بعد قرن من «مستقبل وهم»… هل اختفى الدين أم تكاثرت الأوهام؟

نقترب من مرور قرن كامل على صدور كتاب عالِم النفس النمساوي زيغموند فرويد “مستقبل وهم” (The Future of an Illusion)، الذي ظهر أول مرة عام 1927، والذي قدّم فيه واحداً من أشهر التفسيرات النفسية للدين في الفكر الحديث. ومائة عام ليست زمناً قصيراً في تاريخ الأفكار؛ بل لعلها مدة كافية لكي نعود إلى كتاب لم يكتفِ بتفسير ظاهرة قائمة، وإنما حمل في داخله تصوراً عن مستقبلها، فنسأل: ماذا حدث لذلك المستقبل الذي تصوره فرويد؟
لم يكن الدين، في منظور فرويد، حقيقة تتصل ببنية مستقلة في الوجود، وإنما كان، في جانب أساسي من تفسيره، استجابة نفسية لحاجات الإنسان ومخاوفه وعجزه. فوفقاً لفرويد فإن الإنسان الذي وجد نفسه ضعيفاً أمام الطبيعة والموت والمصير، احتاج إلى أن يمنح الكون صورة يستطيع احتمالها، وأن يتصور قوة أبوية تحميه وتمنح العالم معنى ونظاماً وعدالة. ومن هنا زعم فرويد بأننا يمكننا النظر إلى المعتقد الديني بوصفه وهماً يستمد قوته من الرغبة الإنسانية التي تقف وراءه. وكان من الممكن، وفق هذا التصور، أن نتوقع أن يتراجع الدين كلما تقدم الإنسان في العلم والعقلانية، وكلما استطاع أن يفهم العالم ويضبط جانباً أكبر منه من دون الاستعانة بالتفسير الديني. وكان الأمل أن تبلغ البشرية قدراً من النضج يجعلها قادرة على مواجهة الواقع كما هو، من غير حاجة إلى تلك البنى الوهمية التي صنعتها في مراحل سابقة من تاريخها. ولكننا، بعد تسعة وتسعين عاماً من صدور الكتاب، أصبحنا في موقع تاريخي فريد يسمح لنا بأن نطرح سؤالاً لم يكن فرويد نفسه يستطيع الإجابة عنه: هل تحقق ذلك بالفعل؟
لا شك في أن العالم، وخصوصاً أجزاء واسعة من المجتمعات الغربية، شهد تحولات عميقة في علاقته بالدين. فتراجعت في مجتمعات كثيرة سلطة المؤسسات الدينية، وانخفضت درجات الالتزام ببعض أشكال التدين التقليدي، وفقدت الكنائس وغيرها من المؤسسات جانباً من قدرتها السابقة على تنظيم الحياة الاجتماعية والأخلاقية والفكرية. وهذه وقائع لا ينبغي إنكارها لمجرد الرغبة في الاعتراض على فرويد. غير أن الخطأ يبدأ حين نساوي بين تراجع المؤسسة الدينية وبين اختفاء الظاهرة التدينية من حياة الإنسان.
فما شهدناه خلال القرن الذي أعقب صدور كتاب “مستقبل وهم” قد يكون، من زاوية أخرى، شيئاً مختلفاً تماماً: ليس موت التدين، وإنما تفكك صورته الجماعية القديمة وظهور صور فردانية جديدة منه.
كان الدين المؤسسي يمنح الجماعة منظومة من العقائد والرموز والطقوس والمحرمات، ويجعل الفرد جزءاً من بناء أكبر منه. وكانت المعتقدات تنتقل عبر الجماعة وتستقر في ثقافتها وذاكرتها وتصورها للعالم. أما حين تراجعت قوة هذه المؤسسات في بعض المجتمعات الحديثة، وفي الغرب على وجه التحديد، فلم يصبح الفرد بالضرورة كائناً يعيش خارج كل اعتقاد متجاوز، وإنما أصبح أكثر حرية في صناعة منظومته الاعتقادية الخاصة.
ومن هنا يمكن فهم مفارقة المشهد الروحي المعاصر. فإلى جانب تراجع أشكال من التدين التقليدي، ازدهرت أشكال واسعة من الروحانيات الفردية والمعتقدات الانتقائية والتصورات التي يمزج فيها الفرد عناصر من ديانات وفلسفات وممارسات مختلفة، ويعيد ترتيبها بما يتلاءم مع تصوراته الخاصة عن نفسه والعالم.
ولعل من أكثر التعبيرات دلالة على هذا التحول عبارات من قبيل “the god within” و “the goddess within” وما يشابهها من توصيفات جعلت “المقدس” كامناً في الذات البشرية نفسها. وهنا نواجه تحولاً بالغ الدلالة: فبعد أن كان الإنسان يتجه إلى إله متعالٍ، أصبح في بعض أشكال الروحانية المعاصرة يبحث عن الإله في داخله! أو يمنح ذاته خصائص كانت الأديان التقليدية تنسبها إلى حقيقة متجاوزة للذات. وبذلك قد لا يكون ما حدث هو انتصار الإنسان على حاجته إلى الوهم، بالمفهوم الفرويدي، وإنما انتقال مركز إنتاج الوهم من المؤسسة إلى الفرد.
فلقد تراجع، في بعض البيئات، الدين الذي يقول للإنسان: اخضع لحقيقة أعلى منك؛ ولكن ذلك لم يؤدِّ بالضرورة إلى ظهور الإنسان الذي لا يحتاج إلى الاعتقاد، وإنما قد أسهم في ظهور إنسان يقول: سأصنع بنفسي الحقيقة التي أريد أن أؤمن بها.
وهنا تظهر مفارقة ربما لم يتوقعها فرويد. فبدلاً من أن يؤدي تفكك الدين المؤسسي إلى اختفاء ما سماه «الوهم»، أصبح في مقدور الفرد الحديث أن ينتج منظومة خاصة من الاعتقادات والمعاني والرموز. فما كان بالأمس وهماً واحداً، بحسب التشخيص الفرويدي، أصبح اليوم اوهاماً متعددة لا حصر لها!
وليس المقصود بذلك أن كل شكل من أشكال الروحانية الحديثة وهم، ولا أن مجرد اختلاف المعتقدات يثبت بطلانها، فذلك سيكون تكراراً للمشكلة المنهجية نفسها التي ينبغي نقدها، إنما المقصود أضيق وأكثر دلالة: فإذا كان معيار فرويد هو حاجة الإنسان النفسية إلى بناء تصورات تمنحه المعنى والأمان والقدرة على احتمال وجوده، فإن انحسار الدين المؤسسي لم يؤدِّ بوضوح إلى انحسار هذه الحاجة.
وهنا ينبغي أن نعيد النظر في السؤال الذي طرحه كتاب “مستقبل وهم”. فربما لم تكن المشكلة الأساسية في أن فرويد أخطأ في تقدير مستقبل الدين فحسب، وإنما في أنه لم يمتلك تصوراً مكتملاً عن الإنسان الذي يتدين بهذا الدين!
ولكن، كيف كان لفرويد أن يرى غير الذي رآه وهو يفسر الإنسان من داخل أفق سايكولوجي يستند، في جانب مهم منه، إلى ماضيه البايولوجي فحسب؟ فلقد بحث فرويد عن جذور الظاهرة الدينية في الخوف، والعجز، والرغبة، والعلاقة بالأب، والحاجة إلى الحماية، وغيرها من البنى النفسية. لكنه لم يكن أمامه ما يدعوه إلى طرح سؤال آخر: ماذا لو كان في التاريخ التطوري للإنسان تحول لا يمكن استيعابه بالكامل ضمن البايولوجيا؟ وماذا لو كان هذا التحول قد أطلق في الإنسان قدرات تجاوزت الوظائف التي ضبطتها الطبيعة في الحيوان؟
هنا تحديداً يمكن للميتابايولوجيا أن تقدم قراءة مختلفة للمشكلة. فمن منظور الميتابايولوجيا، لا تكمن خصوصية الإنسان في امتلاكه تمثلات ذهنية فحسب، وإنما في ظهور ما يمكن تسميته بـ “فائض التمثّل”؛ أي القدرة على التمثّل التي تجاوزت حدودها الوظيفية البايولوجية، حتى أصبح الإنسان قادراً على أن يعيش داخل عوالم من المعاني والصور والمفاهيم والرموز لا تقل تأثيراً في سلوكه عن العالم المادي الذي يحيط به.
فالحيوان يحتاج إلى تمثل العالم بالقدر الذي يسمح له بالبقاء فيه. أما الإنسان فلا يكتفي بذلك؛ إذ أنه يعيد تمثل العالم، ثم يعيد تمثل نفسه داخله، ثم يسأل عن معنى وجوده، ومصيره، ومكانته في الكون، وما ينبغي أن يكون عليه، وما الذي ينتظره بعد الموت. وهو لا يعيش الأشياء وحدها، وإنما يعيش كذلك المعاني التي يمنحها للأشياء.
ومن هنا يمكن النظر إلى الظاهرة التدينية من زاوية تختلف جذرياً عن السؤال عما إذا كان هذا المعتقد أو ذاك «وهماً». فالمشكلة الأعمق تصبح: لماذا لا يستطيع الإنسان أن يكتفي بالعالم كما تقدمه له الحواس؟ ولماذا يستمر في إنتاج عوالم من المعنى حتى عندما يعلن تحرره من الأديان التي ورثها؟
فقد يستطيع الإنسان أن يتخلى عن دين بعينه، وأن يهجر مؤسسة دينية، وأن يرفض عقيدة ورثها عن أسلافه؛ لكنه لا يستطيع أن يتخلص بسهولة من الآلية التي جعلت الدين ممكناً، والمتمثلة في قدرته الفائضة على التمثّل. ولهذا فإن الإنسان الذي يتخلى عن الإله لا يتحول بالضرورة إلى كائن لا يحتاج الى “التدين”. فقد يؤله ذاته، أو هويته، أو أفكاره، أو إيديولوجيته، أو تجربته الداخلية، أو صورة معينة عن الكون. وقد ينقل الصفات التي كان ينسبها إلى حقيقة متعالية إلى شيء آخر.
وهنا يصبح تعبير “the god within” أكثر من مجرد عبارة روحية عابرة؛ إذ يمكن قراءته بوصفه مثالاً بالغ الدلالة على قدرة فائض التمثّل على إعادة إنتاج البنية التدينية بعد تغيير موضوعها. فالدين لم يختفِ؛ بل تغير موضعه. والإنسان لم يتوقف بالضرورة عن التأليه؛ وإنما أصبح هو نفسه، في بعض التصورات، موضوع التأليه ذاته! ولو كان فرويد قد امتلك تصوراً من هذا القبيل عن الإنسان، فلنا أن نتساءل عما إذا كان سيكتب كتاب “مستقبل وهم” بالطريقة نفسها. فربما كان سيسأل، قبل أن يتنبأ بزوال الدين، سؤالاً أشد جذرية: هل يستطيع كائن يمتلك فائض التمثّل أن يعيش من دون أن ينتج لنفسه موضوعات تتجاوز الواقع المباشر؟
وحينئذ كان يمكن أن يتغير معنى كتاب «مستقبل وهم» كله. فالسؤال لن يعود: متى تُفيق البشرية من وهم الدين؟ وإنما: ماذا سيصنع الإنسان بفائض التمثّل إذا كف الإنسان عن التدين بالدين؟
وقد تكون السنوات التسع والتسعون التي تفصلنا عن كتاب فرويد قد قدمت لنا بداية إجابة مدهشة. فلقد أظهرت أن تراجع التدين المؤسسي لا يعني بالضرورة تراجع الحاجة الإنسانية إلى الاعتقاد والمعنى والتجاوز. بل ربما يؤدي تفكك المرجعية الجماعية الواحدة إلى تحرير فائض التمثّل من ضوابطها، بحيث يصبح كل فرد أكثر قدرة على بناء عالمه الاعتقادي الخاص. وبذلك يكون القرن الذي ظُن أنه سيشهد انحسار «الوهم» قد شهد، في بعض جوانبه، خصخصة الوهم وتعدد تجلياته.
ولعل المفارقة الأخيرة أن فرويد كان مصيباً في شيء ربما لم يقصد إثباته. فإذا افترضنا، لأغراض النقاش، أن الدين وهم، فإن تاريخ القرن الذي أعقب صدور كتابه “مستقبل وهم” لم يثبت أن الإنسان يستطيع أن يعيش بلا أوهام؛ بل ربما أثبت العكس: أن إسقاط وهم لا يلغي القدرة التي أنتجته، وأن الإنسان يستطيع أن يهدم معبداً ثم يحمل الأنقاض المتخلفة ليبني بها معابد أخرى!
ولهذا، فعندما تحل الذكرى المئوية لصدور كتاب “مستقبل وهم” عام 2027، فقد لا يكون السؤال الأجدر بالطرح: هل كان الدين حقاً وهماً؟
ذلك سؤال آخر يحتاج إلى أدلة من نوع آخر. أما السؤال الذي يستطيع قرن كامل من التاريخ أن يساعدنا في الإجابة عنه فهو: هل كان فرويد محقاً في الاعتقاد بأن الإنسان، حين يتجاوز الدين، سيكون قد تجاوز حاجته إلى الوهم؟ وما رأيناه حتى الآن يجعل الإجابة أبعد ما تكون عن اليقين الذي كان يوحي به ذلك التصور. فالدين لم يغادر المشهد الإنساني، والإنسان لم يتحول إلى ذلك الكائن العقلاني المحض الذي يكتفي بالواقع كما هو. فالذي حدث، في جانب من العالم الحديث، أن الدين الواحد تراجع أمام أديان فردية كثيرة، وأن “المقدس” انتقل من خارج الذات إلى داخلها، وأن الوهم، إن شئنا الاحتفاظ بالمصطلح الفرويدي، لم يمت؛ بل تعلّم كيف تزداد تجلياته فحسب.

أضف تعليق