
من أكثر الأقوال شيوعاً في الثقافة العربية والإسلامية قول النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت”. وغالباً ما تُفهم هذه العبارة في إطارها الأخلاقي المباشر: فالحياء فضيلة تردع الإنسان عن القبائح، ومن فقد الحياء لم يبق أمامه ما يمنعه من ارتكاب ما يشاء من الأفعال. وهذا الفهم، على وجاهته، قد لا يستنفد الدلالة الإنسانية الأعمق التي تكشف عنها هذه المقولة؛ لأنها تضع أيدينا على ظاهرة بالغة الدلالة في تكوين الإنسان نفسه وتتمثل في قدرته على الامتناع عن الفعل، لا لأن الفعل مستحيل، ولا لأن قوة مادية تحول دونه، وإنما لأن تمثّلاً ما يقف بينه وبين ما يريد أن يفعل.
وهنا تحديداً تظهر الصلة بين الحياء وما يمكن تسميته فائض التمثّل. فالإنسان، بخلاف الحيوان في صورته البايولوجية المباشرة، لا يعيش داخل عالم الأشياء والأفعال وحدها، وإنما يعيش كذلك داخل عالم الصور التي يصنعها عن الأشياء وعن نفسه وعن الآخرين. وهو لا يسأل فقط: ماذا أريد؟ وماذا أستطيع أن أفعل؟ وإنما يسأل أيضاً، بصورة واعية أو غير واعية: كيف سأبدو إذا فعلت ذلك؟ وماذا سيقول الآخرون عني؟ وكيف سيرونني؟ وكيف سأرى نفسي بعد أن أفعل؟ وبين الرغبة والفعل تنشأ، بذلك، طبقة جديدة لم تكن موجودة في العلاقة البايولوجية المباشرة بين الدافع والاستجابة، ألا وهي طبقة التمثّل. ولكي ندرك القيمة الدلالية لهذه الطبقة، يكفي أن نتخيل فعلاً يستطيع الإنسان القيام به، ولا توجد قوة مادية تمنعه منه، فقد يكون وحيداً، وقد يكون آمناً من العقوبة، وقد يستطيع الحصول على ما يريد دون أن يتعرض لخطر مباشر. ومع ذلك فقد يتراجع عن الفعل. فما الذي منعه؟ ففي حالات كثيرة لن يكون الجواب خوفه من الألم أو العقوبة، وإنما شيء أكثر تجريداً يتمثل في كونه يستحي. والحياء، بهذا المعنى، ظاهرة لافتة للغاية؛ لأنه يبين أن الإنسان يستطيع أن يتصرف تحت تأثير واقع غير موجود مادياً أمامه. فالآخرون قد لا يكونون حاضرين، ومع ذلك يكون حضورهم التمثّلي كافياً لردعه. وقد لا يعرف أحد بالفعل ما فعل، ولكنه يتخيل ماذا كان سيحدث لو عرفوا. بل قد يكون متيقناً من أن أحداً لن يعرف، ومع ذلك يعجز عن الفعل لأن صورة نفسه في وعيه لا تسمح له بذلك.
وهنا نصل إلى إحدى الخصائص الجوهرية لفائض التمثّل، وهي أن ما يمثله الإنسان في وعيه يستطيع أن يكتسب قوة سببية تضاهي، أحياناً، قوة الموجود الفعلي. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى عين تراه؛ إذ يستطيع أن يحمل العين معه. ولا يحتاج دائماً إلى مجتمع يراقبه؛ إذ يستطيع أن يحمل المجتمع في داخله! ولا يحتاج دائماً إلى شخص يوبخه؛ لأنه يستطيع أن يتخيل ذلك الشخص، أو يستبطن حكمه، أو يصبح هو نفسه القاضي الذي يراقب أفعاله.
ولعل هذا يفسر لماذا يرتبط الحياء، في كثير من صوره، بفكرة “الانكشاف”. فالإنسان يستحي حين يشعر بأن شيئاً منه قد أصبح، أو يمكن أن يصبح، موضوعاً لنظر الآخر وتقييمه. ولكن اللافت أن الآخر لا يُشترط أن يكون موجوداً بالفعل. فالإنسان يستطيع أن يستحي وهو وحده. وهذه الحقيقة البسيطة تحمل دلالة عميقة، وذلك لأنها تعني أن المجتمع، بعد أن يعيش الإنسان فيه زمناً، لا يبقى خارج الإنسان وحده، وإنما ينتقل جانب منه إلى داخله. فتصبح نظرات الآخرين المفترضة جزءاً من الجهاز الذي ينظم به الإنسان سلوكه. فهو لا يرى نفسه بعينيه وحدهما، وإنما يستطيع أن يرى نفسه كما يتخيل أن الآخرين يرونه! وهذه قدرة تمثّلية بالغة التعقيد. فالإنسان في لحظة واحدة يصبح فاعلاً ومراقباً لفعله، ويضع نفسه في موضع الآخر، ثم ينظر من ذلك الموضع الافتراضي إلى نفسه، ثم يعدل سلوكه استجابةً للصورة التي صنعها.
وبذلك لا يعود السؤال: ماذا أريد أن أفعل؟ بل يصبح: ماذا سأصبح في عينيّ أو في أعين الآخرين إن فعلت ما أريد؟
وهذه المسافة بين الرغبة وصورة الذات قد تكون إحدى أهم المسافات التي قامت عليها الحياة الاجتماعية الإنسانية.
ومن هنا تكتسب عبارة “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت” دلالة تتجاوز الوعظ الأخلاقي المباشر. فهي تكاد تصف، بعبارة شديدة الإيجاز، ما يحدث عندما تسقط واحدة من أهم آليات الضبط التمثّلي للسلوك. فالمقولة لا تقول: إذا لم تخف العقوبة فافعل ما شئت. ولا تقول: إذا لم يوجد من يمنعك فافعل ما شئت. وإنما تجعل الحياء الحد الفاصل بين الإنسان وبين انطلاق إرادته بلا قيد. وكأن المشكلة ليست دائماً في أن الإنسان لا يستطيع فعل ما يشاء، وإنما في وجود شيء داخل وعيه يجعله لا يريد أن يرى نفسه فاعلاً لبعض ما يستطيع فعله. وهذا فرق بالغ الدلالة. فقد يمتلك الإنسان القدرة والرغبة والفرصة، ثم يمتنع؛ لأن الفعل يهدد تمثّلاً يريد الاحتفاظ به، وهو تمثّله عن نفسه بوصفه محترماً، أو نزيهاً، أو وفياً، أو كريماً، أو شريفاً، أو جديراً بنظر الآخرين. وبذلك يصبح الحفاظ على الصورة أحياناً أقوى من إشباع الرغبة.
غير أن الحياء لا ينبغي اختزاله في الخوف من كلام الناس؛ لأن أكثر أشكاله تطوراً يبدأ عندما يستقل المعيار نسبياً عن وجود الجمهور. فالطفل قد يمتنع أول الأمر لأن والديه يراقبانه. ثم يتعلم لاحقاً أن يمتنع وهما غائبان. وبعد زمن قد يصبح قادراً على مراقبة نفسه بنفسه، حتى لو ضمن ألا يعرف أحد ما فعل. فالسلطة هنا قد انتقلت من الخارج إلى الداخل. وفي هذه النقلة تظهر إحدى أعظم نتائج التمثّل في تاريخ الإنسان تتمثل في تحويل الرقابة الاجتماعية الخارجية إلى رقابة ذاتية. وما كان المجتمع يحتاج في كل لحظة إلى شرطي يقف بجوار كل إنسان، ولا إلى شاهد يراقب كل فعل؛ لأن الإنسان نفسه أصبح قادراً على حمل جانب من النظام الاجتماعي في وعيه.
ولعل الحضارة لم تكن لتصبح ممكنة بالحجم الذي نعرفه لو ظل ضبط السلوك متوقفاً بالكامل على وجود القوة الخارجية. فالقانون يستطيع أن يمنع بعض الأفعال، والعقوبة تستطيع أن تردع بعضها الآخر، لكن المجتمع يحتاج أيضاً إلى ملايين الأفعال التي لا تقع، مع أنه لا توجد في اللحظة ذاتها قوة مادية تمنع وقوعها. وهنا تعمل منظومات مثل الحياء والضمير والسمعة والشرف والكرامة وصورة الذات. وعلى اختلاف هذه المفاهيم، فإن بينها قاسماً تمثّلياً مشتركاً هو أن الإنسان يتصرف على أساس صورة تتجاوز الواقع المادي المباشر للفعل.
غير أن القول بالدور التنظيمي للحياء لا يعني تمجيد كل أشكاله. ففائض التمثّل، كما يستطيع أن ينظم السلوك، فإنه يستطيع كذلك أن يتحول إلى عبء ثقيل على الإنسان. فالمرء قد يستحي مما لا ينبغي أن يستحي منه، وقد يمتنع عن فعل مشروع أو عمل ضروري لأنه يخشى صورة الآخرين عنه! وقد تتحول الجماعة إلى سلطة تمثّلية طاغية تجعل الفرد يعيش حياته كلها تحت سؤال واحد: ماذا سيقول الناس؟ وهنا ينقلب الحياء من آلية تساعد على ضبط السلوك المؤذي إلى آلية لضبط الإنسان نفسه وإخضاعه لتمثلات الجماعة. فقد يستحي الفقير من فقره، والمريض من مرضه، والضعيف من طلب المساعدة، والإنسان من جسده أو مهنته أو أصله أو خطئه العابر، لا لأن في شيء من ذلك ما يستوجب الحياء بذاته، وإنما لأن الثقافة نجحت في إحاطة هذه الأشياء بتمثلات سلبية. وهذا يؤكد مرة أخرى قوة التمثّل؛ فالإنسان لا يستجيب دائماً للأشياء كما هي، وإنما للصور والمعاني التي أُلصقت بها. ومن ثم فإن الحياء نفسه ليس دليلاً تلقائياً على وجود خطأ أخلاقي؛ فقد يكون الحياء أحياناً استجابة أخلاقية رفيعة، وقد يكون في أحيان أخرى مجرد أثر لسلطان الجماعة في الفرد.
كما وتكشف مقولة “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت”، إذا قرئت من هذه الزاوية، شيئاً يتجاوز معناها الوعظي المباشر، وذلك لإنها تكشف واحداً من الفروق الأساسية بين كائن يستجيب لدوافعه في حدود الواقع المباشر، وكائن يستطيع أن يقيم بين الدافع والفعل عالماً كاملاً من الصور والمعاني والاحتمالات والأحكام. فالإنسان لا يعيش مرة واحدة. فهو يعيش الفعل، ويعيش في الوقت نفسه صورته عن نفسه وهو يقوم بالفعل. ويعيش علاقته بالآخر، ويعيش أيضاً تصوره لما يمثله هو في وعي ذلك الآخر! ويستجيب للحاضر، لكنه يستجيب كذلك لمشهد افتراضي لم يقع بعد: ماذا لو عرف الناس؟ ماذا لو رآني فلان؟ ماذا سأقول عن نفسي غداً؟ أي إنسان سأصبح إذا فعلت هذا؟ وهكذا يتحول التمثّل من قدرة على تصور العالم إلى قوة تعيد تنظيم السلوك نفسه.
ولعل إحدى أعظم النقلات التي أحدثها فائض التمثّل في الإنسان هي أنه فصل بين سؤالين كان يمكن أن يظلا متطابقين: الأول (ما الذي أستطيع فعله؟) والثاني (ما الذي يليق بي أن أفعله؟). فالسؤال الأول يتعلق بالقدرة، أما الثاني فيفترض وجود صورة للذات، ومعيار، ونظرة إلى النفس من خارجها، وتمثّلاً لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان. وبين هذين السؤالين نشأت مساحة واسعة من الحياة الإنسانية كـ الأخلاق، والسمعة، وعزة النفس، والشرف، والضمير، والحياء، وربما جانب كبير من إمكان المجتمع البشري نفسه.
ولذلك فإن العبارة الشائعة “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت” قد تكون أكثر من مجرد دعوة إلى التحلي بالحياء. بل أنها، من منظور الميتابايولوجيا، تمثل وصفاً مكثفاً للسلطة التي اكتسبها التمثّل على الكائن الإنساني. فالإنسان يستطيع أن تُقيّده الأشياء الموجودة أمامه، وهذه حقيقة بايولوجية بسيطة. ولكن الأغرب منه بكثير أن يستطيع أن تُقيّده أشياء لا وجود لها إلا في وعيه تتمثل في نظرة متخيَّلة، وحكم متوقَّع، وصورة للذات، وإنسان يريد أن يظل قادراً على رؤيته كلما نظر إلى نفسه. وحينما تصبح صورة الإنسان عن نفسه قادرة على منعه مما تستطيع فعله يداه، عندها سنكون أمام واحدة من أوضح العلامات على المسافة الهائلة التي قطعها فائض التمثّل داخل الوعي البشري.
