
ثمة ملاحظة في غاية البساطة، ولكن بساطتها ربما كانت أحد الأسباب التي حالت دون أن تنال ما تستحقه من التساؤل. فنحن حين ننظر إلى الطبيعة بوصفها منظومة حيوية متكاملة، نجد أن كل مفردة تقريبًا تبدو، بدرجة أو بأخرى، داخلة في شبكة من العلاقات التي تجعل وجودها ذا أثر في وجود غيرها. فالنبات ليس مجرد كائن ينمو منفردًا، والحيوان ليس مجرد فرد يأكل ويتناسل ثم يموت، والفطر والبكتيريا والحشرات والديدان والمفترسات والفرائس ليست موجودات متناثرة أُلقي بعضها إلى جوار بعض مصادفة، وإنما هي أطراف في منظومات من العلاقات المتشابكة التي تشكل، في مجموعها، ما نسميه بالنظام الحيوي للطبيعة.
ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن الطبيعة قد «خططت» لهذه المنظومات أو قصدت الوصول بها إلى صورة مثالية؛ فمثل هذه اللغة ستنقلنا من الوصف البيولوجي إلى افتراضات أخرى لا حاجة لنا الآن بها. فالمقصود أبسط من ذلك: أن التاريخ التطوري الطويل أنتج منظومات أصبح فيها وجود الكائنات وآثارها متداخلًا إلى درجة يصعب معها فصل تاريخ نوع عن تاريخ الأنواع والبيئات التي أحاطت به. فالنبات يثبت التربة أو يوفر الغذاء والمأوى، والحشرات تسهم في التلقيح والتحلل، والكائنات الدقيقة تعيد تدوير المواد، والمفترسات تضغط على جماعات الفرائس، والفرائس بدورها تؤثر في النباتات، والاجسام الميتة تتحول إلى مورد لكائنات أخرى، والفضلات نفسها تدخل من جديد في دورات المادة. وحتى الموت، الذي يبدو للوهلة الأولى نهاية لدور الكائن، يصبح داخل الطبيعة بداية لأدوار أخرى. إنها شبكة لا تكاد تعرف شيئًا اسمه “الفائض الذي لا وظيفة له”.
وليس المقصود من ذلك أن لكل كائن وظيفة ثابتة أوجدته الطبيعة من أجلها؛ فهذه قراءة غائية لا يقول بها التطور. وإنما المقصود أن الكائن، ما إن يوجد داخل منظومة بيئية زمنًا كافيًا، حتى يصبح وجوده جزءًا من شبكة التأثيرات المتبادلة فيها، بحيث تتكيف الكائنات الأخرى معه ويتكيف معها، وتتشكل عبر الزمن صور من الاتزان الديناميكي الذي لا يعني السكون، بل استمرار المنظومة رغم تغير مكوناتها.
وهنا يظهر الإنسان. وهنا أيضًا تبدأ المفارقة. فالإنسان، من الناحية البيولوجية، ليس وافدًا من خارج الطبيعة، بل هو سليل تاريخها التطوري نفسه، يحمل في جسده آثار ذلك التاريخ، ويتشارك مع بقية الحيوان في عدد هائل من البنى والوظائف والحاجات الأساسية. فيأكل، ويتنفس، ويتناسل، ويمرض، ويشيخ، ويموت. ومن هذه الزاوية لا يوجد ما يبرر إخراجه من المشهد الطبيعي.
ولكن ما إن ننتقل من أصل الإنسان إلى أثر الإنسان حتى تبدأ الصورة بالتغير على نحو مثير للأسئلة. فأين يقع الإنسان في النظام الحيوي للطبيعة؟ فيمكن، بالطبع، أن نجيب إجابات جزئية عديدة. فلقد كان الإنسان فريسة لبعض الحيوانات، ومفترسًا لحيوانات أخرى، وناقلًا للبذور، ومغيرًا للموائل، ثم أصبح لاحقًا مهندسًا بيئيًا هائل القدرة. وهذه كلها أدوار بيئية “حقيقية”. لكنها لا تبدد المفارقة، وإنما تجعل صياغتها أكثر دقة. وذلك لأن السؤال هو ليس: هل للإنسان أثر في الطبيعة؟ فلا شك أن له أثرًا، وربما أصبح أثره أعظم من أثر أي نوع آخر، بل السؤال هو: لماذا اتخذ هذا الأثر مسارًا مختلفًا إلى هذا الحد؟
فالإنسان لم يكتف، شيئًا فشيئًا، بأن يكون طرفًا داخل الشبكة، وإنما أخذ يعيد تشكيل الشبكة نفسها وفق حاجاته وتمثلاته ورغباته. فالإنسان قطع الغابات، وحوّل مجاري المياه، واستأنس أنواعًا وانتخبها، وأباد أنواعًا أخرى أو دفعها إلى الانقراض، ونقل الكائنات بين القارات، واستبدل بالمنظومات البيئية المتنوعة حقولًا ومدنًا ومصانع وطرقًا، ثم أصبح قادرًا على تغيير دورات كيميائية ومناخية تتجاوز حدود البيئة المحلية التي يعيش فيها. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: فالكائن الخارج من النظام الطبيعي نفسه أصبح قادرًا على العمل ضد استمرارية أجزاء واسعة من ذلك النظام!
ولعل هذه الملاحظة تستحق اهتمامًا أعمق من مجرد وضعها تحت عنوان «الأثر البشري في البيئة»! فالمسألة ربما لا تتعلق بمقدار الأثر وحده، وإنما بطبيعته. فالفيل يغير بيئته. والقندس يبني السدود ويعيد تشكيل المجاري المائية. وبعض الحيوانات قد يؤدي تناسلها أو دخولها إلى بيئة جديدة إلى اضطرابات هائلة. ومن ثم فإن تغيير البيئة ليس امتيازًا بشريًا. ولكن الإنسان يمتلك شيئًا مختلفًا نوعيًا في الدرجة، وربما في البنية أيضًا؛ فهو يستطيع أن يعيد تشكيل بيئته استجابة لأشياء لا وجود ماديًا مباشرًا لها في البيئة ذاتها.
فقد يهدم غابة لا لأنه جائع الآن، وإنما لأن لديه تصورًا عن الربح في المستقبل. وقد يستخرج من باطن الأرض كميات هائلة من مادة لا يحتاج إليها جسده مباشرة، وإنما لأن منظومة اقتصادية رمزية منحتها قيمة. وقد يقتل حيوانًا لا ليأكله ولا ليدفع خطره، وإنما لأن رأس الحيوان يمثل لديه رمزًا للمكانة. وقد يحول أرضًا كاملة لأن حدودًا سياسية تخيلية رسمتها جماعته جعلتها “أرضًا قومية” أو “ملكية خاصة” أو “مشروعًا استثماريًا”!
وهنا ربما لا يعود السؤال بيئيًا خالصًا، بل يصبح سؤالًا عن الإنسان نفسه. فإذا كان الحيوان يتعامل، في الغالب، مع بيئته من خلال حاجاته البيولوجية المباشرة، فإن الإنسان أدخل بين حاجته والعالم طبقة هائلة من التمثلات كالمال، والملكية، والمكانة، والهوية، والأيديولوجيا، والأسطورة، والمستقبل المتخيل، والنجاح، والتقدم، والترف، والرغبة في السيطرة.
وهكذا لم تعد الطبيعة تتعامل مع كائن بيولوجي فحسب، وإنما مع كائن يستطيع أن يجعل ما يتخيله سببًا ماديًا لتغيير العالم الحقيقي! ومن هنا يمكن أن تكتسب المسألة دلالة معرفية خاصة ضمن مفهوم “فائض التمثّل”.
فلعل أحد أخطر تجليات فائض التمثّل أنه فك جزئيًا الارتباط المباشر بين الفعل البشري ومتطلبات البقاء البيولوجي. فالحيوان يستطيع أن يستهلك أكثر مما ينبغي في ظروف معينة، وقد يدمر موردًا محليًا، لكن قدرة الإنسان الرمزية جعلت الاستهلاك نفسه قابلًا للانفصال عن الحاجة. فلا تعود هناك نقطة بيولوجية واضحة تقول له: كفى!
فيمكن للثروة أن تتراكم بعد أن تتجاوز بمراحل ما يستطيع صاحبها استهلاكه. ويمكن للسلطة أن تستمر في طلب المزيد من السلطة. ويمكن للإنتاج أن يستمر بعد إشباع الحاجة التي بدأ من أجلها. ويمكن للرغبة أن تنتج رغبة جديدة بدل أن تنتهي بإشباع القديمة! فنحن هنا أمام كائن أصبحت دوافعه قابلة، بفضل عالمه التمثلي، للتمدد إلى ما وراء الحدود التي تضبط معظم التفاعلات الحيوية الأخرى. وربما لهذا السبب تبدو العلاقة بين الإنسان والطبيعة مختلفة. فالطبيعة لم «تقرر» ألا تشرك الإنسان في نظامها، ولم يظهر الإنسان خارج قوانين التطور. ولكن ما حدث لاحقًا قد يكون أكثر إثارة للاهتمام؛ إذ ظهر داخل النظام الطبيعي كائن اكتسب من القدرات ما سمح له بأن يتجاوز الحدود التي كانت تجعل أثر الكائن متناسبًا، في المعتاد، مع موقعه البيئي وحاجاته الحيوية.
ومن هنا يمكن إعادة صياغة الملاحظة بطريقة أكثر إثارة؛ فربما لم تكن المفارقة أن الطبيعة لم تجد للإنسان وظيفة داخل منظومتها، وإنما لأن الإنسان أصبح الكائن الذي لم تعد وظيفته البيئية كافية لتفسير سلوكه.
وهذا فرق بالغ الدلالة المعرفية. فحين نبحث عن سبب قطع شجرة لدى القندس، نجد السبب داخل عالمه الحيوي المباشر. وحين نبحث عن سبب قتل حيوان لدى مفترس، نجد الغذاء في الغالب. وحين نبحث عن هجرة طائر، نجد شروطًا بيئية وتناسلية يمكن تتبعها. أما حين نبحث عن أسباب “تغيير الإنسان لكوكبه”، فسوف نضطر إلى مغادرة البيولوجيا المباشرة والدخول في عالم آخر قوامه الاقتصاد، والدين، والسياسة، والأسطورة، والهوية، والتكنولوجيا، والرغبة في المكانة، والخوف من المستقبل، وتمثلات النجاح والتقدم، بل وحتى الأفكار التي لا توجد إلا داخل العقول.
وهذا هو الموضع الذي يصبح فيه السؤال الميتابايولوجي مشروعًا: متى لم يعد الإنسان مجرد حيوان داخل الطبيعة، وأصبح حيوانًا يحمل في رأسه عالمًا تمثليًا يستطيع بواسطته أن يعيد “تشكيل الطبيعة نفسها”؟
فلعلنا، إذا نظرنا إلى المسألة بهذه الكيفية، نكتشف أن إحدى أعظم المفارقات في التاريخ التطوري هي ليست ظهور نوع أكثر ذكاءً من غيره، وإنما ظهور نوع أصبحت المسافة بين حاجاته البيولوجية وأفعاله الفعلية واسعة إلى درجة لم يعد ممكناً معها تفسير الطرف الثاني انطلاقًا من الطرف الأول وحده. فالأسد، مهما بلغت قوته، لن يبني منظومة صناعية لمضاعفة عدد الفرائس التي يقتلها آلاف المرات من أجل مبادلتها برموز مجردة للقيمة. والقندس لن يبني عشرة آلاف سد لأنه قرر أن نمو الناتج السنوي لمجتمع القنادس ينبغي ألا يقل عن ثلاثة في المئة. والحيوان الذي يسيطر على منطقة لن يحول السيطرة نفسها إلى فكرة مجردة قابلة للتوسع بلا نهاية. أما الإنسان فيستطيع ذلك، لأن العالم الذي يتحرك فيه لم يعد العالم الطبيعي وحده! فالإنسان يتحرك، في الوقت نفسه، داخل عالم تمثلي صنعه بنفسه ثم أصبح ذلك العالم قادرًا على توجيه أفعاله في العالم المادي. وهكذا ربما نصل إلى المفارقة الأشد إثارة: فالإنسان ابن الطبيعة يقينًا، ولكنه أصبح الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يتصرف كما لو أنه ليس واحدًا من أبنائها! وليس أخطر ما في الأمر أنه استطاع تدمير بعض أجزاء النظام الحيوي الذي خرج منه، وإنما لأنه يستطيع أن يعرف أنه يفعل ذلك، وأن يتنبأ بعواقب ما يفعله، وأن يمتلك المعرفة اللازمة لتقليل الضرر، ثم يستمر مع ذلك في الفعل نفسه.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سؤال البيئة، وأكبر حتى من سؤال التطور. إنه السؤال الذي يعود بنا مرة أخرى إلى قلب مشكلة الإنسان: فما الذي حدث لهذا الكائن داخل التاريخ الطبيعي حتى أصبح الكائن الذي أنتجته الطبيعة قادرًا على فهم نظامها، ثم إعادة تشكيله، بل وتهديد أجزاء منه، مدفوعًا بأسباب لم تعد الطبيعة البيولوجية وحدها كافية لتفسيرها؟!
ربما كان هذا واحدًا من المواضع التي ينبغي عندها ألا نتسرع في إخراج الإنسان من نظرية التطور، ولكن ألا نتسرع كذلك في الاعتقاد بأن مجرد إثبات أصله التطوري يكفي لتفسير ما أصبح عليه! فبين الإنسان الذي خرج من الطبيعة والإنسان الذي أخذ يعيد صناعة الطبيعة توجد “فجوة تفسيرية”. وفي هذه الفجوة تحديدًا قد يكون علينا أن نبحث عن واحدة من أهم العلامات التي تشير إلى تلك الانعطافة التي فصلت، لا جسم الإنسان عن عالم الحيوان فحسب، وإنما منظومة دوافعه وتمثلاته عن الحدود التي كانت تضبط وجوده داخله أيضاً.
