كوارث طبيعية من صنع الإنسان… عالم الإنسان المليء بالدوائر المربعة!

ثمة عبارات تمر على أسماعنا لكثرة استعمالها من دون أن نتوقف طويلاً عند ما تنطوي عليه من تناقض. ولعل عبارة «كوارث طبيعية من صنع الإنسان» واحدة من أكثر هذه العبارات إثارة للتأمل؛ إذ كيف يمكن لشيء أن يكون طبيعياً ومن صنع الإنسان في الوقت نفسه؟! وكيف يمكن أن ننسب الكارثة إلى الطبيعة، ثم نعود فنقول إن الإنسان هو الذي أسهم في صنعها؟
قد يبدو الأمر مجرد مشكلة في التسمية، غير أنه يكشف، عند التأمل، عن مشكلة أعمق بكثير. فلقد أحدث الإنسان في العالم الطبيعي من التغييرات ما جعل الحدود القديمة بين ما تفعله الطبيعة وما يفعله الإنسان أقل وضوحاً، ثم وجد نفسه مضطراً إلى ابتكار تعبيرات تجمع المتناقضات لكي يستطيع وصف عالم لم تعد تصنيفاته القديمة قادرة على استيعابه.
كان من الممكن، قبل أن يبلغ التدخل البشري في النظام الطبيعي للأرض مداه الراهن، أن نتحدث بقدر أكبر من الاطمئنان عن «الكوارث الطبيعية». فالزلزال ظاهرة جيولوجية، والبركان ظاهرة جيولوجية، والأعاصير والعواصف والفيضانات وموجات الجفاف والحر ظواهر تنشأ ضمن منظومات طبيعية معقدة كانت موجودة قبل ظهور الحضارة البشرية نفسها. ولم يكن معنى ذلك أن كل كارثة كانت منفصلة تماماً عن الإنسان؛ فحتى في الماضي كانت طريقة بناء المدن، واختيار مواضع الاستيطان، والاستعداد للكوارث، ومستوى الفقر، ونوعية البنية التحتية عوامل تحدد حجم الخسائر البشرية. لكن ظل من الممكن التمييز، على نحو أوضح، بين «الخطر الطبيعي» وبين الكارثة التي تحدث حين يصيب ذلك الخطر مجتمعاً بشرياً هشاً أو غير مستعد.
أما اليوم، فلقد أصبحت المسألة أكثر تعقيداً. فالإنسان لم يعد مجرد كائن يقف في الطرف المتلقي للظواهر الطبيعية. فلقد أصبح الإنسان قوة هائلة التأثير في البيئة التي تقع فيها هذه الظواهر؛ فهو يزيل الغابات، ويغير استخدام الأراضي، ويبني المدن فوق مجاري السيول والسواحل والمناطق الهشة، ويستنزف المياه الجوفية، ويبدل النظم البيئية، ويطلق كميات ضخمة من غازات الدفيئة، ويرفع حرارة الكوكب، ثم يتعجب حين تعود آثار هذه التغييرات إليه في صورة موجات حر أشد، أو جفاف مختلف، أو حرائق أوسع، أو أمطار غزيرة وفيضانات أكثر تدميراً في بعض المناطق! وهنا تبدأ تسمية «الكارثة الطبيعية» بفقدان بساطتها القديمة.
المفارقة أن الإنسان، بعد أن أصبح شريكاً في صناعة الظروف التي تزيد بعض الكوارث احتمالاً أو شدة أو تدميراً، ما زال يحتفظ باللغة القديمة نفسها؛ فيحدث الفيضان فنقول: كارثة طبيعية، وتجتاح موجة حر غير مسبوقة منطقة واسعة فنقول: كارثة طبيعية، وتنتشر الحرائق في بيئة أصبحت أكثر حرارة وجفافاً فنقول: كارثة طبيعية، ويضرب إعصار مجتمعاً بنى مساكنه ومنشآته في مناطق شديدة التعرض للخطر فنقول مرة أخرى: كارثة طبيعية. ولكن كلمة «طبيعية» هنا قد تتحول، من حيث لا نشعر، إلى وسيلة لغوية لتبرئة الفاعل البشري وإعادة المسؤولية كلها إلى الطبيعة. وكأن الطبيعة فعلت ذلك بنا. وكأن الإنسان كان مجرد متفرج بريء. وكأن ما فعله خلال قرنين من التصنيع المكثف، وإزالة الغابات، والاستهلاك الهائل للوقود الأحفوري، والتوسع العمراني غير المنضبط، واستنزاف الموارد، وتغيير النظم البيئية، لا ينبغي إدخاله في معادلة السببية. ولا يعني ذلك بالطبع أن الإنسان أصبح مسؤولاً عن كل ما يحدث في الطبيعة، أو أن كل إعصار أو فيضان أو حريق أو موجة جفاف يمكن ردها مباشرة إلى النشاط البشري. فهذا تعميم لا يسمح به العلم، كما أن ثمة ظواهر، كالزلازل الكبرى والبراكين، لا يصح وضعها في السلة السببية نفسها. ولكن الفارق بين رفض هذا التعميم وبين إنكار الدور البشري في تضخيم طائفة متزايدة من الأخطار الطبيعية فارق هائل. فالإنسان لا يحتاج لأن «يصنع» المطر لكي يكون مسؤولاً عن كارثة الفيضان، ولا يحتاج إلى أن يشعل الشرارة الأولى لكي يسهم في صناعة كارثة الحريق، ولا يحتاج إلى أن يصنع موجة الحر من العدم لكي يكون النشاط البشري قد زاد احتمالها أو شدتها. وهنا تصبح السببية موزعة بين الطبيعة والإنسان بطريقة لم تعد اللغة القديمة قادرة على وصفها بسهولة.
ولهذا فقد نجد أنفسنا مضطرين إلى استعمال عبارة تبدو، للوهلة الأولى، أكثر دقة: “كوارث طبيعية من صنع الإنسان”. ولكن ما إن ننطق بهذه العبارة حتى نقع في المفارقة نفسها. فإذا كانت من صنع الإنسان، فبأي معنى تظل «طبيعية»؟ وإذا كانت طبيعية حقاً، فبأي معنى يكون الإنسان قد صنعها؟ فنحن أمام شيء يشبه، من الناحية المنطقية، الحديث عن «دائرة مربعة». فالدائرة، بحكم تعريفها، ليست مربعاً، والمربع، بحكم تعريفه، ليس دائرة. والجمع بينهما لا ينتج شكلاً هندسياً جديداً بقدر ما يكشف عن تناقض في المفاهيم التي نحاول الجمع بينها!
ولعل عبارة «كارثة طبيعية من صنع الإنسان» هي إحدى الدوائر المربعة التي امتلأ بها العالم الإنساني. ولكن المثير هنا أن الطبيعة لم تصنع هذه الدائرة المربعة؛ إذ نحن الذين صنعناها. فصنعنا أولاً واقعاً تختلط فيه آثار أفعالنا بالعمليات الطبيعية، ثم اضطررنا إلى صناعة مفهوم هجين لكي نصف الواقع الهجين الذي أنتجناه.
وهنا تظهر دلالة أعمق للمشكلة. فالإنسان حين يتدخل في نظام طبيعي معقد لا يغير الأشياء الموجودة داخله فحسب، وإنما قد يجعل تصنيفاته القديمة نفسها غير صالحة. فلقد كان لدينا في الذهن عالم بسيط نسبياً، فهناك الطبيعة، وهناك الإنسان. وهناك أفعال الطبيعة، وهناك أفعال البشر. وهناك كوارث طبيعية، وهناك كوارث بشرية. ولكن ماذا نفعل حين يرفع النشاط البشري متوسط حرارة الكوكب، ثم تعمل هذه الزيادة من خلال منظومات الغلاف الجوي والمحيطات والتربة والنباتات، فتتغير احتمالات بعض الظواهر وشدتها؟
أهي ظاهرة طبيعية؟ نعم، لأن آليات حدوثها فيزيائية وطبيعية.
أهي بشرية؟ نعم، بالقدر الذي أسهم فيه الإنسان في تغيير الشروط التي تعمل ضمنها تلك الآليات.
وهكذا لا تعود المشكلة في الواقع وحده، وإنما تنتقل إلى اللغة التي نحاول بها فهم الواقع. فلقد صنع الإنسان عالماً لم تعد ثنائياته القديمة كافية لوصفه.
وهنا يمكن النظر إلى المشكلة من زاوية “فائض التمثّل”. فالإنسان لا يعيش في العالم كما هو فحسب، وإنما يعيش كذلك في عالم هائل من الأسماء والتصنيفات والصور الذهنية والمفاهيم التي صنعها عن العالم. وهذه القدرة التمثّلية كانت شرطاً أساسياً لنشوء المعرفة والحضارة، لكنها قد تتحول إلى قيد معرفي حين يصر الإنسان على الاحتفاظ بالتمثّل حتى بعد أن يتغير الشيء الذي كان ذلك التمثّل قد وُضع لوصفه. فلقد وضعنا فئة اسمها “الكوارث الطبيعية”. ثم تغير العالم. لكن الفئة بقيت. وبدلاً من أن نراجعها، أخذنا نحاول إدخال الواقع الجديد فيها بالقوة. وحين لم يعد الواقع يتسع داخلها، أضفنا إليها عبارة أخرى: “من صنع الإنسان”.
وهكذا حصلنا على الكائن المفهومي العجيب: “كارثة طبيعية من صنع الإنسان”! وهذه ليست مجرد تسمية مضطربة؛ إذ أنها شاهد على قوة التمثّل حين يتحول من أداة لفهم الواقع إلى سلطة تفرض على الواقع أن يظل مطابقاً للتصنيفات التي سبق أن وضعناها له.
ربما يكون السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو ليس: هل هذه الكارثة طبيعية أم بشرية؟ بل: ما مقدار ما هو طبيعي فيها، وما مقدار ما أضافه الإنسان إلى شروط حدوثها وشدتها وآثارها؟ ففي كثير من الحالات لا يصنع الإنسان الظاهرة الطبيعية من الصفر، وإنما يغير خط الأساس الذي تحدث فوقه. فالمطر طبيعي، لكن تغير المناخ قد يؤثر في شدة الهطول في بعض السياقات. والحرارة طبيعية، لكن الاحترار العالمي يرفع خط الأساس الحراري الذي تنطلق منه موجة الحر. والحريق جزء من ديناميات كثير من النظم البيئية، لكن ارتفاع الحرارة والجفاف وتغير استخدام الأراضي وسوء الإدارة قد يجعل الحريق أوسع وأكثر تدميراً. والفيضان ظاهرة طبيعية، لكن إزالة الغطاء النباتي، وتغطية الأرض بالإسفلت والخرسانة، والبناء في مجاري السيول، وسوء التخطيط الحضري قد يحول هطولاً شديداً إلى مأساة بشرية.
وهكذا قد تكون عبارة «الكارثة المركبة» في بعض الحالات أكثر قدرة على كشف الحقيقة من عبارة «الكارثة الطبيعية»، لأنها لا تمنح الطبيعة براءة مطلقة ولا تحمل الإنسان مسؤولية مطلقة، وإنما تعيد بناء سلسلة الأسباب كما هي.
ومن المثير للتأمل، في هذا السياق، قوله تعالى:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.
وبصرف النظر عن الحدود التفسيرية التاريخية للآية الكريمة، فإن بنيتها الدلالية تكتسب في عصرنا قدرة لافتة على إثارة السؤال: ماذا يحدث حين لا يعود فساد الإنسان محصوراً في العلاقات بين البشر، وإنما تمتد آثاره إلى «البر والبحر» نفسيهما؟ فالإنسان المعاصر يمتلك من القدرة التقنية والاقتصادية ما لم يمتلكه أي جيل بشري سابق. ولذلك أصبح «ما كسبت أيدي الناس» قادراً على تجاوز المدينة والدولة والقارة، ليترك أثراً في الغلاف الجوي والمحيطات والغابات والتنوع الحيوي ودورات الماء والكربون. فلقد أصبح الفعل البشري، للمرة الأولى تقريباً بهذا الحجم، جزءاً من الشروط التي يعمل ضمنها النظام الأرضي نفسه. ومن هنا فإن السؤال عن المسؤولية لم يعد سؤالاً أخلاقياً مجرداً، وإنما أصبح سؤالاً جيولوجياً ومناخياً وبيئياً أيضاً.
ولعل أكثر ما يثير المفارقة أن الإنسان يستطيع أن يشارك في صنع شروط الكارثة، ثم يتعامل مع نتائجها كما لو أنها عدوان خارجي شنته الطبيعة عليه! فنرفع قابلية المدن للغرق، ثم نتهم المطر! ونزيل الغابات، ثم نتعجب من اختلال دورة المياه والتربة! ونرفع حرارة الكوكب، ثم نتحدث عن موجات الحر كما لو أنها أحداث منفصلة تماماً عن تاريخ الثورة الصناعية! فنبني في أكثر المناطق تعرضاً للمخاطر، ثم نصف الخسائر كلها بأنها “غضب الطبيعة”.
وهكذا تصبح اللغة نفسها جزءاً من عملية إخفاء السببية. فعبارة «الكارثة الطبيعية» قد لا تكون دائماً وصفاً محايداً؛ إذ قد تنقل المسؤولية، بصورة غير محسوسة، من المجتمع والاقتصاد والسياسة والتخطيط وأنماط الاستهلاك إلى كيان مجرد نسميه “الطبيعة”.
ولعل هذه المشكلة ليست استثناءً. فعالم الإنسان مليء بالدوائر المربعة؛ لأن فائض التمثّل يسمح له بأن يجمع داخل اللغة ما لا يجتمع في الواقع، ثم يعتاد التعبير حتى يكف عن رؤية التناقض الذي يحمله. فيصنع الإنسان المشكلة، ثم يسمي نتيجتها “طبيعية”! ويدمر شروط التوازن، ثم يتحدث عن “اختلال الطبيعة”! ويغير البيئة، ثم يتعامل مع استجابة البيئة كما لو أنها فعل مستقل عنه!
وحين يصبح التناقض صارخاً إلى درجة لا يمكن تجاهلها، فإن الإنسان لا يتخلى بالضرورة عن تمثلاته القديمة، وإنما يخترع تركيباً جديداً يجمع المتناقضات: “كارثة طبيعية من صنع الإنسان”. وما هذه العبارة في نهاية المطاف إلا محاولة لغوية للإبقاء على الدائرة دائرة، بعد أن أصر الإنسان على منحها أربعة أضلاع.
إن مراجعة مفهوم «الكارثة الطبيعية» لا تعني إنكار الطبيعة، ولا تحميل الإنسان مسؤولية الزلازل والبراكين والعواصف وكل ما يحدث على الأرض. وإنما تعني شيئاً أكثر دقة ودلالة معرفية فحواه ألا نسمح للتسمية بأن تخفي سلسلة الأسباب. فحين يكون الحدث طبيعياً ولكن شدته أو احتماله أو حجم أضراره قد تأثر بالنشاط البشري، فإن الانسان ينبغي أن يظهر داخل تفسير الكارثة، لا أن يختفي خلف كلمة “الطبيعة”.
وحين يكون سوء التخطيط والاستيطان والفقر والهشاشة والبنية التحتية الرديئة جزءاً من سبب تحول الخطر إلى كارثة، ينبغي ألا تصبح «الطبيعة» كبش الفداء الذي نحمله مسؤولية ما صنعته قراراتنا. فلقد بلغ الإنسان من القدرة على تغيير الأرض حداً جعل السؤال القديم: «ماذا فعلت الطبيعة بنا؟» غير كافٍ. وربما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو: “ماذا فعلنا نحن بالطبيعة حتى أصبحت بعض استجاباتها لنا تبدو كأنها كوارث صنعتها الطبيعة وحدها؟” وعندها قد نكتشف أن عبارة «كوارث طبيعية من صنع الإنسان» هي ليست مجرد تسمية جديدة لنوع جديد من الكوارث، وإنما هي علامة على أزمة أعمق في علاقة الإنسان بالعالم وفي الكيفية التي يتمثّل بها هذا العالم داخل وعيه. فالطبيعة لا تعرف شيئاً اسمه “الدائرة المربعة”. ولا تعرف شيئاً اسمه “كارثة الطبيعية من صنع الإنسان”. فالإنسان وحده يستطيع أن يصنع الاثنين: أن يغير الواقع أولاً، ثم يصنع في فائض تمثّله مفهوماً متناقضاً لكي يتجنب تغيير الكيفية التي اعتاد أن يفهم بها ذلك الواقع. وربما كانت الخطوة الأولى نحو الخروج من هذا العالم المليء بالدوائر المربعة هي أن نتوقف عن مطالبة الواقع بأن ينسجم مع تمثلاتنا، وأن نبدأ، بدلاً من ذلك، في تصحيح تمثلاتنا لكي تنسجم مع الواقع.

أضف تعليق