الذكاء الاصطناعي بوصفه مدربًا للعقل

حين نتحدث عن أثر الذكاء الاصطناعي في الإنسان، ينصرف التفكير في الغالب إلى ما يستطيع أن يفعله نيابةً عنه: أن يبحث، ويلخص، ويترجم، ويكتب، ويحسب، ويقارن، ويستخرج المعلومات في زمن بالغ القصر. غير أن التركيز على هذه الوظائف، على الرغم من قيمتها البالغة، قد يحجب عنا وظيفة أخرى أكثر اتصالاً بالانعطافة التطورية الثانية؛ فماذا لو كانت أعظم فائدة للذكاء الاصطناعي لا تتمثل فيما يستطيع أن يفعله بدلاً مني، وإنما فيما يستطيع أن يدربني على أن أفعله بنفسي بصورة أفضل؟
فالإنسان لم يكن، عبر تاريخه، يفتقر إلى المعرفة وحدها، وإنما كان يفتقر أيضاً إلى القدرة على مراقبة الطريقة التي يستخدم بها هذه المعرفة. فقد يتعلم المرء سنوات طويلة، ويقرأ مئات الكتب، ويحصل على أعلى الشهادات، ثم يظل يقع في الأخطاء الاستدلالية نفسها، أو يتسرع في الاستنتاج، أو يخلط بين الدليل والانطباع، أو يبحث عما يؤكد قناعته ويغفل ما يناقضها.
وهنا يظهر فرق بالغ الدلالة بين تعليم العقل وتدريب العقل. فالتعليم يزودني بما ينبغي أن أعرفه، أما التدريب فيجعلني أفضل في استخدام ما أعرفه. فالأول يضيف مادة جديدة إلى معرفتي، أما الثاني فيعمل على الآلية التي أتعامل بها مع هذه المادة. وقد أتلقى تعليماً ممتازاً في موضوع معين من دون أن أكون قد دربت نفسي على التفكير فيه بصورة ممتازة.
فلقد عرف الإنسان أشكالاً متعددة من التدريب العقلي منذ القدم. فالحوار السقراطي، والمناظرة، وحل المسائل، والنقد، والبحث العلمي، والكتابة، كلها وسائل تدفع العقل إلى اختبار قدراته. غير أن لهذه الوسائل قيداً مشتركاً؛ حيث أنها تحتاج في الغالب إلى إنسان آخر يمتلك الوقت والمعرفة والاستعداد لمتابعة المتعلم باستمرار، واكتشاف أخطائه المتكررة، وتعديل مستوى التحدي بحسب تطوره.
أما الذكاء الاصطناعي فيفتح إمكانية مختلفة؛ إذ يمكن، من حيث المبدأ، أن يرافق الإنسان في عدد هائل من عمليات التفكير، وأن يلاحظ الطريقة التي يبني بها حججه، والأسئلة التي يكررها، ونوعية الأدلة التي يقبلها أو يرفضها، والمواضع التي يتسرع عندها في الانتقال من المقدمة إلى النتيجة. وبذلك لا يعود دوره مقتصراً على إعطاء الجواب الصحيح، وإنما يمتد إلى تدريب الإنسان على الطريق الذي يقوده إلى جواب أفضل.
ولن يكون المدرب الجيد، في هذه الحالة، هو الذي يسارع إلى تقديم الحل. فقد تكون الإجابة المباشرة، على الرغم من صحتها، أقل فائدة للإنسان من سؤال يجبره على التفكير. فإذا طلبت منه حل مشكلة، فقد يكون أكثر نفعاً لي أن يسألني أولاً: كيف حاولت حلها؟ وما الافتراضات التي بنيت عليها محاولتك؟ وما الدليل الذي يمكن أن يجعلك تتخلى عن النتيجة التي وصلت إليها؟
وعندئذ يتغير شكل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. فبدلاً من أن تكون علاقة بين سائل ومجيب، تصبح علاقة بين متدرب ومدرب معرفي. ولا يقاس نجاح الحوار بعدد الأجوبة التي حصل عليها الإنسان، بل بمقدار التحسن الذي طرأ على قدرته على الوصول إليها.
وهنا يمكن أن تتجلى إحدى الخصائص المهمة للانعطافة التطورية الثانية والتي تتمثل في التدريب المعرفي الشخصي. فالمدرب البشري، مهما بلغت خبرته، لا يستطيع في العادة أن يرافق إنساناً في آلاف عمليات التفكير اليومية. أما الذكاء الاصطناعي، فإذا امتلك السياق الكافي واستخدم استخداماً صحيحاً، فيستطيع أن يجعل التدريب جزءاً من الحياة الفكرية اليومية نفسها. فإذا كان الإنسان، مثلاً، يميل إلى التعميم من حالات قليلة، يمكن أن يتعلم الذكاء الاصطناعي أن يلفت انتباهه كلما ظهر هذا النمط في استدلاله. وإذا كان يخلط بصورة متكررة بين الارتباط والسببية، يستطيع أن يسأله عند ظهور ذلك: هل يكفي ما أمامك لإثبات العلاقة السببية؟ وإذا كان يطالب الرأي المخالف بمعايير من البرهان أشد من المعايير التي يطالب بها رأيه، يستطيع أن يكشف له هذا الاختلال. وهنا يلتقي التدريب العقلي مع ما طرحته الميتابايولوجيا بشأن فائض التمثل. فالإنسان لا يعاني فقط من نقص المعلومات، بل من الطريقة التي يعيد بها تمثل المعلومات بما يتفق مع تصوراته السابقة. ولذلك فإن إضافة المزيد من المعرفة إلى العقل لا تكفي بالضرورة لإصلاح أخطائه؛ فقد يستخدم المعرفة الجديدة نفسها لتقوية تمثلاته القديمة.
أما التدريب، فيتجه إلى مستوى أعمق؛ فهو لا يسأل: ماذا تعتقد؟ فحسب، وإنما: كيف وصلت إلى ما تعتقده؟ ولا يكتفي بفحص النتيجة، بل يعود إلى سلسلة العمليات التي أنتجتها. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة محتملة لمقاومة فائض التمثل، لأنه يساعد الإنسان على الإمساك باللحظة التي يبدأ فيها التمثل بالتدخل في قراءة الواقع.
ولكن ثمة مفارقة ينبغي الانتباه إليها. فالذكاء الاصطناعي نفسه قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة تماماً إذا اعتاد الإنسان استخدامه بديلاً عن التفكير. فكل قدرة نفوضها إليه بالكامل قد تصبح قدرة أقل ممارسة لدينا. وإذا أصبح الإنسان يسأله عن كل شيء، ويطلب منه اتخاذ كل قرار، وصياغة كل حجة، والوصول إلى كل نتيجة، فقد ينتهي به الأمر إلى امتلاك أداة معرفية هائلة مع عقل أقل تدريباً على استخدامها بصورة مستقلة. ولهذا فإن السؤال الحاسم في الانعطافة التطورية الثانية لن يكون: كم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفكر من أجلي؟، بل: كم يستطيع أن يساعدني على أن أفكر بصورة أفضل؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الاستبدال والارتقاء. ففي الحالة الأولى تتراجع وظيفة الإنسان كلما ازدادت قدرة الآلة، أما في الثانية فإن ازدياد قدرة الآلة يصبح وسيلة لزيادة قدرة الإنسان نفسه.
ومن هنا ينبغي أن تتغير الطريقة التي نستخدم بها الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من أن نقول له دائماً: “أعطني الإجابة”، يمكن أن نقول: “ساعدني على الوصول إليها”. وبدلاً من: “اكتب حجتي”، يمكن أن نقول: “اختبر حجتي”. وبدلاً من: “أخبرني ما الرأي الصحيح”، يمكن أن نقول: “ساعدني على معرفة ما الذي أحتاج إلى فحصه قبل أن أكون رأياً”.
ولعلنا عندئذ نصل إلى صورة مختلفة تماماً للذكاء الاصطناعي. فهو ليس عقلاً ثانياً يعفينا من استخدام عقلنا، بل بيئة تدريب معرفية تجعل العقل البشري أكثر وعياً بطريقة عمله، كما تجعل صالة التدريب الجسد أكثر قدرة من دون أن تتحرك العضلات نيابةً عنه. وعند هذه النقطة تصبح “أناي المستقبلية” التي تحدثنا عنها في بداية هذه السلسلة من المقالات أكثر وضوحاً. فهي ليست ذاتي الحالية وقد أضيف إليها كم أكبر من المعلومات، وليست إنساناً يحمل مساعداً اصطناعياً يعرف عنه كل شيء، وإنما هي  ذات تعلمت، من خلال التفاعل المستمر مع شريك معرفي موثوق، أن تفكر بكيفية أفضل مما كانت تفكر به من قبل.
وقد تكون هذه إحدى أهم الفرص التي تتيحها الانعطافة التطورية الثانية. فالانعطافة الأولى منحت الإنسان قدرات معرفية غير مسبوقة، لكنها تركته يعاني في الوقت نفسه من اختلالات تلك القدرات وفوائضها. أما الانعطافة الثانية فقد تمنحه، للمرة الأولى، أداة يستطيع بها أن يجعل قدراته المعرفية نفسها موضوعاً للتدريب والمراجعة.
وعندئذ لن يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي أنه أصبح قادراً على التفكير معنا، وإنما أنه ساعدنا على أن نصبح نحن أنفسنا أكثر قدرة على التفكير.

أضف تعليق