الأمومة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا

قلّما توجد علاقة إنسانية أُحيطت عبر التاريخ بقدر من التعظيم والتمجيد يضاهي ما أُحيطت به الأمومة. فالأم، في المخيال الإنساني، ليست مجرد أحد الوالدين، وإنما تحولت في كثير من الثقافات إلى رمز للتضحية والحنان والعطاء غير المشروط، حتى كادت الأمومة تصبح قيمة قائمة بذاتها، منفصلة عن الشروط البايولوجية والتطورية التي نشأت في إطارها. وفي مقابل هذا الارتفاع بمكانة الأم، جرى في أحيان كثيرة التعامل مع الأبوة كما لو كانت وظيفة لاحقة أو مساعدة أو أقل أصالة في العلاقة بالنسل.
غير أن إعادة مقاربة الأمومة من منظور يجمع بين البايولوجيا والميتابايولوجيا تقتضي منا أن نعود خطوة إلى الوراء، وأن نحاول النظر إلى الظاهرة قبل أن تغطيها طبقات كثيفة من التمثلات الثقافية والعاطفية والأخلاقية. وليس المقصود بذلك الحط من شأن الأمومة أو إنكار قيمتها الإنسانية، وإنما التمييز بين ما تنتمي به الأمومة إلى التاريخ البايولوجي للكائن الحي، وبين ما أضافه الإنسان إليها لاحقاً من معانٍ وتمثلات لا يمكن إرجاعها جميعاً إلى ذلك التاريخ.
ففي العالم البايولوجي، لا يبدو أن الطبيعة قد «اختارت» الأم لكي تقوم برعاية النسل لأنها أرفع منزلة من الأب، ولا لأن للأمومة قيمة أخلاقية مستقلة في ذاتها. فالطبيعة، وفق ما يمكن تسميته قانون اقتصاد الطبيعة، لا تنفق طاقة وموارد وسلوكاً إلا بمقدار ما تتحقق من وراء ذلك منفعة تتصل ببقاء الفرد أو النوع واستمرار الأجيال.
ومن هذا المنظور، يصبح السؤال مختلفاً تماماً: لماذا تُكلَّف الأنثى في أنواع حيوانية كثيرة بالقسط الأكبر من رعاية الصغار؟
إن الجواب لا يحتاج بالضرورة إلى افتراض امتياز وجودي للأم على الأب؛ إذ يمكن فهم جانب كبير منه في ضوء الاقتصاد البايولوجي لعملية التناسل. فإذا كان بمقدور فرد واحد أن يؤدي القدر اللازم من الرعاية الذي يضمن بقاء النسل، فما المنفعة من تعطيل فردين لهذه المهمة؟ إن إشراك الأب والأم معاً في كل الحالات، مع إمكان قيام أحدهما بالمهمة بالقدر الكافي، يعني إنفاقاً إضافياً لا تقتضيه المصلحة التطورية. ولهذا تتعدد أنماط الرعاية التي يقوم بها الوالدان في عالم الحيوان تعدداً كبيراً. ففي أنواع كثيرة تتحمل الأنثى العبء الأكبر، وفي أنواع أخرى يؤدي الذكر دوراً مهماً، وفي أنواع ثالثة يقتسم الأبوان رعاية الصغار بدرجات مختلفة. ويظهر هذا بوضوح في عدد كبير من أنواع الطيور التي تصبح فيها مشاركة الأبوين ذات منفعة مباشرة، لأن إطعام الفراخ وحمايتها ورعايتها يتطلب جهداً لا يكفي للقيام به أحد الأبوين منفرداً بالكفاءة المطلوبة.
وهنا تظهر قاعدة بالغة الدلالة: الطبيعة لا تعظّم الأمومة ولا تحط من الأبوة؛ فهي توزع استثمار رعاية الوالدين للصغار وفق مقتضيات البقاء والتناسل. بل إن مجرد المقارنة بين الأنواع الحيوانية تكفي لتحريرنا من التصور الذي يجعل الأمومة قيمة بايولوجية مطلقة. فلو كانت رعاية الأنثى لنسلها نابعة من «جوهر أمومي» مستقل عن المنفعة البايولوجية، لكان من الصعب تفسير ذلك التنوع الهائل في مقدار الرعاية ومدتها وأشكالها بين الأنواع. أما إذا نظرنا إليها بوصفها استراتيجية تطورية، فإن اختلافها يصبح مفهوماً. فالرعاية تستمر حيث توجد منفعة من استمرارها، وتتراجع حيث تقل هذه المنفعة، ويشارك الأب حيث تكون مشاركته نافعة، ويغيب حيث لا تكون هناك حاجة تطورية كافية إليها.
وهذا لا يجعل الأمومة الحيوانية شيئاً تافهاً أو ميكانيكياً. فالارتباط بين الأم وصغارها قد يكون بالغ القوة، وقد تشتمل الرعاية على سلوكيات مدهشة من الحماية والمخاطرة والدفاع. ولكن الخطأ يبدأ عندما ننقل اللغة الأخلاقية والوجدانية الإنسانية إلى عالم الحيوان، ثم نعيد استيراد الصورة التي صنعناها نحن لكي نفسر بها أمومة الإنسان نفسها! عندئذ نقع في دائرة تفسيرية صنعها فائض التمثّل، وذلك حين نُسقط معانينا على الطبيعة، ثم نستشهد بالطبيعة لإثبات أن هذه المعاني كامنة فيها منذ البداية! ولكن الإنسان لا يعيش في العالم البايولوجي وحده. وهنا تبدأ النقلة التي تجعل الأمومة البشرية أكثر تعقيداً بكثير من الرعاية الوالدية (Parental care) في صورتها الحيوانية.
فمع الانتقال إلى العالم الميتابايولوجي لم تعد العلاقة بين الأم والطفل محكومة بما يضمن بقاء الصغير إلى أن يصبح قادراً على الاستقلال فحسب. فلقد دخلت إلى هذه العلاقة الذاكرة واللغة والهوية والضمير والتوقعات الاجتماعية والالتزامات الأخلاقية وصور الذات وتمثلات الإنسان عن الأسرة والأم والأب والطفل.
ومن ثم أصبحت الأمومة البشرية ظاهرة ذات طبقتين على الأقل: طبقة بايولوجية قديمة، وطبقة ميتابايولوجية تراكمت فوقها. فالمرأة البشرية تحمل وتلد وترضع في إطار بنية بايولوجية ورثتها من التاريخ التطوري للنوع، ولكنها لا تعيش هذه الوظائف بوصفها أحداثاً بايولوجية فحسب؛ فهي تعرف أنها «أم»، والمجتمع يخبرها بما ينبغي أن يعنيه أن تكون أماً، وهي نفسها تبني تمثلاً للأمومة وتقارن سلوكها به، وقد تشعر بالنجاح أو التقصير أو الذنب تبعاً للمسافة بين سلوكها الفعلي وذلك التمثل.
وهذه الإضافة الميتابايولوجية هي التي تجعل الأمومة الإنسانية مختلفة نوعياً في جوانب مهمة عن نظيرتها الحيوانية. فالحيوان يمارس الرعاية؛ أما الإنسان فإنه، فضلاً عن ممارسته لها، يصنع معنى للرعاية التي يمارسها!.
ومن هنا أيضاً نشأ جانب من التضخيم التاريخي لصورة الأمومة. فما كان في أصله استثماراً بايولوجياً ضرورياً لبقاء النسل تحول، عبر فائض التمثّل، إلى منظومة ضخمة من المعاني والرموز والتوقعات. وأصبحت الأم مطالبة، في بعض التصورات الثقافية، بأن تكون مصدراً غير محدود للعطاء والتسامح والتضحية، حتى كأن الأمومة أخرجتها من الطبيعة البشرية نفسها وجعلتها كائناً لا ينبغي أن تحكمه الحاجات والحدود والمصالح التي تحكم بقية البشر!.
والمفارقة أن هذا التعظيم قد لا يكون دائماً في مصلحة المرأة نفسها. فتحويل الأم إلى رمز مطلق للتضحية قد يصبح وسيلة لفرض تضحيات غير محدودة عليها، ثم اعتبار رفضها لبعضها إخفاقاً في الأمومة. وبذلك يمكن للصورة المثالية التي يُفترض أنها ترفع مكانة الأم أن تتحول إلى عبء وجودي عليها!.
وتكشف المقاربة نفسها عن مشكلة أخرى هي الحط غير المقصود من القيمة الممكنة للأبوة. فإذا كان الدور المحدود للأب في رعاية النسل في بعض الأنواع الحيوانية مرتبطاً باقتصاد الطبيعة، فلا يوجد ما يلزم منه أن يبقى الدور نفسه محدوداً في الإنسان بعد التغير الجذري في شروط الحياة البشرية. فلقد غيّر الإنسان البيئة التي يعيش فيها. وأدى الاستقرار في التجمعات البشرية، ثم القرى والمدن، وتطور الأسرة وتقسيم العمل، وتراكم الموارد، وامتداد مدة الطفولة الإنسانية، إلى إيجاد شروط جديدة تسمح للأب بالمشاركة في تربية الطفل بدرجة أكبر بكثير مما قد تتطلبه بعض أنماط الرعاية الحيوانية. ثم جاء الانتشار الواسع للزواج الأحادي ليزيد من أهمية هذه المشاركة. فحين تستقر علاقة رجل وامرأة زمناً طويلاً داخل وحدة أسرية واحدة، وتصبح رعاية الأبناء مشروعاً يمتد سنوات طويلة، فإن الاقتصار على التصور القديم الذي يجعل الأم صاحبة الوظيفة الأصلية والأب مجرد مساعد لها يفقد كثيراً من وجاهته. بل يمكن القول إن المجتمع الإنساني صنع شروطاً أصبح فيها من الممكن إعادة توزيع كثير من أعباء الرعاية بين الوالدين، باستثناء الوظائف التي تظل مرتبطة بالاختلافات الجسدية المباشرة، كالحمل والولادة والرضاعة الطبيعية.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج الانتقال من البايولوجيا إلى الميتابايولوجيا. فليس كل ما كان ذا أصل بايولوجي ملزماً بأن يحتفظ بالتوزيع نفسه للأدوار بعد تغير شروط الوجود الإنساني. فكما أن الإنسان تجاوز كثيراً من القيود التي كانت تتحكم بحياة أسلافه، فإن الأبوة نفسها تستطيع أن تتخذ صوراً لم يكن اقتصاد الطبيعة في بعض البيئات والأنواع بحاجة إليها.
ربما تكون إحدى الأفكار التي تحتاج إلى إعادة نظر هي الاعتقاد الضمني بأن المرأة، بحكم كونها أماً، تمثل الصورة الأصلية والكاملة للوالدية (parenthood)، بينما يمثل الرجل صورة ناقصة منها. وهذا التصور يخلط بين حقيقة بايولوجية وحكم قيمي. فصحيح أن جسم الأنثى البشرية يتحمل أعباء لا يستطيع جسم الرجل تحملها كالحمل والولادة، والرضاعة الطبيعية حين تحدث. وصحيح أن هذه الوظائف تخلق شروطاً خاصة للعلاقة المبكرة بين الأم والطفل. ولكن لا يلزم من ذلك أن تكون جميع الأبعاد النفسية والأخلاقية والتربوية للرعاية امتداداً حصرياً لهذه الوظائف. فالحماية والتعليم والتوجيه والاحتضان النفسي والإنفاق ومتابعة النمو وتكوين الشعور بالأمان وبناء شخصية الطفل ليست وظائف للرحم ولا للغدد اللبنية. بل أنها، في جانب كبير منها، وظائف إنسانية يمكن أن يشارك فيها الأب والأم على حد سواء، وإن اختلف شكل المشاركة ومقدارها تبعاً للظروف الفردية والاجتماعية. وبذلك فإن إعادة الاعتبار للأب لا تتطلب الانتقاص من الأم، كما أن الاعتراف بالأساس البايولوجي للأمومة لا يقتضي إنكار ما اكتسبته الأمومة الإنسانية من أبعاد وجدانية وأخلاقية. فالمطلوب هو التخلص من منطق المفاضلة ذاته.
ولعل الفارق الأعمق، في النهاية، لا يكمن في أن الأم البشرية تحب صغيرها بينما لا تفعل الأم الحيوانية ذلك، ولا في أن الأولى تضحي بينما الثانية لا تضحي؛ فمثل هذه الصياغات تنطوي على إسقاط للمفاهيم الإنسانية على ظواهر بايولوجية شديدة التعقيد.
فالفارق الأكثر دلالة هو أن الإنسان لا يكتفي بأن يكون أباً أو أماً، وإنما يعرف أنه أب أو أم، ويبني حول هذه المعرفة عالماً كاملاً من التمثلات. فالأم البشرية لا ترعى طفلها فحسب، بل تحمل تصوراً لما ينبغي للأم أن تكون عليه. والأب لا يشارك في الرعاية فحسب، بل يحمل تصوراً عن الأبوة. والطفل نفسه يتعلم لاحقاً ما تعنيه «الأم» وما يعنيه «الأب»، ثم يقارن والديه بتلك الصور التي صنعتها الثقافة والتجربة والذاكرة.
وهنا بالضبط تدخل الأمومة والأبوة عالم الميتابايولوجيا. فالميتابايولوجيا لا تنكر البايولوجيا، وإنما تسأل عما حدث للوظيفة البايولوجية حين دخلت عالم الإنسان وأصبحت موضوعاً للوعي واللغة والرمز والهوية والأخلاق وفائض التمثّل. ومن هذا المنظور، لا يكون تطهير مفهوم الأمومة من المبالغات التاريخية إساءة إلى الأم، وإنما محاولة لفهمها بصورة أدق. فالمرأة ليست عظيمة لأنها تؤدي وظيفة لا نظير لها في الطبيعة؛ فملايين الأمهات في عالم الحيوان تحمل وترضع وتحمي وتطعم وتخاطر بنفسها دفاعاً عن نسلها. وإنما تكمن خصوصية الأمومة البشرية في أن وظيفة بايولوجية قديمة دخلت عالماً جديداً من الوعي والاختيار والمسؤولية والمعنى. وكذلك الأبوة، فهي ليست نسخة باهتة من الأمومة، وإنما هي إمكانية والدية اكتسبت، مع التحول الميتابايولوجي وتغير شروط الحياة البشرية، مجالاً متزايداً لكي تتجاوز الحدود التي ربما رسمها لها اقتصاد الطبيعة في بعض صور الحياة الحيوانية. ولذلك فإن المقاربة الجديدة للأمومة لا ينبغي أن تسأل: من أعظم، الأم أم الأب؟ فهذا سؤال صنعته التمثلات الإنسانية أكثر مما صنعته الطبيعة. فالسؤال الأجدر بالبحث هو: كيف تحولت وظيفة الرعاية البايولوجية، بعد ظهور الإنسان، إلى منظومة ميتابايولوجية من الحب والواجب والهوية والتضحية والتمثل والمسؤولية؟ عندئذ فقط يمكن أن نفهم الأمومة من دون أن نقدّسها، والأبوة من دون أن نهمشها، والبايولوجيا من دون أن نختزل الإنسان فيها، والميتابايولوجيا من دون أن ننسى الأرض القديمة التي نبتت فوقها.
فالأمومة، بهذا المعنى، ليست ظاهرة واحدة انتقلت كما هي من الحيوان إلى الإنسان، وإنما هي مثال بالغ الوضوح على التحول الذي أصاب الظاهرة الإنسانية بكافة أوجهها تقريباً؛ إذ أنها بدأت وظيفةً تقتضيها الحياة، ثم أصبحت عند الإنسان معنىً يحاول أن يفهم به الحياة نفسها.

أضف تعليق