
ربما لم تكن المشكلة الكبرى في تاريخ معرفتنا بالإنسان أننا عرفنا عنه القليل، وإنما أننا كثيراً ما خلطنا بين الإنسان كما هو والإنسان كما تمنينا أن يكون. فقد صنعنا له، على امتداد التاريخ، صورة شديدة الانتقائية: ضخّمنا فيها الوفاء والإخلاص والثبات والتضحية، وهمّشنا، إلى أدنى حد ممكن، التقلب والنسيان والأنانية والانتهازية وقابلية المشاعر نفسها للتغير. ثم أخذنا الصورة التي صنعناها نحن وقلنا: هذه هي الطبيعة الإنسانية.
ولعل الحب واحد من أكثر المجالات التي مارسنا فيها هذا النوع من التجميل المعرفي. فقلما توجد ظاهرة إنسانية أحاطها الأدب والشعر والأسطورة بقدر من المثالية كالذي أُحيط به الحب. فـ “الحب الصادق أبدي”، و”العاشق الحقيقي لا ينسى”، و”القلب إذا امتلأ بحب أحد لم يعد يتسع لغيره”، و”الحبيب الأول يترك فيه أثراً لا يستطيع حبيب آخر أن يمحوه”. حتى انتهينا إلى واحدة من أشهر العبارات التي تداولها التراث الشعري العربي: “وما الحب إلا للحبيب الأول”. ولكن ماذا لو تعاملنا مع هذه العبارة، لا باعتبارها شعراً جميلاً فحسب، وإنما باعتبارها ادعاءً عن الطبيعة البشرية؟ عندئذ يحق لنا أن نسأل: أي حبيب أول هذا الذي يريدنا شاعرنا أن نصدق أن حبه قد ملك شغاف القلب حتى لم يعد بوسع صاحبه أن يحب بعده أحداً كما أحبه؟ وأين نجد هذا الإنسان الذي تجمدت حياته العاطفية عند تجربته الأولى، وظل قلبه، مهما مرت السنون وتغيرت الظروف والشخصيات والأمكنة، وفياً للحظة واحدة لا يستطيع تجاوزها؟
غير أن الواقع الإنساني يخبرنا بشيء مختلف تماماً. فالإنسان يحب، ثم قد يفتر حبه. ويتعلق، ثم قد ينفصل. ويعتقد في لحظة ما أنه عثر على الإنسان الذي لن يستطيع العيش من دونه، ثم تمر السنوات فيكتشف أنه استطاع العيش من دونه بالفعل. وقد يلتقي بعد ذلك شخصاً آخر فينشأ تعلق جديد، وربما كان أشد من الأول. وقد يعيد الإنسان، في كل تجربة عاطفية كبرى، استعمال المفردات نفسها التي كان يظن أنه لن يستطيع قولها إلا مرة واحدة في حياته. وليس في هذا بالضرورة إدانة أخلاقية للإنسان. فالمشكلة تبدأ حين نرفض الاعتراف بهذه القابلية للتغير، ثم نبني تصورنا للطبيعة الإنسانية على نقيضها.
فالإنسان، من منظور بايولوجي، ليس كائناً صُمم لكي تتوقف منظومته العاطفية بعد تجربة ناجحة أو فاشلة واحدة. ولو كان الحب الأول يغلق بالفعل إمكانية الحب اللاحق، لكانت تلك خاصية بايولوجية شديدة الغرابة؛ إذ يصبح موت الشريك الأول، أو انفصاله، أو فشل العلاقة معه، بمثابة تعطيل دائم لإحدى أهم قدرات الإنسان الاجتماعية والانجابية.
لكن ذلك لا يحدث. يموت الأزواج فيتزوج الباقون على قيد الحياة. وتنتهي علاقات كان أصحابها يقسمون أنها أبدية، ثم تبدأ علاقات أخرى. وينفصل عاشقان كان كل منهما يعتقد أن الآخر هو استثناء حياته الوحيد، ثم يكتشف أحدهما، أو كلاهما، بعد سنوات أنه قادر على بناء ارتباط جديد، وعلى الشعور مجدداً بما كان يعتقد أن الأقدار قد منحته إياه مرة واحدة فحسب! فمن أين جاءت، إذاً، خرافة «الحبيب الأول»؟
لعل جانباً من الجواب يكمن في أننا لا نتذكر الحب الأول بالكيفية نفسها التي نتذكر بها العلاقات اللاحقة. فهو لا يحتل موقعاً في تاريخ علاقاتنا فحسب، وإنما يحتل موقعاً في تاريخ تكوّننا نحن؛ إذ أنه يرتبط، في حالات كثيرة، بمرحلة اكتشاف الإنسان لنفسه العاطفية: أول انتظار، وأول غيرة، وأول شوق، وأول خوف من الفقد، وربما أول مرة يكتشف فيها الإنسان أن شخصاً آخر يستطيع أن يحتل مساحة هائلة من وعيه. ولهذا قد تكون استثنائية الحب الأول، في جانب منها، استثنائية معرفية – ذكرياتية أكثر منها استثنائية عاطفية مطلقة. فنحن لا نتذكر الشخص الأول وحده، ولكن نتذكر أنفسنا عندما أحببناه؛ إذ نتذكر النسخة الأقدم منا: أعمارنا، ووجوهنا، والأمكنة التي كنا نعيش فيها، والأغاني التي كنا نسمعها، والأحلام التي كانت ما تزال ممكنة، والعالم قبل أن تثقله التجارب اللاحقة. وهكذا قد يصبح الحنين إلى «الحبيب الأول» خليطاً معقداً من الحنين إلى الشخص والحنين إلى الذات التي كناها حين عرفناه!
وهنا يحدث الالتباس. فنحسب أن قوة الذكرى دليل على قوة الحب، وأن استمرار الأثر دليل على استحالة البديل، وأن كون التجربة الأولى غير قابلة للتكرار يعني أن الإنسان الذي كان طرفاً فيها غير قابل للاستبدال.
لكن عدم قابلية التجربة للتكرار لا تعني عدم قابلية الحب للتجدد. فلا شيء في حياتنا يتكرر بالمعنى الحرفي أصلاً. فالصداقة الثانية ليست الصداقة الأولى، والسفر الثاني ليس السفر الأول، والفقد الثاني ليس الفقد الأول. ومع ذلك لا نقول إن الإنسان لا يستطيع أن يصادق أو يسافر أو يحزن إلا مرة واحدة! فلماذا منحنا الحب وحده هذه الحصانة الغريبة من قوانين التغير؟ ذلك لأننا، على الأرجح، لم نكن نصف الإنسان بقدر ما كنا نصنع له أسطورة! والأسطورة هنا ليست بالضرورة كذبة متعمدة؛ إذ أنها إحدى الطرق التي مارس بها الإنسان فائض التمثّل على ذاته. فبدلاً من أن يرى الإنسان الظاهرة العاطفية في حدودها البايولوجية والنفسية المتغيرة، أضاف إليها من المعاني ما جعلها أكبر من الآلية التي أنتجتها! فأصبح الحب «قدراً»، والحبيب «النصف الآخر»، واللقاء «مكتوباً»، والفراق «موتاً»، والحب الأول حباً لا يستطيع القلب بعده أن يحب على الحقيقة مرة أخرى. وهكذا لم يعد الإنسان يكتفي بأن يحب، بل صار مضطراً إلى أن يؤلف ميثولوجيا للحب.
والمفارقة أن هذه الميثولوجيا لا تكشف قوة الحب وحدها، بل تكشف مقدار حاجتنا إلى تجميل الصورة التي نحتفظ بها عن أنفسنا. فنحن نحب أن نعتقد أننا أوفياء حتى النهاية، وأن مشاعرنا لا تخضع للتبدل، وأن الإنسان الذي أحب مرة بصدق يحمل ذلك الحب إلى قبره. فتبدو لنا هذه الصورة أسمى أخلاقياً وأكثر شاعرية من صورة الإنسان القادر على النسيان وإعادة الارتباط وتغيير موضوع تعلقه!
ولكن الطبيعة لا يعنيها أن تكون شاعرية؛ إذ أنها معنية، قبل ذلك، باستمرار الكائن وقدرته على التكيف. ولذلك فإن القدرة على التعافي من فقد العلاقة، وعلى إعادة تشكيل الروابط العاطفية، ليست بالضرورة نقصاً في الإنسان، وإنما قد تكون واحدة من أهم خصائص “مرونته” البايولوجية والنفسية، بل ربما كان العجيب حقاً هو العكس: لو أن الإنسان لم يكن يستطيع أن يحب إلا مرة واحدة. فعندئذ كان أول اختيار عاطفي سيصبح حكماً مؤبداً، وأول فشل كارثة لا يمكن إصلاحها، وأول موت لشريك نهاية للحياة العاطفية لمن بقي بعده. ولأصبح الكائن البشري أسير مصادفة زمنية بسيطة: من يأتي أولاً يمتلك القلب إلى الأبد، بصرف النظر عمن يأتي بعده ومدى توافقه معه! وهذه ليست رومانسية بقدر ما ستكون عجزاً عن التكيف. ومن هنا ربما ينبغي قلب العبارة الشهيرة رأساً على عقب. فليس السؤال: لماذا يبقى الحب الأول؟ بل: لماذا نستغرب أن يستطيع الإنسان تجاوزه؟!
ولعل السبب هو أننا بالغنا طويلاً في حسن الظن بالصورة التي صنعناها للإنسان. فلم نشأ أن نعترف بأنه كائن قابل لتغيير ولاءاته ومشاعره ورغباته، مثلما يغير كثيراً من تصوراته واختياراته الأخرى. وحين اصطدمت هذه الحقيقة بالصورة المثالية التي رسمناها له، فضّلنا الصورة على الحقيقة. غير أن الاعتراف بذلك لا يعني اختزال الحب إلى خدعة بايولوجية، ولا يعني إنكار وجود أشخاص يظلون أوفياء لحب قديم طوال حياتهم. فالخطأ المقابل سيكون تحويل القدرة على التغير نفسها إلى قانون لا استثناء له. فهناك بالفعل من لا يتجاوزون حباً بعينه، كما أن هناك من يتجاوزونه سريعاً، وبين الطرفين طيف واسع من التجارب البشرية متنوعة. فالمشكلة ليست في إمكان بقاء الحب الأول، وإنما في تحويل هذا الإمكان إلى تعريف للحب الحقيقي. فإذا بقي قيل: كان حباً صادقاً، وإذا انتهى قيل: لم يكن حباً حقيقياً منذ البداية. وهذه حيلة معرفية تجعل الفكرة محصنة ضد كل اختبار؛ لأننا نعيد تعريف الوقائع بعد حدوثها لكي تبقى الأسطورة صحيحة!
وربما كانت المعرفة الحديثة بالإنسان تدعونا إلى موقف أكثر تواضعاً: أن نعترف بأن مشاعرنا، مهما بلغت قوتها، هي جزء من كائن حي متغير، وأن الذاكرة تعيد بناء الماضي ولا تحفظه كما كان، وأن الهوية نفسها ليست حجراً ثابتاً، وأن الشخص الذي أحب في العشرين ليس هو تماماً الشخص الذي يتذكر ذلك الحب في الخمسين.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل يبقى الحبيب الأول؟ بل: من الذي بقي لكي يحبه؟ فإذا كان الإنسان نفسه قد تغير، وإذا كانت شخصيته وخبراته وتوقعاته ونظرته إلى ذاته وإلى الآخرين قد تغيرت، فمن الغريب أن نطالبه بأن تظل خريطته العاطفية وحدها جامدة خارج الزمن!
ولعل «خرافة الحب الأول» لا تكون، بهذا المعنى، سوى واحدة من خرافات كثيرة نسجنا منها تصورنا عن الإنسان كخرافة الوفاء المطلق وخرافة الثبات النفسي وخرافة الهوية التي لا تتغير وخرافة أن المشاعر الصادقة لا تنتهي. فلقد أحببنا صورة الإنسان أكثر مما أحببنا معرفة الإنسان.
وربما آن الأوان لكي نسأل السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق كثيراً من أحكامنا الأخلاقية والشعرية والفلسفية عن الإنسان. فهل عرفنا الإنسان على حقيقته فعلاً، أم أننا أمضينا معظم تاريخنا نصف الإنسان الذي كنا نتمنى وجوده؟ وعندئذ لن نفقد الشعر إذا قلنا إن «الحب الأول» قد يكون بالغ الجمال، وعميق الأثر، وعصيّاً على النسيان. ولكننا سنفصل بين الشعر والمعرفة. وسيظل من حق الشاعر أن يقول: “وما الحب إلا للحبيب الأول”. أما الباحث في حقيقة الإنسان، فربما يجيبه: وما الحبيب الأول إلا أول دليل على أن الإنسان يستطيع أن يحب.
