي بعينه؛ فهي أوصاف الإنسان. وهنا تحديداً تبدأ دلالة العالمية.
فالحضارات تبدلت، وتغيرت اللغات، وتطورت العلوم، وتغيرت أنظمة الحكم والاقتصاد، وانتقل الإنسان من القرية الصغيرة إلى المدينة العملاقة، ومن السير على قدميه إلى الطيران بين القارات، ومن الرسالة التي تستغرق أشهراً لكي تصل إلى صاحبها إلى المعلومة التي تعبر الأرض في جزء من الثانية. ولكن السؤال الذي يطرحه القرآن يظل قائماً: هل أدى كل هذا التطور إلى ظهور إنسان لم يعد ظلوماً ولا جهولاً ولا عجولاً ولا مجادلاً ولا قابلاً للطغيان حين يرى نفسه مستغنياً؟ فلقد غيَّر التطور الحضاري قدرات الإنسان أكثر بكثير مما غيّر الإنسان نفسه. بل ربما تكمن واحدة من أخطر مفارقات الحضارة في أن الخصلة البشرية القديمة أصبحت تمتلك أداة حديثة. فالطمع الذي كان مجال فعله محدوداً أصبح قادراً على التأثير في شعوب واقتصادات وبيئات كاملة، والعدوان الذي كانت تحده المسافة والجغرافيا أصبحت بين يديه وسائل قادرة على إحداث الدمار على نطاق لم يكن متاحاً لأسلافه. فلقد تطورت أدوات الإنسان تطوراً مذهلاً، ولكن السؤال الأخلاقي المتعلق بمن يستخدم هذه الأدوات ظل قائماً. ومن هنا تظل المشكلة التي يخاطبها القرآن حاضرة.
لا يعني ذلك التقليل من شأن ما أنتجه الإنسان من فلسفات أخلاقية ومنظومات قانونية ومؤسسات سياسية واجتماعية. فقد أسهمت هذه جميعاً في تنظيم المجتمعات والحد من كثير من صور العدوان. لكن ثمة فرقاً بالغ الأهمية بين تنظيم السلوك وبين تغيير الإنسان الذي يصدر عنه السلوك. فالقانون يستطيع أن يقول للإنسان: لا تسرق، والدولة تستطيع أن تعاقبه إذا سرق، والمجتمع يستطيع أن ينبذه إذا ارتكب فعلاً يرفضه. ولكن ماذا يحدث حين يوقن الإنسان أنه لن يُكتشف؟ وماذا يحدث حين يصبح هو نفسه صاحب السلطة التي تضع القانون؟ وماذا يحدث حين يستطيع أن يعيد تسمية الظلم عدلاً، والعدوان دفاعاً، والطمع مصلحة، والانتقام حقاً؟ فهنا تظهر حدود التنظيم الخارجي.
فالإنسان لا يحتاج فقط إلى سلطة تمنعه من فعل بعض الأشياء، وإنما يحتاج، وفق الرؤية القرآنية، إلى إعادة بناء علاقته بنفسه ورغباته وشهواته وقوته ومصالحه. ولهذا كان مفهوم التزكية مركزياً في القرآن ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. فالدين، وفق هذا المنظور، ليس مجموعة محظورات أُلقيت على الإنسان من الخارج اعتباطاً، وإنما هو مشروع لمواجهة ما يستطيع الإنسان نفسه أن يصير إليه إذا تُركت دوافعه بلا ضابط.
وهنا تظهر مفارقة أخرى شديدة الدلالة. فالحيوان لا يحتاج إلى كتاب أخلاقي لكي يكون حيواناً صالحاً. ولا يحتاج الذئب إلى وصية تحرّم عليه الطغيان، ولا يحتاج الطائر إلى منظومة فلسفية تمنعه من جمع ثروة تفوق حاجته آلاف المرات، ولا يحتاج كائن بري إلى تشريع يذكره بأنه لا ينبغي أن يدمر البيئة كلها لكي يشبع رغبة لا تنتهي. فالطبيعة أقامت عالم الحيوان على حدود وضوابط تكفل، في الأحوال الطبيعية، قدراً من التوازن بين الدافع والقدرة والحاجة.
أما الإنسان فقد أصبح قادراً على تجاوز حدود الحاجة إلى ما لا نهاية تقريباً. فيمكنه أن يأكل بعد الشبع، ويجمع بعد الاكتفاء، ويطلب السلطة بعد امتلاكها، وينتقم بعد زوال الخطر، ويواصل العدوان بعدما انتفت ضرورته، ويريد المزيد بعد أن أصبح ما يمتلكه أكبر كثيراً مما يستطيع الانتفاع به. ومن هنا يمكن فهم الحاجة إلى الدين من زاوية مختلفة. فالدين ليس علاجاً لنقص في ذكاء الإنسان، وإنما هو علاج لفائض في قدرته مقرون بنقص في قدرته على ضبط هذه القدرة. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يعلمه كيف يفعل؛ فكثيراً ما يحتاج إلى من يعلمه لماذا ينبغي ألا يفعل ما يستطيع فعله.
ومن هنا ينبغي إعادة النظر في الطريقة التي نستعمل بها كلمة “الإنسانية”. فالإنسانية بمعنى الرحمة والعدل والإحسان ليست الحالة التي تتحقق تلقائياً لمجرد ولادة فرد من نوع Homo sapiens. ولو كانت كذلك لما احتاج الإنسان إلى التربية والأخلاق والقوانين والأديان، ولما كان التاريخ البشري مزدحماً بكل تلك الصور من القسوة والعدوان والطغيان. فـ “الإنسانية”، بالمعنى الذي تواضعنا على تحديده، هي غاية.
فالإنسان يولد بشراً، لكنه لا يصبح «إنسانياً» بالمعنى الأخلاقي للكلمة إلا بقدر ما يستطيع ضبط ما يمكن أن تنفلت إليه بشريته.
ولعل القرآن يقدم هذه الفكرة بأشد صورها اختصاراً حين يجمع أمام الإنسان إمكانين متعارضين:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
فالقرآن يشدد على قدرة الإنسان على فعل الخير، ويجعلها جزءاً من تعريفه له. ولكنه، في الوقت ذاته، لا يحول هذه القدرة إلى براءة أصلية مضمونة. فالإنسان يستطيع أن يرتقي، ويستطيع أن ينحدر؛ يستطيع أن يعدل، ويستطيع أن يطغى؛ يستطيع أن يرحم، ويستطيع أن يمارس من القسوة. ومن أجل هذه الازدواجية كانت التزكية ضرورة لا ترفاً.
فإذا كانت رسالة القرآن مرتبطة بعادات قوم مخصوصين، فإن تغير تلك العادات قد يجعل جانباً من خطابها تاريخياً. وإذا كانت مرتبطة ببنية سياسية مخصوصة، فإن زوال تلك البنية قد يحد من مجالها. أما إذا كان موضوعها هو الإنسان نفسه؛ جهله وضعفه وعجلته وجدله وغروره وقابليته للطغيان، فإن مجالها يمتد بامتداد وجود الإنسان الذي يحمل هذه الصفات استعداداً وكموناً.
وهنا يكمن أحد البراهين التي قلما يُنتبه إليها على عالمية القرآن. فالعالمية ليست جغرافية فحسب، بمعنى أن الرسالة موجهة إلى جميع بقاع الأرض، وليست زمانية فحسب، بمعنى أنها ممتدة عبر العصور، بل هي قبل ذلك كله عالمية أنثروبولوجية: عالمية ناشئة من كون موضوع الخطاب هو البنية الإنسانية المشتركة ذاتها. فالإنسان الذي كان يستطيع أن يطغى حين يرى نفسه مستغنياً قبل أربعة عشر قرناً لا يزال يستطيع أن يطغى اليوم! والإنسان الذي كان يجادل ويعجل ويظلم ويغتر لا يزال يفعل ذلك، وإن تغيرت الملابس واللغات والمؤسسات والتقنيات. وما دامت العلة باقية، فإن السؤال عن العلاج يبقى قائماً.
ولعل المفارقة الكبرى أن الإنسان كلما ازداد قوة قد يظن أنه أصبح أقل حاجة إلى الدين، بينما يمكن قراءة الأمر من الاتجاه المعاكس تماماً. فإنسان محدود القدرة قد يكون ظلمه محدود النتائج، أما الإنسان الذي يمتلك التقنية والعلم والثروة والسلاح والقدرة على التأثير في ملايين البشر، فإن الخلل الأخلاقي نفسه يصبح على يديه أشد خطراً بما لا يقاس. ومن ثم فإن تطور الحضارة لا يلغي بالضرورة السؤال الذي يطرحه القرآن، بل قد يجعله أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما تصبح قدرة الإنسان على الفعل أكبر من قدرته على ضبط نفسه؟ هنا يصبح التعريف القرآني للإنسان مفتاحاً لفهم عالمية الرسالة. فالقرآن لم يأتِ لكي يعالج مشكلة الإنسان العربي، ولا مشكلة الإنسان القديم، ولا مشكلة مجتمع بعينه. لقد وضع إصبعه على مشكلة أكثر عمقاً واستمراراً: مشكلة الإنسان مع الإنسان الذي يسكن داخله؛ ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يظلم ويطغى ويتكبر ويغتر ويجادل ويعجل، ولكنه يستطيع كذلك أن يعرف هذه الخصال في نفسه، وأن يقاومها، وأن يزكي نفسه منها، وأن يرتقي فوق ما كان يمكن أن تؤول إليه بشريته لو تُركت بلا قيد ولا ميزان.
ومن هنا يمكن أن نفهم عالمية القرآن بمعنى يتجاوز المكان والزمان. فالقرآن خطاب عالمي لأن الإنسان الذي يخاطبه لم ينقرض بعد! وما دام الإنسان هو الإنسان، فإن السؤال الذي نزل القرآن ليضعه أمامه سيظل قائماً. فهذا السؤال هو ليس: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل؟ فحسب، بل: أي إنسان ينبغي له أن يكون؟
