لبراغماتية المعرفية… إيمانٌ بالمعجزات من نوع خاص

منذ سنوات، وبينما كنت أتجول في إحدى المدن الأمريكية، استوقفتني في أحد المتاجر عبارة كُتبت على نحو بدا، للوهلة الأولى، طريفًا:
“I don’t believe in miracles, I depend on them.”
أي: “أنا لا أؤمن بالمعجزات، لكنني أعتمد عليها”.
ولعل كاتب العبارة لم يكن يريد منها أكثر من مفارقة ساخرة تستدر ابتسامة عابرة. غير أن بعض العبارات، مهما كانت المناسبة التي قيلت فيها بسيطة، تستطيع أن تكشف عن شيء أعمق بكثير مما أراده قائلها. وقد ظلت هذه العبارة عالقة في ذهني لأنها بدت لي نموذجًا مكثفًا لمشكلة معرفية تتجاوز المعجزات نفسها، وتمتد إلى الكيفية التي يستطيع بها العقل البشري أن يجمع بين موقفين يُفترَض، منطقيًا، أن أحدهما ينفي الآخر. فكيف يمكن لإنسان أن لا يؤمن بشيء ثم يعتمد عليه؟!
فالاعتماد، في معناه البسيط، يفترض حدًا أدنى من الاعتقاد بوجود الشيء الذي نعتمد عليه، أو على الأقل بإمكان حدوثه. فأنا لا أستطيع أن أقول إنني لا أؤمن بوجود الجسر ثم أعلن، في الجملة التالية، أنني أعتمد عليه لعبور النهر! ولا أستطيع أن أنكر إمكان وجود الدواء ثم أقول إنني أعتمد عليه في شفائي! وذلك أن الاعتماد ليس موقفًا منفصلًا تمامًا عن الاعتقاد، وإنما يتضمن في داخله افتراضًا معرفيًا سابقًا: أن ما أعتمد عليه موجود، أو ممكن، أو قادر، بدرجة ما، على أداء الوظيفة التي أعتمد عليه من أجلها.
ولكن العبارة تفعل شيئًا آخر تمامًا؛ فهي تنفي المقدمة وتحتفظ بالنتيجة: لا أؤمن بالمعجزات، ولكنني أعتمد عليها! وهنا نكون أمام ما يشبه “المربع الدائري” المعرفي: تركيب يستطيع أن يعيش لغويًا، وأن يبدو بليغًا، وأن يثير الإعجاب، بل وربما أن يُتداول بوصفه حكمة، مع أن محاولة تفكيكه منطقيًا تجعلنا عاجزين عن تحديد الموقف الذي يعبّر عنه صاحبه! فهل هو يؤمن بالمعجزات أم لا؟ فإذا كان لا يؤمن بها حقًا، فعلى ماذا يعتمد؟ وإذا كان يعتمد عليها حقًا، فبأي معنى يمكن القول إنه لا يؤمن بها؟
ومن هنا خطر لي أن أنحت لهذا النمط من التفكير تعبيرًا هو “البراغماتية المعرفية”. ولا أقصد بالمصطلح هنا المدرسة البراغماتية الفلسفية بمعانيها المعروفة عند بيرس وجيمس وديوي، وإنما أستخدمه استخدامًا خاصًا للإشارة إلى حالة يصبح فيها الإنسان مستعدًا لأن يستعمل معرفيًا ما لا يستطيع أن يدافع عن صدقه معرفيًا؛ أي أن يسمح لفكرة ما بأن تؤدي وظيفة في حياته، لا لأنها اجتازت امتحان الاتساق والبرهان، وإنما لأنها نافعة، أو مريحة، أو جذابة، أو تمنحه أملًا، أو تختصر عليه عناء مواجهة تناقضاته. فالإنسان لا يسأل دائمًا: “هل هذه الفكرة صحيحة؟”، بل قد يسأل، من غير أن يشعر: “هل أستطيع أن أستفيد منها؟” وهذان سؤالان مختلفان تمامًا. فقد نرفض شيئًا حين نكون في مقام التقرير النظري، ثم نستدعيه حين نكون في مقام الحاجة النفسية. وقد نسخر من مفهوم حين نناقشه مجردًا، ثم نلوذ به عندما يمنحنا تفسيرًا مريحًا لما يحدث لنا! وقد ننكر مبدأً في خطابنا، ثم نبني جانبًا من سلوكنا على افتراض صحته.
وهكذا يصبح الإنسان قادرًا على أن يحتفظ في عقله بفكرتين متعارضتين، ما دام لكل واحدة منهما وظيفة مختلفة! إحداهما تحفظ له صورته بوصفه إنسانًا عقلانيًا لا يؤمن بالمعجزات، والأخرى تحفظ له حاجته إلى الأمل في حدوث ما لا يستطيع تفسيره أو توقعه.
وهنا تتجلى إحدى قدرات فائض التمثّل الأكثر إثارة للانتباه. فالعقل الخاضع لفائض التمثل لا يكتفي بالتعامل مع الأشياء وفق الحدود التي تفرضها دلالاتها، وإنما يعيد تمثلها بما يسمح لها بأن تتجاور حتى حين تكون متعارضة. وبدل أن يشعر بأن عليه الاختيار بين «أؤمن» و«لا أؤمن»، يستطيع أن يصنع “منطقة تمثلية” ثالثة يحتفظ فيها بالنفي والإثبات معًا! فهو لا يحل التناقض، بل يعيد تمثله بطريقة تجعله قابلًا للسكن. وهذه نقطة ذات دلالة معرفية بالغة، وذلك لأن العقل البشري لا يحتاج دائمًا إلى إزالة التناقضات التي يعيش بها. ففي أحيان كثيرة يكفيه أن يعيد صياغتها لغويًا حتى تفقد مظهرها المتناقض.
وهنا تبدأ اللغة بأداء وظيفة غريبة، فبدل أن تكون أداة لكشف المعنى، تصبح أحيانًا أداة لستر غيابه. فعبارة من قبيل: “لا أؤمن بالمعجزات، لكنني أعتمد عليها” تبدو لأول وهلة ذكية للغاية، بل إن التناقض نفسه يمنحها جاذبيتها. وكلما ازداد التوتر بين جزأيها، ازداد شعور المتلقي بأنه أمام «حكمة عميقة»! غير أن العمق اللغوي ليس بالضرورة عمقًا معرفيًا، كما أن المفارقة ليست دليلًا على وجود معنى قابل للدفاع عنه.
وهنا تبرز مشكلة أوسع بكثير من هذه العبارة. فالتراث المعرفي الإنساني، القديم والحديث، زاخر بعبارات اكتسبت سلطة هائلة لأنها تبدو عميقة قبل أن يُسأل عمّا تعنيه بالفعل! وقد يكفي أن تتضمن العبارة مفارقة، أو تقابلًا لفظيًا، أو تناقضًا ظاهريًا، أو غموضًا يسمح بتفسيرات كثيرة، حتى يبدأ الناس بتداولها بوصفها “حكمة بالغة” أو “فصل خطاب” أو نموذجًا من “السهل الممتنع”.
ولكن ماذا لو أخضعنا هذه العبارات لاختبار أبسط؟ ماذا لو سألنا: ما الذي تعنيه هذه العبارة تحديدًا؟ ثم سألنا: هل يمكن تحويل معناها إلى قضية واضحة يمكن اختبار اتساقها؟ ثم: إذا كانت تتضمن حكمين متناقضين، فهل قدمت لنا سببًا يفسر إمكان اجتماعهما، أم أنها اكتفت بوضعهما جنبًا إلى جنب؟ عندئذ قد نفاجأ بأن قدرًا غير قليل مما حسبناه حكمة لم يكن سوى هندسة لغوية للتناقض.
فنحن كثيرًا ما نخلط بين صعوبة فهم العبارة وعمقها. فإذا لم نفهمها قلنا: لعل معناها أعمق مما نستطيع إدراكه. وإذا جمعت بين المتناقضات قلنا: لعلها تكشف حقيقة تتجاوز المنطق البسيط. وإذا أمكن تفسيرها بعشرة أوجه قلنا: لعل ثراءها هو الذي يسمح بذلك. ولكن الاحتمال الآخر، الذي لا يحب العقل الاعتراف به، هو أن العبارة قد تكون غامضة لأنها غير محكمة أصلًا، وأنها قد تحتمل عشرات المعاني لأنها لم تقل شيئًا محددًا بما يكفي لكي تستبعد تسعة أعشارها!
وهذا هو أحد المواضع التي يتدخل فيها فائض التمثل ليمنح الكلمات أكثر مما تحمله. فالعبارة البسيطة لا تبقى عبارة. إنها تتحول في ذهن المتلقي إلى فضاء مفتوح يملؤه هو بالمعاني! ثم يقع شيء بالغ الطرافة: يعجب الإنسان بالمعنى الذي أضافه بنفسه إلى العبارة، ثم ينسب هذا العمق إلى قائلها! وهكذا لا تعود الكلمات مسؤولة عن إثبات معناها؛ إذ يتولى فائض التمثل هذه المهمة نيابة عنها!
ولعل هذا يساعدنا على فهم ظاهرة مألوفة في تاريخ الفكر: لماذا تستطيع بعض الأقوال الغامضة أن تعيش قرونًا، بينما تموت عبارات أكثر دقة منها؟ لأن العبارة الدقيقة تضع حدودًا لما تعنيه. أما العبارة الفضفاضة فتتيح لكل جيل، بل ولكل قارئ، أن يعيد إنتاجها وفق تمثلاته الخاصة! وما يبدو «ثراءً لا ينضب» قد يكون، في بعض الحالات، مجرد عجز العبارة عن إلزام نفسها بمعنى محدد.
ومن هنا تصبح «البراغماتية المعرفية» أكثر من مجرد وصف لعبارة طريفة رأيتها يومًا في متجر أمريكي؛ إذ أنها تسمية ممكنة لنزعة إنسانية أوسع: أن نحتفظ بالأفكار ما دامت تؤدي لنا وظيفة، حتى عندما لا نستطيع أن نجعلها تتعايش منطقيًا مع الأفكار الأخرى التي نزعم الإيمان بها. فنحن قد نرفض الخرافة نظريًا ونمارسها عمليًا، ونعلن الإيمان بالسببية ثم نستثني منها ما نرغب في استثنائه، ونطالب الآخرين بالدليل ثم نعفي معتقداتنا المفضلة منه، ونحتج بالمنطق حين يخدم موقفنا ثم نحتفي بتجاوز المنطق حين يصبح المنطق عبئًا عليه.
إننا، بكلمة أخرى، لا نكون دائمًا أوفياء للحقيقة بقدر ما نكون أوفياء للحاجة التي تؤديها الفكرة. ولذلك فإن السؤال الأهم الذي أثارته في نفسي تلك العبارة لم يعد: كيف يمكن لإنسان ألا يؤمن بالمعجزات ثم يعتمد عليها؟ بل أصبح: كم من الأشياء التي «لا نؤمن بها» نعتمد عليها بالفعل؟ وكم من الأشياء التي نزعم الإيمان بها نتخلى عنها لحظة تصبح غير نافعة لنا؟!
وعند هذه النقطة تحديدًا تظهر البراغماتية المعرفية في صورتها الأكثر وضوحًا: فالعقل لا يعود مضطرًا إلى الاختيار بين التصديق والتكذيب، ما دام يستطيع أن يستفيد من التصديق حينًا، ومن التكذيب حينًا آخر.
وربما كانت تلك هي «المعجزة» الحقيقية التي تكشف عنها العبارة. فليست المعجزة أن يحدث ما يخالف المألوف، وإنما أن يستطيع العقل البشري أن يبني دائرة داخل مربع، ثم يقنع نفسه بأن الشكل الناتج متسق تمامًا! فعبارة “I don’t believe in miracles, I depend on them” لا تخبرنا، بهذا المعنى، عن المعجزات بقدر ما تخبرنا عن الإنسان! إذ أنها تكشف قدرة العقل على أن يجعل من التناقض موقفًا، ومن الغموض عمقًا، ومن الاصطفاف الماهر للكلمات حكمة، ثم يعتمد على البناء كله من غير أن يطالبه بتقديم شهادة تثبت أنه يعني شيئًا متماسكًا بالفعل.
وهنا ربما ينبغي أن نضيف إلى أدوات النقد المعرفي سؤالًا شديد البساطة، لكنه بالغ الخطورة: هل هذه العبارة عميقة حقًا، أم أن فائض التمثل في داخلي هو الذي صنع لها عمقها؟ فقد يكون بعض ما نطلق عليه “حكمة” ليس أكثر من كلمات قليلة وضعت أمام العقل مرآة، فرأى فيها أفكاره هو، ثم انبهر بما ظنه موجودًا خلف الزجاج!

أضف تعليق