
لعل من أكثر العبارات تداولاً في الحديث عن تفسير القرآن تلك العبارة التي تقول إن “القرآن حمّال أوجه”. وقد استُعملت هذه المقولة، في كثير من الأحيان، للدلالة على ثراء النص القرآني وقابليته لأن يُقرأ من زوايا متعددة، حتى كاد يترسخ في الوعي التفسيري أن تعدد المعاني ليس مجرد احتمال تفرضه بعض الآيات، وإنما هو خاصية عامة للنص القرآني تكاد تجعل لكل آية وجوهاً عديدة، ولكل جيل الحق في أن يضيف إليها وجوهاً أخرى.
ولا شك في أن النص القرآني، شأنه شأن كل نص بالغ الثراء اللغوي والدلالي، قد يحتمل في بعض المواضع أكثر من وجه، وأن اختلاف المفسرين قد يكون أحياناً اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. ولكن المشكلة تبدأ حين ننتقل من الاعتراف بإمكان تعدد الدلالة إلى التسليم بمشروعية التعددية التفسيرية المفتوحة؛ أي حين يصبح مجرد إمكان تصور معنى ما سبباً كافياً لمنحه حق الانتساب إلى القرآن.
وهنا ربما نحتاج إلى أن نقرأ عبارة «القرآن حمّال أوجه» قراءة مغايرة تماماً. فماذا لو لم تكن هذه العبارة دعوة إلى تكثير الوجوه، بقدر ما كانت تحذيراً من خطورة تكثيرها؟ وماذا لو كان علينا، بدلاً من أن نفهم منها أن القرآن يمنحنا حرية الانتقال بين المعاني، أن نفهم منها أن قابلية النص لأن يُحمَل على أكثر من وجه تفرض علينا قدراً أكبر من الانضباط، لا قدراً أقل منه؟
ذلك أن المشكلة التفسيرية لا تكمن دائماً في النص، وإنما قد تكمن في ذلك العقل الذي يقترب منه. فالإنسان، وفق ما يمكن أن نسميه فائض التمثّل، لا يكتفي في العادة بما يقع أمامه ضمن حدوده المباشرة، بل يضيف إليه، ويعيد تشكيله، ويستكمل فراغاته، ويصنع له سياقات واحتمالات وصوراً ذهنية تتجاوز أحياناً ما يتيحه الشيء نفسه. وهذه القدرة كانت بلا شك من أعظم مصادر الإبداع البشري، لكنها في الوقت ذاته قد تكون من أخطر مصادر الانحراف المعرفي حين لا يدرك الإنسان الفارق بين ما يقوله الشيء وما يستطيع هو أن يتصوره بشأن الشيء!
وإذا كان ذلك يحدث في تعاملنا مع العالم، فليس ثمة ما يجعل النصوص بمنأى عنه، بل ربما كانت النصوص أكثر المجالات عرضة له؛ لأن اللغة بطبيعتها تتيح للعقل مساحة من الحركة لا تتيحها الأشياء المادية. ومن هنا يمكن أن يتحول التفسير، من حيث لا نشعر، من محاولة لاكتشاف ما يقوله النص إلى ممارسة لإنتاج ما يمكن أن نجعل النص يقوله.
وهذا فارق بالغ الخطورة. فليس كل معنى يستطيع العقل أن يستخرجه من تركيب لغوي معنى أراده ذلك التركيب، وليس كل احتمال يمكن الدفاع عنه بلاغياً أو لغوياً يمتلك الدرجة نفسها من “المشروعية الدلالية”. وإلا فقدنا شيئاً فشيئاً الحد الفاصل بين التفسير والتأويل الحر، ثم بين التأويل وإسقاط رغبات القارئ ومعتقداته السابقة على النص.
ولعل هنا تحديداً ينبغي إعادة النظر في مفهوم “القرآن حمّال أوجه”. فإذا كان القرآن حمّال أوجه، فإن أول ما ينبغي أن نستنتجه ليس أن جميع تلك الوجوه متساوية، وإنما أن علينا أن نبحث عن الوجه الذي يمتلك “السيادة الدلالية” على غيره. و”السيادة الدلالية” لا تعني بالضرورة أن كل آية لا تحتمل إلا معنى واحداً حرفياً لا سواه، وإنما تعني أن الاحتمالات التفسيرية ليست متساوية القيمة. فقد يكون ثمة معنى تفرضه اللغة والسياق ونظم الآيات واستعمال القرآن للمفردة ومقاصد الخطاب بدرجة عالية، ثم توجد إلى جانبه معانٍ أضعف، وأخرى أبعد، وأخرى لا تصبح ممكنة إلا بعد سلسلة طويلة من الافتراضات والإضافات.
والمشكلة أن فائض التمثّل يستطيع أن يقلب هذا الترتيب رأساً على عقب؛ فيجعل الاحتمال البعيد منافساً للاحتمال الأقرب، ثم يجعل مجرد وجوده حجة على مشروعيته!
وهكذا تتحول العبارة من: “هذه الآية يمكن أن تعني كذا” إلى نتيجة ضمنية تقول: “إذاً يحق لي أن أقول إن الآية تعني كذا”. ولكن “الإمكان الذهني” شيء، و”الدلالة النصية” شيء آخر. ولو فتحنا الباب لكل ما يمكن للعقل أن يتصوره، فلن يعود السؤال: ماذا يقول القرآن؟ بل سيصبح: ماذا نستطيع أن نجعل القرآن يقول؟ وعندئذ تكاد وظيفة النص نفسها تنقلب؛ فبدلاً من أن يكون القرآن مرجعاً يحتكم الإنسان إليه لتصحيح تصوراته، يصبح مادة يعيد الإنسان تشكيلها لكي تتوافق مع تصوراته السابقة.
ولعل الأخطر من ذلك كله يظهر حين تدخل الأهواء الدينية والسياسية والمذهبية والأيديولوجية إلى مجال التفسير. فالمتطرف، مثلاً، لا يحتاج دائماً إلى إنكار الآيات التي تحد من تطرفه. فيكفيه أن يقول إن لها «وجهاً آخر». والمتزمت لا يحتاج إلى رفض النص الذي يضيّق مساحة تزمتّه؛ إذ يستطيع أن يبحث عن تأويل ينسجم مع موقفه، ثم يضعه إلى جانب التأويل الآخر بوصفهما «وجهين» من وجوه القرآن. وكذلك يستطيع صاحب كل مذهب أن يراكم من الاحتمالات التفسيرية ما يكفي لجعل النص يبدو وكأنه يقول ما كان يعتقده هو قبل أن يقترب منه.
ومن هنا تصبح “التعددية التفسيرية” غير المنضبطة واحدة من أكثر الأدوات قدرة على تحييد سلطة النص من داخل النص نفسه. فبدلاً من أن يقول الإنسان: «لا أريد الانقياد إلى هذه الدلالة»، يقول: «هذه ليست إلا دلالة من بين دلالات». وبدلاً من أن يعترف بأنه تجاوز حدود النص، يضيف وجهاً تفسيرياً جديداً يوسع به تلك الحدود حتى تستوعب ما يريد.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى ومفادها أن المقولة التي يُظن أنها تعظّم ثراء القرآن قد تتحول، إذا أُطلقت من كل قيد، إلى وسيلة لإفقاده قدرته على الإلزام الدلالي.
إذ ماذا يبقى من سلطة النص إذا كان كل معنى يمكن مواجهته بمعنى آخر؟! وماذا يبقى من النهي إذا أمكن دائماً العثور على وجه يجعله أقل نهياً؟! وماذا يبقى من الأمر إذا استطعنا إنتاج تأويل يجعله غير ملزِم؟! وماذا يتبقى من الحدود التي يرسمها القرآن إذا أصبح “فائض التمثّل” قادراً على تحريكها كلما اصطدمت بما نريد؟!
إن النص الذي يعني كل شيء يكاد، في نهاية المطاف، ألا يعني شيئاً محدداً! ولهذا فإن المقاربة التفسيرية التي تقترحها هذه المقالة هنا لا تنكر تعدد الدلالات من حيث المبدأ، ولا تزعم أن كل آية لا بد أن تُختزل في معنى واحد مغلق، وإنما تدعو إلى قلب عبء الإثبات. فليس المطلوب من صاحب المعنى الأقرب إلى ظاهر النص وسياقه أن يبرر لماذا لم يقبل عشرات الاحتمالات الأخرى، بل المطلوب ممن يقترح وجهاً جديداً أن يبرهن على أن النص نفسه يتيح هذا الوجه، وليس أن العقل قادر فقط على تخيله.
وبهذا المعنى يصبح الأصل في التفسير “الاقتصاد الدلالي” وليس “التعدد الدلالي”. أي أن نضيف إلى النص أقل قدر ممكن مما لم يقله، وأن نبدأ بالمعنى الذي يحتاج إلى أقل عدد من الافتراضات الخارجية، وأن نتحرى السياق واللغة والاستعمال القرآني قبل أن نستدعي الخيال التأويلي، وأن نميز دائماً بين ما يحتمله اللفظ نظرياً وما يرجحه الخطاب فعلاً.
وربما كان من المفيد هنا أن نستعيد المقولة ذاتها، ولكن بعد أن نعكس السؤال الذي اعتدنا أن نطرحه بشأنها. فبدلاً من أن نقول: إذا كان القرآن حمّال أوجه، فكم وجهاً آخر يمكننا أن نستخرج منه؟ علينا أن نسأل: إذا كان القرآن حمّال أوجه، فكيف نمنع أنفسنا من أن نحمله على وجه لم يحمله هو؟
وهذا التحول في السؤال ينقل مركز المشكلة من النص إلى الإنسان. فالقرآن لا يجلس أمام تفاسيره ليختار بينها؛ الإنسان هو الذي يفعل ذلك. والقرآن لا يمتلك فائض التمثّل، بل الإنسان هو الذي يمتلكه. والقرآن لا يحتاج إلى أن يوافق مذهباً أو أيديولوجيا أو هوىً نفسياً، ولكن الإنسان هو الذي يحتاج أحياناً إلى أن يجعل القرآن يوافقها.
ومن ثم فإن القول إن «القرآن حمّال أوجه» ينبغي ألا يمنح المفسر مزيداً من الجرأة، بل ينبغي أن يمنحه مزيداً من “الخوف المعرفي”، لأن تعدد الاحتمالات يزيد مسؤوليته في التمييز بينها ولا يعفيه من ذلك. فالطبيب حين تتعدد أمامه احتمالات التشخيص لا يستنتج أن الأمراض كلها متساوية الاحتمال! والعالِم حين تتعدد الفرضيات لا يمنحها جميعاً الدرجة نفسها من الصدق! والقاضي حين تتعدد تأويلات الواقعة لا يستطيع أن يعتبرها جميعاً متساوية في الحجية! فلماذا يصبح تعدد الاحتمالات، حين يتعلق الأمر بالنص القرآني، مبرراً أحياناً لتعليق المفاضلة بينها؟! فتعدد الوجوه لا يلزم عنه تساوي هذه الوجوه. وهذه ينبغي أن تكون القاعدة التي تنطلق منها المقاربة التفسيرية الجديدة.
فقد يكون للآية أكثر من مستوى دلالي، وقد تستوعب أكثر من اعتبار، لكن ذلك كله ينبغي أن يبقى محكوماً بسؤال مركزي هو: أي هذه المعاني أقل اعتماداً على تمثلاتنا وأكثر اعتماداً على النص نفسه؟
وهنا يمكن لفكرة «التفسير الأقل تمثّلاً» أن تصبح معياراً منهجياً بالغ الدلالة المعرفية: فكلما احتاج التفسير إلى إضافات ذهنية أكثر، وافتراضات أكثر، وحكايات غير منصوص عليها أكثر، ومقدمات مستوردة من خارج النص أكثر، كان علينا أن نزداد حذراً منه. وكلما استطاع المعنى أن يقوم على ألفاظ النص وسياقه وعلاقته بما قبله وما بعده واستعمال القرآن نفسه لمفاهيمه، كان أحق بأن تكون له “السيادة الدلالية” ما لم يقم دليل أقوى على خلافه.
وليس المقصود بذلك إغلاق باب التدبر، بل حمايته من التحول إلى باب لا نهاية له من “الإسقاط”. فالتدبر الحقيقي لا يعني أن نثبت قدرتنا على اكتشاف معنى لم يكتشفه أحد قبلنا! وإنما أن ندرّب أنفسنا على الإنصات إلى النص قبل أن نجعله ينصت إلينا!
ولعل هذا يقودنا إلى المفارقة الأخيرة في عبارة “القرآن حمّال أوجه”. فلربما كان أخطر سوء فهم لها هو أن نتصورها وصفاً للقرآن وحده، بينما هي، من زاوية أخرى، تحذير من الإنسان الذي يحمله. فالقرآن قد يكون حمّال أوجه، ولكن الإنسان صنّاع أوجه! وما لم نضع حدوداً صارمة تفصل بين الوجه الذي يسمح به النص والوجه الذي يصنعه فائض التمثّل، فقد ننتهي إلى نسبة تصوراتنا إلى القرآن، ثم نستدل بالقرآن على صحة التصورات التي وضعناها فيه ابتداءً!
وعندئذ نكون قد أغلقنا دائرة معرفية محكمة: نبدأ بأنفسنا، ثم نمر بالنص، ثم نعود إلى أنفسنا ونحن نظن أننا عدنا منه. لهذا ربما ينبغي أن تُقرأ عبارة “القرآن حمّال أوجه” لا بوصفها إذناً مفتوحاً بتكثير التفاسير، وإنما بوصفها جرس إنذار معرفياً: احذروا أن تحملوا القرآن على ما تريدون لمجرد أن اللغة تتيح لكم أن تفعلوا ذلك. فليست عظمة النص في أن نجعله قادراً على قول كل شيء، وإنما في أن نمتلك نحن من التواضع والانضباط ما يكفي لكي نسمح له بأن يقول ما يقول، حتى عندما يكون ما يقوله مخالفاً لما كنا نريد منه أن يقول.
