” وَاضْرِبُوهُنَّ”… ماذا لو كانت الآية الكريمة تقيد الضرب بدلاً من أن تأمر به؟

قلّما أثارت آية من آيات القرآن العظيم في العصر الحديث من الجدل مثلما أثاره قوله تعالى في سورة النساء: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}. وقد انقسمت المقاربات المعاصرة لهذه الآية الكريمة بين من يتمسك بالمعنى المباشر للضرب، ومن يحاول تخفيفه، ومن يبحث للفعل عن معنى لغوي آخر يخرجه من معنى الضرب الجسدي أصلاً. غير أن المشكلة قد تبدأ قبل ذلك كله، من السؤال الذي نطرحه على النص القرآني. فنحن نسأل عادة: لماذا أمر القرآن العظيم الرجل بضرب زوجته؟ ولكن ماذا لو كان هذا السؤال نفسه مبنياً على افتراض يحتاج إلى المراجعة؟ وماذا لو لم يكن النص القرآني بصدد إنشاء ممارسة جديدة اسمها ضرب الزوجة، وإنما كان يتعامل مع ممارسة اجتماعية شديدة القِدم، راسخة في المجتمعات البشرية، ويحاول إخضاعها لنظام من القيود يجعل الوصول إليها أصعب، لا أسهل؟
هنا قد يصبح السياق التاريخي والاجتماعي مفتاحاً لفهم مختلف للآية الكريمة.
إن القرآن العظيم لم “يخترع” ضرب النساء. ولم يكن الرجل في المجتمعات القديمة ينتظر نزول نص ديني لكي يعرف أن القوة الجسدية وسيلة يستطيع استخدامها ضد امرأة أضعف منه جسدياً. فالعنف ضد النساء ظاهرة ضاربة بجذورها في التاريخ الإنساني، ولم تستطع حتى المجتمعات الحديثة، بما تملكه من قوانين ومحاكم ومؤسسات إنفاذ للقانون وحركات للدفاع عن حقوق المرأة، أن تستأصلها تماماً. وهذه الحقيقة التاريخية ينبغي أن تكون حاضرة قبل تفسير الآية الكريمة، لا بعدها.
فحين ينزل النص القرآني في مجتمع توجد فيه ممارسة سابقة عليه، ينبغي التمييز بين إنشاء الممارسة وبين تنظيم ممارسة موجودة وتقييدها. وهذه قاعدة مهمة في قراءة النصوص التشريعية عموماً؛ إذ ليس كل فعل يرد في تشريع دليلاً على أن التشريع هو الذي أنشأ ذلك الفعل أو أراد توسيع نطاقه.
ومن هنا يمكن أن نطرح السؤال بطريقة أخرى: ماذا لو كانت دلالة الآية الكريمة لا تظهر حين نقتطع كلمة «واضربوهن» من سياقها، وإنما حين ننظر إلى الطريق الطويل الذي وضعه النص القرآني قبلها؟
ومن اللافت للنظر أن كثيراً من الجدل حول الآية الكريمة يتعامل معها كما لو أنها لا تحتوي إلا على كلمة واحدة: “واضربوهن”. ولكن الآية الكريمة لا تقول ببساطة ما مفاده: إذا وقع خلاف بين الرجل وزوجته فليضربها، ولكنها تبني تسلسلاً محدداً: الخوف من النشوز ثم الموعظة ثم الهجر في المضجع ثم الضرب. وهذا الترتيب ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه. فإذا كان النص القرآني قد اختار ثلاثة إجراءات متعاقبة بدلاً من إجراء واحد، فإن ترتيبها نفسه جزء من الدلالة.
والسؤال الذي قلما يُطرح هو: ماذا يحدث لو أُخذ هذا التسلسل مأخذ الجد؟ فالرجل الغاضب الذي اعتاد استخدام يده لا يفعل، في العادة، شيئاً من ذلك، فهو لا يجلس أولاً ليعظ زوجته، ثم يمنح العلاقة زمناً، ثم ينتقل إلى الهجر في المضجع، ثم ينتظر ما تسفر عنه هذه المرحلة. فالعنف الانفعالي يقوم، على العكس، على اختصار المسافة بين الغضب والفعل.
وهنا تحديداً يمكن أن نفهم الوظيفة النفسية والاجتماعية للتسلسل القرآني. فالآية الكريمة، وفق هذه المقاربة التفسيرية الجديدة، تضع مسافة بين الانفعال والعنف. فللعدوان البشري طبيعة انفعالية في كثير من حالاته. فالإنسان يثور، فيريد الاستجابة فوراً. وكلما طالت المسافة الزمنية بين المثير والاستجابة، أصبحت هناك فرصة أكبر لانخفاض شدة الانفعال، وإعادة التفكير، ودخول عوامل أخرى في الموقف. وهذا يجعل الترتيب الوارد في الآية الكريمة بالغ الدلالة. فالموعظة ليست ضرباً. والهجر في المضجع ليس ضرباً. والانتقال من الأولى إلى الثانية يحتاج زمناً وتفاعلاً ومراجعة للموقف. فإذا التزم الرجل فعلاً بهذا المسار، لم يعد الرجل الذي يصل إلى نهايته هو نفسه، من الناحية الانفعالية، الذي كان يريد الرد في اللحظة الأولى.
وبهذا المعنى يمكن النظر إلى هذا التسلسل بوصفه آلية لكبح الاندفاع العدواني. فالرجل الذي يرفع يده على زوجته لحظة الغضب لا يكون قد طبق الآية الكريمة ثم وصل إلى «واضربوهن»، وإنما يكون قد ألغى، عملياً، البنية التي أقامتها الآية الكريمة كلها، وقفز مباشرة إلى آخر إجراء فيها. وهذه مفارقة جديرة بالتأمل، فقد يستشهد الرجل بكلمة من الآية الكريمة لتبرير فعله، بينما يكون سلوكه نفسه قد خالف ترتيب الآية التي يستشهد بها.
وهنا نصل إلى سؤال ربما كان من أبسط الأسئلة وأكثرها كشفاً للمشكلة: هل كان الرجل في ذلك المجتمع يحتاج فعلاً إلى نص إلهي كي يتعلم كيف يضرب زوجته؟
من الصعب تصور ذلك. فالرجل العنيف يعرف الضرب من دون تشريع، مثلما عرف البشر العنف قبل ظهور الشرائع المكتوبة. وإذا كانت الممارسة قائمة أصلاً، فإن قراءة النص القرآني كما لو أنه نزل لكي يمنح الرجل معلومة جديدة مفادها «يمكنك أن تضرب زوجتك» تبدو قراءة غريبة تاريخياً.
فما الجديد الذي جاء به النص القرآني إذاً؟ الجديد، وفق هذه المقاربة، ليس الضرب، وإنما القيود التي وُضعت قبله. فالجديد أن اليد التي كانت تستطيع أن تمتد فوراً أصبح أمامها طريق ينبغي المرور به. والجديد أن الخلاف الزوجي لم يعد، وفق منطق النص القرآني، مبرراً مباشراً للعنف، وإنما أُدخل في مسار من المعالجة المتدرجة. وهكذا ينتقل مركز الدلالة من آخر كلمة في التسلسل إلى التسلسل نفسه.
لقد شعر عدد من المفسرين والفقهاء عبر التاريخ بثقل كلمة الضرب، فظهرت محاولات لتقييده بالضرب غير المبرح، ووردت تصورات تجعل أداة الضرب شيئاً خفيفاً، حتى اشتهرت في الخطاب الفقهي والتفسيري الإشارة إلى السواك أو ما يشبهه. غير أن المشكلة المنهجية تبدأ حين يتحول الحرص على الدفاع عن النص القرآني إلى إعادة تشكيله بما نتصور نحن أنه أكثر قابلية للدفاع!
فالنص الإلهي، للمؤمن به، لا يحتاج إلى أن ننقذه باختراع صورة يكون فيها «الضرب» حركة رمزية لا تكاد تكون ضرباً. وإذا كان المعنى يثير إشكالاً، فالأولى أن نعيد بناء السياق التاريخي والاجتماعي والتشريعي الذي ورد فيه، بدلاً من تحويل الفعل إلى شيء آخر كي ينسجم مع حساسيتنا المعاصرة.
ولعل السؤال الأكثر فائدة هو ليس: بأي عصا يضرب؟ بل: لماذا وضع النص القرآني كل هذه المسافة قبل أن يصل إلى الضرب؟ فالتركيز على حجم العصا قد يجعلنا نفقد البنية التشريعية الكبرى للآية الكريمة.
تكتسب هذه القراءة معنى أعمق إذا وضعناها ضمن طريقة تعامل التشريع مع الواقع الاجتماعي. فالتغيير الاجتماعي لا يحدث دائماً بإلغاء الممارسة القائمة في لحظة واحدة. وقد يعمل التشريع أحياناً على تضييق مجال ممارسة راسخة، وإحاطتها بالشروط، وإدخال بدائل قبلها، بحيث تتراجع مساحة وقوعها تدريجياً. وبهذا المنظور يمكن النظر إلى الآية الكريمة باعتبارها حركة في اتجاه تقليص العنف الزوجي داخل مجتمع كان العنف فيه حقيقة اجتماعية سابقة على الإسلام. فما كان متاحاً للرجل بلا شروط أصبح محاطاً بشروط. وما كان يمكن أن يحدث لحظة الغضب أصبح مسبوقاً بمرحلتين. وما كان ممارسة اجتماعية مباشرة أصبح جزءاً من تسلسل لا يجوز اختزال أوله وآخره في كلمة واحدة. وبذلك لا تكون الرحمة بالمرأة كامنة في تعليم الرجل كيف يضربها، وإنما في وضع الحواجز بين يده وبين جسدها.
بل يمكن الذهاب خطوة أبعد. ماذا لو كان نجاح المرحلتين الأوليين يعني، في أغلب الحالات، أن المرحلة الثالثة لن تأتي أصلاً؟! فالموعظة تفتح باب التواصل. والهجر في المضجع ينقل الخلاف من الانفعال المباشر إلى حالة مختلفة تتضمن زمناً ومسافة ومراجعة. وخلال هذه المدة قد ينخفض الغضب، أو تُحل المشكلة، أو يتبين سوء الفهم، أو يدرك الطرفان أن استمرار النزاع يهدد العلاقة نفسها. وهكذا يصبح الإجراء الثالث نهاية لمسار يُرجى ألا يصل الإنسان إليها، لا غاية للمسار.
وهذه نقطة تختلف جذرياً عن تصور الآية الكريمة باعتبارها «أمراً بضرب النساء». فوجود إجراء في نهاية سلسلة مشروطة لا يعني بالضرورة أن الغرض من السلسلة هو الوصول إليه! فقد يكون الغرض، على العكس، جعل الوصول إليه استثنائياً وعسيراً. ويمكن تشبيه ذلك، من حيث البنية لا من حيث الموضوع، بكثير من الأنظمة القانونية التي تسمح بإجراء شديد في نهاية سلسلة من الإجراءات الأقل شدة. فوجود الإجراء الأخير لا يعني أن القانون يريد حدوثه؛ فقد تكون القيود السابقة له مصممة تحديداً لتقليل الحاجة إليه.
وهنا تظهر مفارقة أخرى في السلوك البشري. فالرجل الذي يريد تبرير ضرب زوجته قد يبدأ من حيث انتهت الآية: “واضربوهن”. ولكنه لا يسأل نفسه: هل وعظت؟ وهل منحت الموعظة وقتها؟ وهل انتقلت بعدها، لا قبلها، إلى الهجر في المضجع؟ وهل استنفدت هذه المرحلة بالفعل؟ فإذا لم يفعل ذلك، فبأي معنى يستطيع القول إنه طبق النص الذي يستشهد به؟! فهو في الحقيقة لم يتبع التسلسل القرآني، بل انتزع الإجراء الذي يوافق اندفاعه من منظومة القيود التي وضعها النص حوله! وبذلك يمكن أن تتحول الآية الكريمة التي جاءت، وفق هذه المقاربة، لتقييد العدوان إلى ذريعة للعدوان، بمجرد حذف ما قبل «واضربوهن» والإبقاء عليها وحدها.
ربما تكون هذه هي المفارقة الأعمق. فالإنسان لم يحتج في أي مرحلة من تاريخه إلى الوحي لكي يتعلم العدوان. فلقد عرف الانسان القتل والحرب والانتقام والإيذاء قبل الشرائع، ومارس الرجل العنف ضد المرأة قبل القرآن وبعده. ولذلك يبدو غريباً أن نفترض أن الوظيفة الأساسية للآية كانت أن تقول للرجل شيئاً يعرفه بالفعل ويمارسه بالفعل: اضرب! فالأكثر اتساقاً مع السياق التاريخي أن نسأل عما أضافه النص إلى الواقع الذي نزل فيه. فما أضافه ليس يد الرجل، فاليد كانت موجودة. وليس عدوانه، فالعدوان كان موجوداً. وليس قدرته الجسدية على إيذاء المرأة، فتلك القدرة أيضاً كانت موجودة. فما أضافه القرآن العظيم هو القيد. فوضع الموعظة قبل اليد. ووضع الهجر قبل اليد. ووضع الزمن قبل اليد. ووضع ترتيباً لا يملك الرجل أن يحذف منه ما لا يلائم غضبه ثم يزعم أنه امتثل للنص! ومن هنا يمكن اقتراح مقاربة تفسيرية مختلفة للآية الكريمة؛ فالآية الكريمة لم تنزل لكي تقول للرجل العنيف إن من حقه أن يضرب، لأن الرجل العنيف لم يكن ينتظر من يخبره بذلك. وإنما جاءت إلى عالم كان الرجل يضرب فيه المرأة، فبدأت تضع بين غضبه وبين جسدها سلسلة من الحواجز.
وقد تكون المفارقة التاريخية المؤلمة أن بعض الناس، بدلاً من أن يروا هذه الحواجز، أزالوها جميعاً، وأبقوا على الكلمة الأخيرة وحدها. وعندئذ تحول فهم الآية الكريمة، في الوعي الجمعي، من نص يمكن قراءته باعتباره تقييداً لممارسة موروثة من عالم بالغ العنف إلى نص يُستدعى لتبرير الممارسة نفسها.
ولعل إعادة الآية الكريمة إلى سياقها التاريخي والنفسي والاجتماعي تسمح لنا بأن نرى السؤال بصورة مختلفة تماماً. فليس السؤال هو (لماذا علّم الله الرجل أن يضرب المرأة؟) بل: كيف تعامل النص القرآني مع رجل كان يعرف الضرب أصلاً، لكي يجعل يده أبعد ما يمكن عن زوجته؟

أضف تعليق