
عاش الفكر السياسي الغربي لعقود متطاولة على إرث عريق من مفهوم “رجل الدولة” (Statesman)؛ ذلك النموذج الأنجلو-سكسوني التقليدي الذي يجسد الخبرة السياسية التراكمية، الرزانة، ضبط النفس، والقدرة على إدارة شؤون الأمة بعيداً عن أهواء الجماهير وتقلبات العاطفة العامة. غير أن هذا البناء المؤسسي النخبوي، الذي صُمم ليعمل في أروقة البرلمانات المغلقة والصحافة المكتوبة الرزينة، وجد نفسه فجأة واقفاً أمام إعصار رقمي لم يُبقِ على قواعد اللعبة القديمة ولم يذر! فالتحول المتسارع نحو عصر المنصات الرقمية والخوارزميات لم يكن مجرد تغيير في وسائل الاتصال، بل كان إعادة هيكلة جذرية للفضيلة السياسية وشكل السلطة، وهو ما أطاح بنموذج رجل الدولة التقليدي وجعل من الشعبوية، لا سيما “الشعبوية النخبوية”، البديل الحتمي والمستجيب الوحيد لطبيعة البيئة الاتصالية الجديدة.
كان رجل الدولة التقليدي يستمد قوته وتأثيره من بضعة مقومات أساسية:
• البعد الزمني والمكاني؛ فالقرارات تُتخذ بتأنٍّ، والخطابات تُكتب بعناية لتُقرأ في الغد.
• الوساطة المؤسسية؛ حيث تعمل الصحافة التقليدية والمؤسسات الفكرية كـ “حراس بوابة” (Gatekeepers) يفلترون الطروحات ويستبعدون الخطاب الراديكالي أو المغرق في السطحية.
• الشرعية المبنية على الخبرة: الاحترام الفطري للمؤسسات والتراتب النخبوي.
جاءت المنصات الرقمية (تويتر/إكس، تيك توك، فيسبوك) لتهدم هذه الأركان الثلاثة دفعة واحدة. فالخوارزميات الرقمية لم تُصمم لمكافأة الحكمة أو التعقيد السياسي، بل صُممت لتعظيم التفاعل (Engagement). فما يحقق التفاعل الأقصى ليس التعقل والموازنة، بل الغضب، الاستقطاب، السخرية، والإجابات السريعة المبتسرة. وفي هذه البيئة، أصبح “رجل الدولة” الذي يلقي خطاباً متزناً مدته ساعة يغرق في بحر من النسيان، بينما يقتنص السياسي الشعبوي الذي يطلق تغريدة حادة أو مقطع فيديو مدته 15 ثانية انتباه الملايين! فلقد تحول الفضاء العام من صالون للتداول العقلاني إلى سيرك افتراضي يُكافئ الاستعراض الدائم!
وأمام هذا التهاوي للنخبوية التقليدية، لم تنقرض النخبة، بل تكيف طراز جديد منها يُعرف بـ “الشعبوية النخبوية”. وهؤلاء هم قادة ينتمون في كثير من الأحيان للطبقات المتميزة أو الثرية، لكنهم يمتلكون الحس الرقمي الذي يتيح لهم تجاوز المؤسسات والحديث باسم “الشعب المظلوم” ضد “النخبة الفاسدة”.
فلقد أدركت الشعبوية الحديثة أن الجماهير في العصر الرقمي لم تعد تبحث عن “وصي أخلاقي” أو “أب رزين” يوجهها، بل عن تعبير عاكس لغضبها وإحباطاتها. وهنا تكمن الحتمية:
- القص واللصق الاتصالي: فالشعبوية تعتمد على السرديات البسيطة (نحن ضد هم، الخير ضد الشر)، وهي السرديات الوحيدة التي تلائم طبيعة المحتوى الرقمي قصير القاموس.
- تفكيك حراس البوابة، حيث أتاحت المنصات للقائد الشعبوي مخاطبة الأفراد مباشرة دون خضوع لأسئلة الصحفيين أو تدقيق الخبراء، مما أضفى طابعاً زائفاً من “الأصالة” (Authenticity) والشفافية.
إن الأزمات المعاصرة، سواء كانت تغيرات مناخية، أو جوائح، أو حروب معلوماتية، تتطلب قدرة على الاستجابة المرنة والسريعة. ورغم أن رجل الدولة التقليدي قد يمتلك الرؤية الإستراتيجية، إلا أن آلياته الهرمية البطيئة أصبحت عاجزة أمام سرعة انتشار الشائعات والتضليل الرقمي. فعندما تستغرق المؤسسة التقليدية أياماً لصياغة بيان موثق، يكون الخطاب الشعبوي قد شكّل الوعي الجمعي وفرض واقعاً سياسياً جديداً في ساعات معدودة. فالحذر التاريخي والتحفظ، وهي من أسمى فضائل رجل الدولة، تحولا في العصر الرقمي إلى نقطة ضعف قاتلة تُفسر على أنها عجز أو تخاذل.
إن الرثاء المستمر لغياب “رجال الدولة على الطراز القديم” هو نوع من الحنين الرومانتيكي المنقطع عن الواقع. فالطروحات التي تحاول إعادة إحياء هذا النموذج من القرن التاسع عشر نادراً ما تدرك أن الشروط المادية والثقافية والتقنية التي أنجبت ذلك النموذج قد اندثرت بلا رجعة! فلقد أطاحت المنصات الرقمية بنموذج رجل الدولة لأنها غيرت قواعد الفضيلة السياسية ذاتها. ولن يكون البديل هو العودة للماضي، بل تطوير مفهوم جديد للقيادة يزاوج بين العقلانية والقدرة على الإبحار في محيطات “الرقمية” المتلاطمة، وهي قيادة تفهم الخوارزميات دون أن ترهن عقلها لها، وتخاطب الجماهير بشفافية دون أن تسقط في فخ الشعبوية الرخيصة. وحتى يتبلور هذا النموذج الجديد، ستظل الساحة ملكاً لمن يجيد اللعب على وتر الشاشة والاستقطاب.!
