
ربما كانت عصا موسى واحدة من أشهر الأشياء التي ارتبطت بالمعجزة في الذاكرة الدينية والإنسانية. فما إن تُذكر حتى تستدعي المخيلة عصاً تتحول إلى حيّة، ثم تضرب البحر لاحقاً فينفلق، ثم تضرب الحجر فيما بعد فتتفجر منه اثنتا عشرة عيناً. ومع تراكم الروايات والصور والتمثلات الفنية عبر القرون، كادت العصا نفسها تتحول في الوعي الشعبي إلى شيء عجائبي؛ كأنها كانت تحمل في مادتها سراً خارقاً، أو كأن موسى كان يمتلك أداة ذات قوة فوق طبيعية يستطيع بها أن يأتي بما لا يستطيع البشر الإتيان به.
لكن هل يقول القرآن ذلك حقاً؟
لعل التدبر الدقيق للنص القرآني يقودنا إلى نتيجة مختلفة تماماً مفادها أن السر لم يكن في العصا قط، وإنما في الأمر الإلهي الذي جعل العصا، في لحظة معينة، تؤدي وظيفة لم تكن من طبيعتها، ثم تعود بعد ذلك إلى طبيعتها الأولى. والفارق بين التصورين ليس صغيراً؛ لأنه الفارق بين أن ننسب المعجزة إلى الشيء، وبين أن ننسبها إلى الله تعالى.
ولعل القرآن نفسه يبدأ بتجريد العصا من أية هالة عجائبية قبل أن تحدث بواسطتها المعجزة. فعندما سأل الله تعالى موسى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 17–18]. فوفقاً لوصف صاحبها نفسه، فإنها مجرد عصا، يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، وله فيها مآرب أخرى. فالنبي موسى لا يقول إن فيها قوة خفية، ولا إنها شيء مقدس، ولا إنها تختلف في مادتها عن سائر العصي، ولا إنه سبق أن شاهد منها أمراً خارقاً. بل إن الطريقة التي يصفها بها تكاد تكون إعلاناً قرآنياً عن عاديتها: أداة بشرية بسيطة تؤدي وظائف بشرية بسيطة.
ثم يأتي الأمر: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: 19–20]. وهنا يقع التحول. لكن الأكثر دلالة معرفية ربما يأتي بعد ذلك مباشرة: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: 21].
سنعيدها سيرتها الأولى. فربما كانت هذه العبارة وحدها كافية لدحض كل محاولة لتحويل العصا إلى شيء يمتلك بذاته قدرة عجائبية دائمة. فللعصا «سيرة أولى»؛ أي حالة أصلية هي حالتها الطبيعية التي عرفها موسى قبل المعجزة. أما تحولها إلى حيّة فليس كشفاً عن طبيعة خفية كامنة فيها، وإنما هو حدث استثنائي وقع بإرادة الله، ثم انتهى الحدث فعادت العصا إلى ما كانت عليه. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: ما سر عصا موسى؟ بل: لماذا نبحث أصلاً عن سر في العصا؟ فحين أمر الله النبي موسى بضرب البحر بها، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. فالنص لا يقول إن العصا شقت البحر، بل يخبرنا أن الله أوحى إلى موسى أن يضرب البحر بعصاه، فانفلق البحر. والفرق بالغ الدلالة المعرفية. فالضربة هي الفعل الذي أُمر موسى بأدائه، أما انفلاق البحر فليس نتيجة فيزيائية تمتلك العصا القدرة الطبيعية على إحداثها. ولو كانت العصا تحمل بذاتها قوة شق البحار، لما كنا أمام معجزة بالمعنى الدقيق أصلاً؛ إذ ستكون المسألة عندئذ مجرد استعمال أداة تمتلك خاصية مجهولة لنا، تماماً كما نستعمل اليوم أداة تقنية تستطيع القيام بما لا تستطيع أيدينا القيام به.
فالمعجزة لا تكمن إذاً في العلاقة بين العصا والبحر، وإنما في انقطاع العلاقة السببية المألوفة بينهما: عصا تضرب ماءً، لكن الماء لا يتصرف وفق ما نعرفه عن الماء، بل ينفلق حتى يصبح: ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. والأمر نفسه يتكرر عندما استسقى موسى لقومه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60]. ومرة أخرى، هناك أمر إلهي، ثم فعل بشري بسيط، ثم نتيجة لا يستطيع الفعل البشري تفسيرها.
فضرب الحجر بالعصا لا يفجر منه اثنتي عشرة عيناً. وضرب البحر بالعصا لا يشقه. وإلقاء العصا على الأرض لا يحول الخشب إلى كائن حي. فإذا كانت هذه النتائج لا يمكن تفسيرها بخصائص العصا، فلماذا نصر على جعل العصا مستودع المعجزة؟
ربما لأن العقل البشري يميل بطبيعته إلى تشييء القوة؛ أي إلى البحث عن شيء مادي يستطيع أن يضع فيه القدرة التي يعجز عن تفسيرها. فالشيء يمكن رؤيته ولمسه وحيازته والبحث عنه، أما الإرادة الإلهية فليست شيئاً مادياً يمكن امتلاكه. ومن هنا قد يصبح من الأسهل على المخيلة أن تتصور «عصاً سحرية» من أن تتقبل أن العصا لم تكن سوى الأداة الظاهرة في حدث مصدر قدرته يقع خارجها تماماً.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم ذلك الانشغال الذي يظهر بين حين وآخر بالسؤال عن مصير عصا موسى: أين أصبحت؟ وهل بقيت؟ وهل يمكن العثور عليها؟ ومن يحتفظ بها؟ وماذا لو عثر عليها إنسان اليوم؟ ولكن ماذا سيجد من يعثر عليها، لو أمكن له ذلك؟ سيجد، وفق المنطق الذي يقدمه النص القرآني نفسه، عصاً. وذلك لأن الله تعالى لم يقل لموسى: سنبقي فيها القدرة التي رأيتها. بل قال: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. وهذه «السيرة الأولى» هي التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلاً. فالله تعالى يعيد الشيء إلى طبيعته بعد أن يؤدي دوره في المعجزة، وكأن النص يحذرنا ضمناً من الخلط بين الأداة التي حضرت في المعجزة ومصدر المعجزة. فليس كل شيء جرت المعجزة بواسطته يصبح معجزاً. وليس كل شيء ارتبط بفعل إلهي يكتسب لنفسه شيئاً من القدرة الإلهية. وليست الوسيلة شريكة في القدرة لمجرد أن القدرة ظهرت عند استعمالها. وهذه قاعدة تتجاوز عصا موسى إلى تصورنا للمعجزة نفسها. فلو امتلك شيء ما قدرة ذاتية يستطيع بها خرق قوانين الطبيعة متى شاء حائزه، لكان علينا أن نتساءل: هل ما يحدث بواسطته معجزة حقاً، أم مجرد ظاهرة نجهل القانون الذي يحكمها؟
إن المعجزة، بالمعنى الأكثر صرامة، لا ينبغي أن تكون خاصية في مادة، ولا تقنية فائقة ضاعت أسرارها، ولا طاقة مجهولة مودعة في أداة؛ لأنها إن كانت كذلك أصبحت جزءاً من نظام سببي يمكن، من حيث المبدأ، اكتشافه وتكراره واستعماله. أما المعجزة وفقاً للقرآن فإنها شيء آخر؛ إذ أنها إعلان عن أن قوانين الأشياء لا تستقل عن خالق الأشياء. فالبحر هو بحر، لكنه ينفلق إذا شاء الله. والحجر حجر، لكنه تتفجر منه العيون إذا شاء الله. والعصا عصا، لكنها تصبح حيّة إذا شاء الله. ثم تعود العصا عصاً بأمر الله.
وهنا نصل إلى المعنى الأعمق الذي تختصره الآية القرآنية: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. فهذه هي النقطة التي ربما ينبغي أن نعيد إليها كل حديث عن عصا موسى. فالسر ليس في “العصا”، ولكن السر في “كن”. والبحر لم ينفلق لأن الخشب امتلك قوة على الماء، والحجر لم تنفجر منه العيون لأن العصا كانت تحمل طاقة مجهولة، والعصا لم تصبح حيّة لأنها كانت شيئاً بين النبات والحيوان.
فكل ذلك حدث لأن الإرادة التي أوجدت قوانين الطبيعة ليست محكومة بهذه القوانين.
ومن هنا تصبح عصا موسى مثالاً نموذجياً على خطأ أوسع كثيراً في التفكير البشري مفاده أن نخلط بين الوسيط والفاعل، وبين العلامة ومصدرها، وبين الشيء الذي تقع المعجزة عند حضوره والقوة التي أحدثت المعجزة.
وربما كان هذا الخلط نفسه واحداً من منابع صناعة الأشياء “المقدسة” والأسطورية عبر التاريخ. فما إن يرتبط شيء بشخص استثنائي أو حدث استثنائي حتى تبدأ المخيلة البشرية في نقل الاستثنائية إلى الشيء نفسه؛ فيصبح الثوب، أو الحجر، أو السيف، أو العصا، شيئاً مختلفاً عن سائر الأشياء، ثم تبدأ رحلة البحث عن آثاره، والتنافس على امتلاكه، وربما نسبة قوى إليه لم يقل النص الأصلي يوماً إنه يمتلكها.
لكن القرآن العظيم، في قصة العصا تحديداً، يكاد يغلق الباب أمام هذا كله منذ البداية. فالله تعالى يسأل موسى عما في يمينه، فيجيبه موسى بأبسط تعريف ممكن: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾. ثم تقع بواسطتها آيات مدهشة. ثم يقول الله تعالى عنها في النهاية: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. وبين هاتين الآيتين الكريمتين تكمن القصة كلها. كانت عصاً، شاء الله أن يجعلها آية فصيرها أفعى ثم أعادها عصا الى سابق عهدها.
ولهذا ربما كان البحث عن «عصا موسى العجيبة» بحثاً عن الشيء الخطأ؛ لأن الشيء الذي صنع المعجزة لم يكن مفقوداً حتى نبحث عنه، ولم يكن مودعاً أصلاً في قطعة خشب حتى نتساءل أين ذهبت. فهذا الشيء هو “أمر الله” الذي إذا تعلق بشيء لم تعد حدود الممكن البشري هي التي تحدد ما يمكن أن يحدث له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وهكذا لا تكون عصا موسى دليلاً على أن بعض الأشياء يمكن أن تمتلك قوى عجائبية، بل لعلها تقدم الدليل على العكس تماماً: أن أكثر الأشياء عادية يمكن أن تصبح موضعاً للمعجزة حين تتعلق بها الإرادة الإلهية، ثم تعود، بعد انقضاء الآية، إلى “عاديتها” الأولى. فالخشبة لم تكن هي المعجزة. وموسى لم يكن ساحراً يحمل أداة سحرية. والعصا لم تكن مستودعاً لقوة خارقة؛ فلقد كانت عصاً في يد نبي، وكان الأمر كله لله.
ولذلك، إذا أردنا اختصار قصة عصا موسى في عبارة واحدة، فلعل أدق عبارة هي ليست:
ما أعجب هذه العصا! بل: ما أعظم قول الله «كن» الذي جعل العصا، للحظة، غير ما كانت عليه، ثم أعادها سيرتها الأولى.
