ضوء النهار… كيف يصنع عاملٌ واحد العالم الذي نتذكره؟

حين يستعيد الإنسان في ذاكرته صورة غابة زارها ذات يوم، فإنه يتذكر الأشجار، واخضرار الأوراق، وتداخل الأغصان، ومسالك الأرض، والظلال الممتدة بين الجذوع، وربما يتذكر السماء التي كانت تظهر من بين رؤوس الأشجار. وقد يظن أن مجموع هذه العناصر هو الذي صنع صورة الغابة في ذاكرته. غير أن عاملاً بالغ الدلالة يغيب، في الغالب، عن هذه الصورة، مع أنه كان شرطاً ضرورياً لتكوّنها على النحو الذي يتذكرها به، ألا وهو ضوء النهار.
فالغابة التي رآها الإنسان في وضح النهار ليست، من حيث التجربة الإدراكية، الغابة نفسها التي يدخلها في ظلام الليل. فالأشجار هي الأشجار، والأرض لم تتغير، والصخور ما تزال في أماكنها، ولكن العالم الذي يراه قد تغير تغيراً جذرياً. فاختفت الألوان أو تبدلت، وانكمشت المسافات التي يستطيع البصر اختراقها، وغابت تفاصيل، وظهرت أخرى، وتحولت أشياء مألوفة إلى أشكال مبهمة قد يصعب التعرف إليها.
فأي الغابتين هي الغابة الحقيقية؟ السؤال نفسه يكشف المشكلة؛ لأننا اعتدنا أن نعامل الصورة النهارية للأشياء كما لو أنها صورتها الأصلية، مع أنها صورة تشكلت بفعل عامل خارجي هو الضوء. وما نسميه “شكل الغابة” ليس مستقلاً تماماً عن الشروط التي أتاحته لنا. فالضوء لم يضف شجرة إلى الغابة، ولم يغير تركيب صخورها، ولم ينقل أرضها من مكان إلى آخر، ولكنه غيّر العالم الذي أصبح متاحاً للإدراك.
وهنا تتجلى إحدى الخصائص الأساسية لما سميته في هذه السلسلة من المقالات “العوامل الصامتة”، فقد يكون العامل حاسماً في تشكيل الظاهرة التي نختبرها، من غير أن يصبح هو نفسه موضوعاً لانتباهنا. فنحن ننظر إلى الأشياء بالضوء، لكننا في العادة لا ننظر إلى الضوء.
وهذا الفرق البسيط يحمل دلالة معرفية بعيدة المدى. فالوسيط الذي يجعل المعرفة ممكنة قد يختفي من المعرفة نفسها. والشرط الذي يجعل الإدراك ممكناً قد لا يظهر ضمن الأشياء التي ندركها. ومن هنا قد يتوهم الإنسان أنه يتعامل مع الواقع مباشرة، بينما يكون ما يراه قد تشكل بالفعل من خلال مجموعة من الشروط التي لم تدخل في حسابه. وليس المقصود هنا القول إن الغابة تتوقف عن الوجود عند حلول الظلام، ولا أن الأشياء لا تمتلك وجوداً مستقلاً عن إدراكنا لها. فالأشجار تظل موجودة سواء أشرقت الشمس أم غابت. وإنما المقصود شيء أدق: أن الصورة التي يمتلكها الإنسان عن الشيء ليست نتاج الشيء وحده، وإنما هي نتاج الشيء مضافاً إليه الشروط التي أتاحت له أن يظهر بهذه الصورة.
وهذا التمييز بالغ الدلالة المعرفية، فحين يقول الإنسان: “أنا أعرف كيف تبدو الغابة”، فإنه لا يصف الغابة وحدها، بل يصف، من غير أن يدري، الغابة تحت شروط معينة: مقدار معين من الضوء، وزاوية معينة لسقوطه، وقدرة معينة لجهازه البصري، وموقعاً معيناً يقف فيه، وزمناً معيناً يرى فيه الأشياء. وبتغير هذه الشروط، تتغير الصورة، بينما يظل الشيء الذي ننسب إليه الصورة موجوداً. وهنا يصبح ضوء النهار أكثر من مجرد مثال بصري؛ إذ يتحول إلى نموذج يمكن من خلاله إعادة التفكير في طائفة واسعة من الظواهر. فقد يكون في كل ظاهرة ما يشبه ضوء النهار: عامل موجود باستمرار إلى درجة أننا لا نعده جزءاً من تفسيرها، مع أنه لو اختفى لتغيرت الظاهرة التي نعرفها تغيراً جذرياً، أو لتعذر وجودها بالصورة التي ألفناها. فالإنسان، مثلاً، يتعامل مع الحياة الاجتماعية كما لو أن التعامل السلمي بين ملايين البشر حالة طبيعية قائمة بذاتها، وقد يغفل عن شبكة هائلة من القوانين والمؤسسات والأعراف والضوابط التي تجعلها ممكنة. وما إن تضعف هذه الشبكة حتى يظهر أن “الحياة العادية” التي اعتدناها لم تكن عادية في ذاتها، وإنما كانت نتيجة شروط تعمل باستمرار في الخلفية. والأمر نفسه يصدق على العلاقات الإنسانية. فقد يرى الإنسان علاقة حب مستقرة فيعزو استقرارها إلى الحب، لكنه قد يغفل عن “ضوء النهار” الخاص بهذه العلاقة: الاحترام، والثقة، وضبط السلوك، وحفظ الحدود، والوفاء بالالتزامات. وما دام هذا النظام قائماً، فإنه يظل مختفياً خلف المشاعر. ولكن إذا اختفى، تبدلت العلاقة نفسها، تماماً كما تتبدل الغابة عندما يختفي الضوء الذي كان يكشف تفاصيلها. وهكذا يصبح السؤال الذي ينبغي إضافته إلى أدواتنا المعرفية هو: ما “ضوء النهار” في هذه الظاهرة؟ أي: ما العامل الذي اعتدنا وجوده حتى نسيناه، مع أن الظاهرة التي ندرسها ما كانت لتظهر بالصورة التي نعرفها لولاه؟ وقد يكون هذا السؤال بالغ الدلالة في العلم أيضاً. فعندما نحاول تفسير ظاهرة ما، فإننا نبحث عادة عن المتغيرات التي تتغير، ونقارن بينها، ونحاول معرفة أيها أحدث النتيجة. ولكن ثمة شروطاً ثابتة قد لا تدخل في الحساب أصلاً لأنها لم تتغير أثناء الملاحظة. ومع ذلك، فإن ثباتها لا يعني أنها غير مؤثرة؛ بل قد يعني أن التجربة بأكملها لم تكن ممكنة من دونها.
ومن هنا تنشأ مفارقة معرفية تستحق التأمل: إن ثبات العامل قد يكون هو السبب في اختفائه من التفسير. فالإنسان بارع في ملاحظة المتغيرات، لكنه أقل براعة في ملاحظة الثوابت التي تسمح للمتغيرات بأن تعمل. وإذا حدث تغير مفاجئ، بحث عن العامل الجديد الذي ظهر، لكنه قلما يسأل عن الشروط القديمة التي ظلت موجودة طوال الوقت وجعلت ذلك العامل الجديد قادراً على إحداث أثره.
ولهذا فإن “العوامل المجهولة” التي تدعو هذه السلسلة من المقالات إلى إعادة الاعتبار إليها ليست بالضرورة عوامل لم يسبق للإنسان اكتشافها. فقد تكون معروفة معرفة تامة، مثل معرفتنا بضوء الشمس، ولكنها مجهولة وظيفياً؛ أي إننا نعرف بوجودها، لكننا لا نمنحها المكان الذي تستحقه في تفسير الظاهرة.
وهذا تمييز مهم بين “مجهول الوجود” و”مجهول الدور”. فقد نعرف العامل ولا نعرف مقدار ما يصنعه. وقد نراه كل يوم، لكننا لا ندرك أنه جزء من المعادلة. وقد نمتلك عنه معرفة علمية دقيقة، ومع ذلك نستبعده ذهنياً عندما نفسر ظاهرة تعتمد عليه. فالغابة في النهار تعلِّمنا، بهذا المعنى، درساً يتجاوز الغابة والضوء؛ فهي تعلِّمنا أن العالم الذي نعرفه ليس مصنوعاً فقط من الأشياء التي نراها، وإنما أيضاً من الشروط التي تجعل رؤيتنا لها ممكنة. فما يبدو لنا خاصية للشيء قد يكون، جزئياً، نتيجة علاقة بين الشيء وبيئته والشروط المحيطة به وأدوات إدراكنا له.
ولذلك، فحين نبحث مستقبلاً في أي ظاهرة، ربما ينبغي ألا نسأل فقط: ما الذي أراه؟ بل أيضاً: ما الذي يجعلني أراه بهذه الصورة؟ وألا نسأل فقط: ما العوامل التي صنعت الحدث؟ بل: ما الشروط التي لو أزلناها لتغير الحدث كله، رغم أننا لم نكن نحسبها جزءاً منه؟ فربما كان بعض ما فات الإنسان أن يدركه موجوداً أمامه منذ البداية، مثل ضوء النهار تماماً؛ يكشف له كل شيء، بينما يظل هو آخر ما يُلتفت إليه.

أضف تعليق