هل يُجيز للعالِم عقلُه العلمي أن يتجاوز حدود اختصاصه؟

ربما كان من أكثر الأوهام شيوعاً في نظرتنا إلى العلماء أننا نفترض أن صفة «العالِم» تمنح صاحبها نوعاً من الحصانة الشاملة ضد التفكير غير العلمي. فما إن نعرف أن المتحدث فيزيائي كبير، أو عالم أحياء مرموق، أو طبيب أعصاب مشهور، حتى نميل إلى استقبال ما يقوله خارج حدود تخصصه بشيء من الثقة التي اكتسبها داخل ذلك التخصص. وكأن المنهج العلمي الذي أتقنه في حقل معرفي بعينه قد أصبح ملَكة عقلية عامة تصاحبه أينما ذهب، وتمنحه القدرة نفسها على إصدار الأحكام في أي ميدان آخر.
لكن هل الأمر كذلك حقاً؟
لعل كتاب عالم الفيزياء النظرية ميشيو كاكو The Future of the Mind: The Scientific Quest to Understand, Enhance, and Empower the Mind، «مستقبل العقل»، يقدم مناسبة مثيرة للتأمل في هذه المسألة. ليس لأن كاكو ليس عالماً مرموقاً في مجاله، ولا لأن من غير المشروع للفيزيائي أن يهتم بالدماغ أو الوعي أو مستقبل الإنسان، وإنما لأن الكتاب يضعنا أمام سؤال منهجي أعمق: ماذا يحدث عندما تنتقل سلطة العالم المعرفية من المجال الذي اكتسبت فيه مشروعيتها إلى مجال آخر لا تكفي أدوات تخصصه الأصلية وحدها للحكم عليه؟
فالعقل البشري ليس مسألة فيزيائية نظرية فحسب، حتى وإن كان الدماغ، في نهاية المطاف، نظاماً مادياً يخضع لقوانين الفيزياء. والقول إن الدماغ مكوَّن من مادة لا يعني أن الفيزياء النظرية تصبح، لهذا السبب، الأداة المعرفية الكافية لفهم الذاكرة والوعي والإدراك والهوية والانفعال والاضطرابات العصبية وإمكانات تعديل الوظائف العقلية مستقبلاً. فبين المستوى الفيزيائي الأساسي للمادة وبين الظاهرة العقلية شبكة هائلة من المستويات الوسيطة التي تشتغل عليها علوم الأعصاب، والعلوم المعرفية، وعلم النفس، والبيولوجيا، والطب، وفلسفة العقل وغيرها.
ومن هنا تبدأ المشكلة. ففي كتابه «مستقبل العقل» ينطلق كاكو إلى آفاق شديدة الاتساع، متحدثاً عن قراءة الأفكار، وتسجيل الذكريات وإمكان نقلها، والتحكم في الأشياء بواسطة العقل، وتعزيز القدرات الذهنية، وأشكال مستقبلية من التواصل الدماغي، وصولاً إلى تصورات أكثر جرأة بشأن الوعي ومستقبله. وليس الاعتراض هنا على مجرد التفكير في هذه الاحتمالات؛ فالعلم نفسه ما كان ليتقدم لو حُظر على العلماء تخيل ما لم يتحقق بعد. وإنما السؤال يتعلق بالحد الفاصل بين الاستشراف العلمي والتمثّل الذي يرتدي لغة العلم. ذلك أن الاحتمال لا يصبح علمياً لمجرد أن عالماً هو الذي صاغه.!
وهذه قاعدة معرفية شديدة الأهمية كثيراً ما ننساها أمام هيبة الأسماء العلمية الكبرى. فقيمة القول العلمي لا تنتقل إليه من السيرة الذاتية لقائله، وإنما من نوع الأدلة التي يستند إليها، ومن سلامة المنهج الذي أوصل إليه، ومن مقدار اختصاص صاحبه بالمشكلة التي يتحدث عنها، ومن قدرة المجتمع العلمي المختص على فحصه ونقده وإعادة اختباره. ولذلك فإن كون كاكو فيزيائياً نظرياً بارزاً لا يجعل توقعاته المتعلقة بالعقل والدماغ خاطئة بالضرورة، لكنه لا يجعلها صحيحة بالضرورة أيضاً. والأهم من ذلك أنه لا يسمح لنا بأن ننقل تلقائياً الثقة التي نستحق أن نمنحها له حين يتحدث في الفيزياء النظرية إلى كل ما يقوله حين ينتقل إلى علوم الأعصاب أو الوعي أو الإدراك.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: قد يكون العقل العلمي نفسه هو الذي يغري العالِم أحياناً بتجاوز حدود العلم الذي صنعه. فنجاح الإنسان في تفسير ظواهر معقدة داخل مجال معين قد يولّد لديه، من غير أن يشعر، اعتقاداً بأن الأداة التي نجحت هنا ينبغي أن تنجح هناك أيضاً. والفيزيائي الذي اعتاد أن يرى العالم في صورة أنظمة وقوانين ومعلومات قد يميل إلى النظر إلى الدماغ بالطريقة نفسها؛ وعالم الأحياء قد يميل إلى رد الظواهر الاجتماعية والثقافية كلها إلى الانتخاب الطبيعي؛ وعالم الأعصاب قد يجد نفسه ميالاً إلى اختزال الحب والأخلاق والدين والإبداع إلى نشاط مناطق دماغية أو نواقل كيميائية؛ وعالم الاقتصادي قد يعيد تفسير السلوك الإنساني بأسره بمنطق الحوافز والمنفعة. وفي كل حالة من هذه الحالات قد لا يكون الخطأ في العلم نفسه، وإنما في توسيع مجال صلاحية نموذجه أكثر مما تسمح به الأدلة.
وهذا تحديداً واحد من المواضع التي يمكن أن نرى فيها أثر ما يمكن تسميته «فائض التمثّل». فالإنسان لا يكتفي بما يعرف، وإنما يمتلك قدرة استثنائية على مدّ ما يعرفه إلى ما لا يعرفه. يأخذ نموذجاً ثبتت كفاءته في مساحة محددة، ثم يعيد تمثل العالم من خلاله، حتى يبدأ النموذج، شيئاً فشيئاً، بابتلاع ظواهر لم يُصمم أصلاً لتفسيرها.!
والعالِم ليس محصناً من هذه النزعة لمجرد أنه عالِم.
بل ربما أصبح أكثر عرضة لصورة خاصة منها، لأن نجاح نموذجه في مجال اختصاصه يمنحه سبباً إضافياً للثقة به. وهكذا قد يتحول الاختصاص من أداة لضبط المعرفة إلى عدسة يعاد من خلالها تشكيل بقية العالم.! وعندئذ لا يقول الفيزيائي فقط: «هذه هي الطريقة التي تفسر بها الفيزياء هذه الظاهرة»، وإنما قد ينزلق، من حيث لا يشعر، إلى قول ضمني أشد خطورة: “هذه هي حقيقة الظاهرة نفسها”.!
والفارق بين العبارتين هائل.
فكل علم لا يرى الواقع كله، وإنما يرى منه ما تسمح له أدواته ومفاهيمه ومستوى تحليله بأن يراه. وليس في ذلك نقص في العلم، بل هو شرط إمكانه. فالاختصاص العلمي لم ينشأ عبثاً؛ لقد نشأ لأن الواقع أكثر تعقيداً من أن يحتويه جهاز مفاهيمي واحد. ولهذا لا يستطيع الفيزيائي أن يستغني عن عالم الأعصاب في دراسة الدماغ، كما لا يستطيع عالم الأعصاب أن يستغني عن عالم النفس المعرفي في دراسة بعض مستويات السلوك، ولا يستطيع أي واحد منهم، منفرداً، أن يدعي أنه استنفد ظاهرة الوعي لمجرد أنه وصف أحد مستوياتها. وهنا ينبغي التمييز بين تجاوز الحدود بالتعاون وتجاوزها بالاستحواذ.
فالعلم الحديث يقوم أصلاً على عبور الحدود بين التخصصات. والفيزياء الحيوية، وعلم الأعصاب الحاسوبي، والبيولوجيا الجزيئية، والعلوم المعرفية، والذكاء الاصطناعي، كلها شواهد على أن أعظم الاكتشافات قد تظهر في المناطق التي تتقاطع فيها الاختصاصات. ولذلك لن يكون معقولاً أن نقول للفيزيائي: لا تتحدث عن الدماغ لأنك فيزيائي، أو لعالِم الأحياء: لا تتحدث عن السلوك لأنك عالِم أحياء. فالمشكلة هي ليست في عبور الحدود، وإنما في عبورها من دون دفع الرسوم المعرفية اللازمة.
وهذه «الرسوم» هي اكتساب معرفة حقيقية بأدبيات المجال الآخر، واحترام مناهجه وحدوده، والتمييز بين ما ثبت فيه وما يزال موضع خلاف، والاستعانة بالمتخصصين فيه، وقبل ذلك كله التخلي عن الاعتقاد بأن نجاح أداة معرفية في مجال ما يمنحها صلاحية كونية.
ومن هذه الزاوية يصبح كتاب «مستقبل العقل» أكثر إثارة للاهتمام من مجرد كونه كتاباً عن مستقبل الدماغ. إنه يتيح لنا أن نراقب ظاهرة معرفية أوسع: كيف يستطيع الخيال العلمي لعالِم أن يكتسب، في نظر القارئ، سلطة العلم التجريبي؟
فحين يتنبأ روائي بإمكان تحميل الذكريات أو قراءة الأفكار أو توسيع الوعي، نتعامل مع كلامه باعتباره خيالاً. أما حين يقدم عالِم مرموق السيناريو نفسه محاطاً بمصطلحات علمية ودراسات وتجارب وتقنيات ناشئة، فإن المسافة بين «ما أصبح ممكناً تجريبياً» و«ما يمكن تخيله انطلاقاً مما أصبح ممكناً» قد تضيق في ذهن القارئ إلى درجة تكاد تختفي معها تماماً.
وهنا يؤدي فائض التمثّل دوره المزدوج: عند الكاتب وعند المتلقي معاً.
فالعالِم قد ينتقل من معطى تجريبي محدود إلى سلسلة طويلة من الإمكانات المستقبلية، والقارئ قد ينقل بدوره الهيبة العلمية للعالِم من الوقائع التي يعرضها إلى النبوءات التي يبنيها عليها. وبعد خطوات قليلة يصبح السيناريو المستقبلي وكأنه «ما يقوله العلم»، مع أنه قد لا يكون أكثر من أحد المسارات التي يستطيع الخيال، المسلح بالعلم، أن يتصورها.
ولعل هذا ما يجعل القضية أبعد كثيراً من ميشيو كاكو وكتابه. فالمشكلة الحقيقية تكمن في مفهومنا عن «العالِم» نفسه. فلقد اعتدنا أن نتصوره بوصفه نقيض الإنسان العادي في علاقته بالوهم والتحيز والتمثّل، مع أنه يظل، قبل اختصاصه وبعده، إنساناً يحمل الدماغ نفسه الذي يحمل نزعات التوسع في التفسير، والبحث عن الأنماط، وتعميم النماذج، والانبهار بالقدرة التفسيرية للأفكار الناجحة. فالعلم يستطيع أن يضبط هذه النزعات، لكنه لا يستأصلها، بل إن المنهج العلمي ربما وُجد، في جانب مهم منه، لأن العقل البشري، بما في ذلك عقل العالِم نفسه، لا يمكن الوثوق به من دون ضوابط. فالتجربة، والتكرار، والتحقق المستقل، ومراجعة الأقران، والتخصص، والإحصاء، وإمكان التكذيب، ليست احتفالاً بقدرات العقل البشري بقدر ما هي منظومة احترازية هائلة ضد أخطائه.
ومن ثم فإن السؤال الصحيح ليس: هل يجوز للعالِم أن يتجاوز اختصاصه؟ بالطبع يجوز له أن يفعل ذلك، بل قد يكون تجاوزه ضرورياً لإنتاج معرفة جديدة. لكن السؤال الأدق هو: ماذا يبقى من سلطته العلمية حين يتجاوزه؟ والجواب الذي ينبغي ألا نتردد فيه هو أن سلطته لا تعبر الحدود معه تلقائياً. ففي اللحظة التي يغادر فيها المجال الذي يمتلك أدواته المتخصصة، يصبح مطالباً بأن يعيد تأسيس حجته من جديد داخل المجال الذي دخله. ولا يستطيع أن يحمل شهرته العلمية معه بوصفها بديلاً عن الدليل. فالعالِم لا يمتلك «عقلاً علمياً» يعمل بصورة صحيحة أينما وُضع، كما لو أن “العلمية” خاصية ثابتة في الشخص؛ إذ أن العلمية صفة للمنهج الذي يتبعه في قضية محددة، وليس لقباً دائماً يحمله صاحبه.
وقد تكون هذه واحدة من أهم الدروس التي يكشفها كتاب «مستقبل العقل» من حيث لا يقصد: أن فائض التمثّل لا يتوقف عند باب المختبر، وأن التخصص العلمي لا يلغي الطبيعة البشرية للعالِم، وأن الإنسان يستطيع أن يحوّل أعظم أدوات معرفته إلى مصدر جديد للوهم حين ينسى حدود صلاحيتها.
فليس أخطر ما يمكن أن يفعله الجهل أن يتحدث فيما لا يعرف، بل الأخطر ربما أن تتحدث المعرفة نفسها خارج المجال الذي تعرفه، ثم تستعير من نجاحها داخله ما يجعلنا نصدقها خارجه!
وعندئذ لا يعود السؤال: هل ما يقوله العالِم مثير ومدهش وممكن التصور؟ بل يصبح السؤال الذي ينبغي للعلم نفسه أن يعلمنا طرحه دائماً: أين ينتهي الدليل… وأين يبدأ فائض التمثّل؟

أضف تعليق