حين يتجاوز العلم حدود اختصاصه… المعجزة ومفارقة التفسير العلمي

من المبادئ التي قام عليها نجاح العلم الحديث مبدأ التخصص. فالعلم لم يتقدم لأن عالِماً واحداً حاول أن يفسر كل شيء، وإنما لأنه قسّم الواقع إلى مجالات معرفية، لكل منها موضوعه وأدواته ومناهجه وحدوده. فالفيزياء تدرس الظواهر الفيزيائية، والبايولوجيا تدرس الحياة والكائنات الحية، والجيولوجيا تبحث في بنية الأرض وتاريخها، والكيمياء في المادة وتحولاتها، وعلم النفس في جوانب من السلوك والعمليات النفسية، وعلم الاجتماع في الظواهر والبنى والعلاقات الاجتماعية. ولم يكن هذا التقسيم مجرد ترتيب إداري للمعرفة، بل كان واحداً من الشروط التي جعلت الدقة العلمية ممكنة.
غير أن العلم المعاصر يكشف، في بعض ممارساته، عن مفارقة تستحق التأمل: فبقدر ما ازدادت العلوم تخصصاً، ازدادت أحياناً محاولات بعض المشتغلين بها لتجاوز الحدود الفاصلة بين اختصاصاتهم، حتى أصبحت بعض المجالات العلمية تقدم تفسيرات لظواهر لا يتضح أصلاً أنها تقع ضمن نطاقها التفسيري.
ولعل واحدة من أوضح صور هذه المفارقة تظهر في التعامل العلمي مع الدين، وخصوصاً مع المعجزات وظواهر التدخل الإلهي المباشر كما تعرضها النصوص الدينية. فقد أصبحت محاولة العثور على تفسير فيزيائي أو بايولوجي أو جيولوجي أو كيميائي للمعجزات الواردة في العهد القديم والعهد الجديد والقرآن العظيم ممارسة مألوفة في بعض الكتابات العلمية والشعبية؛ فتُستدعى الزلازل والبراكين والتغيرات المناخية والأوبئة والظواهر الفلكية والعمليات البايولوجية النادرة لتفسير أحداث يقدمها النص الديني نفسه باعتبارها أحداثاً استثنائية.
والمشكلة هنا ليست في دراسة إمكان وقوع ظاهرة طبيعية تشبه ظاهرة ورد ذكرها في نص ديني؛ فهذا سؤال مشروع تماماً. كما أنه لا اعتراض من حيث المبدأ على أن يبحث الجيولوجي، مثلاً، عما إذا كانت منطقة معينة قد شهدت في حقبة تاريخية محددة زلزالاً أو فيضاناً أو ثوراناً بركانياً، أو أن يبحث عالم المناخ في الظروف المناخية التي ربما صاحبت حدثاً تاريخياً بعينه. فكل ذلك يقع داخل الاختصاص ما دام السؤال متعلقاً بالواقع الطبيعي القابل للفحص. غير أن المشكلة تبدأ عندما يحدث انتقال غير ملحوظ من سؤال: هل نستطيع العثور على ظاهرة طبيعية تشبه هذا الحدث؟ إلى سؤال مختلف تماماً: هل فسرنا بذلك المعجزة التي يتحدث عنها النص الديني؟
فالمعجزة، بحكم تعريفها الديني، ليست مجرد ظاهرة طبيعية نجهل قانونها؛ إذ أنها حدث تُنسب خصوصيته إلى فعل إلهي يتجاوز، أو يعلّق، أو يستخدم على نحو استثنائي انتظام الأسباب الذي نعرفه في العالم. ومن ثم فإن تحويلها ابتداءً إلى ظاهرة طبيعية اعتيادية لا يكون بالضرورة تفسيراً علمياً لها، بل قد يكون إعادة تعريف للشيء المراد تفسيره.
وهنا تكمن المفارقة. فإذا كان الباحث قد افترض منذ البداية أن الحدث لا يمكن إلا أن يكون طبيعياً، ثم بحث عن ظاهرة طبيعية تفسره، فإنه لم يختبر الادعاء الديني كما هو، وإنما استبدل به ادعاءً آخر يمكن للعلم التعامل معه؛ فهو لم يفسر المعجزة بوصفها معجزة، بل فسّر النسخة الطبيعية التي صاغها هو للحدث الذي يسميه النص الديني معجزة. وليس في ذلك ما ينتقص من العلم، بل العكس هو الصحيح؛ لأن احترام العلم يبدأ باحترام حدوده المنهجية.
فالفيزياء شديدة القدرة على تفسير حركة جسم يسقط وفق شروط معينة، لكنها لا تملك، من داخل معادلاتها وحدها، أداة للحكم على دعوى تقول إن إرادة إلهية تدخلت في واقعة بعينها. والبايولوجيا تستطيع دراسة الآليات الطبيعية التي تنظم حياة الكائنات وتناسلها وتطورها، لكنها لا تتحول بذلك إلى علم مختص بإثبات التدخل الإلهي أو نفيه. وكذلك الجيولوجيا والكيمياء فإنهما تستطيعان أن تخبرانا بالكثير عن العالم الطبيعي، لكن اتساع معرفتنا بالطبيعة لا يعني تلقائياً اتساع المجال المنهجي لهذه العلوم ليشمل ما يُعرَّف ابتداءً بأنه متجاوز للانتظام الطبيعي.
وقد يكون جانب من الالتباس ناشئاً عن قياس غير دقيق على ما فعلته علوم النفس والاجتماع حين تناولت الدين بالدراسة. فقد قدم علماء النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا بالفعل تفسيرات متعددة للظاهرة الدينية، وحاولوا تفسير الاعتقاد والطقوس والمؤسسات الدينية ووظائفها النفسية والاجتماعية. وقد نوافق هذه التفسيرات أو نختلف معها، لكن ثمة مسوغاً منهجياً أولياً لدراستها. فالتدين، وليس الدين، هو ظاهرة بشرية نفسية واجتماعية قابلة للملاحظة.
فالإنسان يؤمن ويخاف ويرجو ويصلي وينتمي إلى جماعة دينية، وتنشأ المؤسسات والطقوس والسلطات والتقاليد، وتترتب على المعتقدات آثار في السلوك الفردي والجماعي. ولهذا يستطيع عالم النفس أن يسأل عن الوظائف النفسية للاعتقاد، ويستطيع عالم الاجتماع أن يدرس أثر المؤسسة الدينية في الجماعة، مثلما يستطيع عالم الأنثروبولوجيا دراسة الطقوس والمعتقدات في الثقافات المختلفة.
ولكن ينبغي التمييز بين دراسة الإنسان الذي يؤمن بالمعجزة ودراسة المعجزة نفسها. فعالم النفس مثلاً، يستطيع أن يدرس لماذا يصدق إنسان ما أن معجزة قد وقعت، وكيف يؤثر ذلك الاعتقاد في حياته، وما العمليات الإدراكية والنفسية المصاحبة له. ويستطيع عالم الاجتماع دراسة كيفية انتشار الاعتقاد بالمعجزات ووظيفتها داخل الجماعات. لكن شيئاً من ذلك لا يمنحه، بوصفه عالماً للنفس أو الاجتماع، سلطة معرفية على السؤال الأنطولوجي المختلف جذرياً: هل وقع تدخل إلهي بالفعل؟
وهذا التمييز بالغ الدلالة؛ لأنه يكشف عن ضرورة الفصل بين الظاهرة الدينية بوصفها ظاهرة إنسانية وموضوع الادعاء الديني نفسه. فالأولى تقع، في جوانب واسعة منها، داخل العالم المُشاهَد (عالم الشهادة)، ولذلك يمكن للعلوم الإنسانية والاجتماعية أن تدرسها. أما الثاني، حين يكون متعلقاً بفعل إلهي مباشر أو بعالَم الغيب، فلا يصبح موضوعاً فيزيائياً أو بايولوجياً لمجرد أن آثاره المزعومة قد ظهرت في العالَم الفيزيائي.
ولنأخذ مثالاً افتراضياً بسيطاً. فإذا قال نص ديني إن بحراً انشق بفعل إلهي، يستطيع عالم الطبيعة أن يسأل: هل توجد ظواهر طبيعية تستطيع إزاحة المياه بهذه الصورة؟ وهل يمكن للرياح أو المد أو النشاط الزلزالي أن ينتج ظروفاً مشابهة؟ وهذه أسئلة علمية مشروعة. ولكنه إذا اكتشف آلية طبيعية قادرة نظرياً على إحداث ظاهرة مشابهة، فإنه يكون قد أثبت إمكان التفسير الطبيعي لحدث مشابه، لا أنه أثبت أن الواقعة التي يتحدث عنها النص حدثت بتلك الآلية تحديداً، ولا أنه أثبت انتفاء التدخل الإلهي. والفارق بين الأمرين هائل. فإمكان وقوع الحدث طبيعياً لا يساوي البرهنة على أنه وقع طبيعياً، تماماً كما أن عجزنا عن تقديم تفسير طبيعي لا يثبت تلقائياً أنه وقع بمعجزة. وفي الحالتين ينبغي مقاومة الانتقال من حدود ما تسمح به الأدلة إلى نتائج ميتافيزيقية أوسع منها.
وهنا نصل إلى قاعدة معرفية ينبغي أن تكون من أشد قواعد التفكير العلمي صرامة: عدم قدرة العلم على تفسير شيء ليست برهاناً على أنه خارق للطبيعة، مثلما أن قدرة العلم على تصور آلية طبيعية لشيء ليست برهاناً على انتفاء إمكان التدخل الإلهي فيه.
وبهذا المعنى، يكون احترام الحدود المعرفية موقفاً مطلوباً من الطرفين. فلا يجوز للخطاب التديني أن يضع «الله» في كل فجوة لم يستطع العلم تفسيرها بعد، لأن تاريخ العلم مليء بظواهر كانت مجهولة ثم أصبحت مفهومة. وبالمقابل، لا يجوز للخطاب العلمي أن يحول كل ظاهرة دينية إلى مسألة فيزيائية أو بايولوجية ثم يعلن أن تفسيره الطبيعي قد أنهى السؤال الديني، لأن ذلك يعني أنه أجاب عن سؤال غير السؤال الذي طرحه الادعاء الديني أصلاً.
ولعل الخلط بين المنهجية الطبيعية والمقاربة الفلسفية للدين هو أحد مصادر هذه المشكلة. فالعلم، لكي يعمل، يبحث عن الأسباب الطبيعية القابلة للرصد والاختبار والقياس. وهذا مبدأ منهجي قد اثبت نجاحه الساحق. ولكن القول إن «العلم يبحث عن الأسباب الطبيعية» يختلف منطقياً عن القول إن «الأسباب الطبيعية هي كل ما يوجد»! فالأول قاعدة للعمل العلمي، أما الثاني فهو موقف فلسفي يتجاوز العلم التجريبي ذاته.
ومن هنا فإن العالِم يستطيع، بصفته عالِماً، أن يقول: لا أملك أداة علمية لاختبار التدخل الإلهي في هذه الواقعة. ولكنه حين يقول: بما أنني لا أستطيع إدخال التدخل الإلهي في نموذج علمي، فإن التدخل الإلهي لم يقع، يكون قد انتقل من ممارسة العلم إلى تبني حكم ميتافيزيقي يحتاج إلى تبرير مستقل.
إن أعظم قوة للعلم لم تكن يوماً في قدرته على الحديث في كل شيء، وإنما في صرامته في تحديد الأشياء التي يستطيع الحديث عنها بكفاءة. والحدود المعرفية ليست علامة ضعف، بل هي شرط من شروط المعرفة الدقيقة. فالخريطة التي تزعم أنها خريطة لكل شيء لا تعود خريطة نافعة لشيء بعينه. ولذلك قد نكون بحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار لمبدأ الاختصاص المعرفي: أن يسأل كل حقل معرفي، قبل أن يقدم تفسيراً، سؤالاً سابقاً على التفسير نفسه: هل الظاهرة التي أحاول تفسيرها تقع ضمن المجال الذي صُممت أدواتي لدراسته؟ فليس كل ما يحدث في العالم موضوعاً للفيزياء، وليس كل ما يتعلق بالكائن الحي موضوعاً للبايولوجيا، وليس كل ما له أثر نفسي موضوعاً يمكن اختزاله في علم النفس. والأهم من ذلك أن وجود آثار مادية لادعاء ميتافيزيقي لا يحوِّل ذلك الادعاء، بكامله، إلى مسألة تجريبية.
وإذا كانت المعجزة، كما يقدمها الدين، تمثل نقطة تماس بين عالم الشهادة وعالم الغيب، فإن العلم يستطيع أن يدرس جانب الشهادة منها بقدر ما بقيت له آثار قابلة للفحص؛ أما أن يعبر من دراسة الأثر إلى القطع بطبيعة العلة الغيبية أو نفيها، فذلك عبور لحد معرفي لا تمنحه إياه أدواته التجريبية.
وهكذا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً، فالعلم الذي حقق نجاحه التاريخي العظيم لأنه تعلم كيف يحدد مجال اختصاصه قد يخاطر أحياناً بصرامته حين يتصرف كما لو أن نجاحه داخل ذلك المجال قد منحه مشروعية للبحث في الظواهر التي تقع خارجه. فالدفاع عن حدود العلم، بهذا المعنى، ليس دفاعاً عن الدين ضد العلم، ولا محاولة لتحصين المعجزات من السؤال والنقد، وإنما هو دفاع عن مبدأ معرفي أشمل: ألا ندّعي لأداة من أدوات المعرفة قدرة لم تثبت أنها تمتلكها. فالتواضع المعرفي لا يطلب من العلم أن يعرف أقل، وإنما أن يميز بدقة أكبر بين ما يعرفه، وما يستطيع أن يبحث فيه، وما لا تسمح له أدواته بعدُ بأن يصدر حكماً نهائياً فيه. وربما كان ذلك التمييز، في زمن تتسع فيه قدرة العلم بقدر غير مسبوق، أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

أضف تعليق