
ربما تكون إحدى النتائج المهمة التي يمكن أن ننتهي إليها من إعادة النظر في ظاهرة «الافتراضات المسبقة» هي أن المشكلة لم تكن يومًا في أننا أخطأنا في ملاحظة الظاهرة، وإنما في أننا ربما أخطأنا في تحديد موضعها من الخريطة الكبرى للسلوك الإنساني. فنحن نعرف بالفعل أشخاصًا تطغى الافتراضات المسبقة على طريقتهم في التعامل مع الآخرين؛ فيحكمون قبل أن يعرفوا، ويفسرون قبل أن يسألوا، وينسبون النوايا قبل أن تتوافر لديهم الأدلة، ثم يتعاملون مع ما افترضوه كما لو أنه واقعة ثبتت صحتها. ومن السهل، أمام الحالات الواضحة من هذا النوع، أن نتصور أننا أمام سمة تخص هؤلاء الأشخاص تحديدًا، وأن بقية الناس يقفون، بدرجات متفاوتة، خارج نطاقها!
ولكن إعادة قراءة هذه الظاهرة على ضوء مفهوم «فائض التمثّل» تقترح احتمالًا مختلفًا تمامًا. فماذا لو لم يكن الفرق الحقيقي بين هؤلاء وبين بقية البشر هو امتلاكهم هذه الخاصية وانعدامها عند الآخرين، وإنما مقدار خضوعهم لها، وشدة حضورها في سلوكهم، ومدى قدرتهم على مراجعة التمثلات التي يصنعها وعيهم قبل تحويلها إلى أحكام على الواقع؟
عندئذ تصبح الافتراضات المسبقة مجرد حالة نموذجية لظاهرة أوسع بكثير. وهنا تحديدًا ينبغي لنا ألا نتوقف. فإذا كان فائض التمثّل قادرًا على تفسير لماذا لا ينتظر الإنسان الواقع دائمًا حتى يكتمل أمامه، بل يستبق اكتماله بصناعة تمثل له، فلماذا نفترض أن هذه الآلية تتجلى في الافتراضات المسبقة وحدها؟ ألا يمكن أن تكون هناك ظواهر سلوكية ونفسية أخرى اعتدنا النظر إليها بوصفها ظواهر منفصلة، بينما هي، في مستوى أعمق، صور مختلفة لآلية تمثلية واحدة؟
إن هذا السؤال لا يدعونا إلى إلغاء علم النفس، ولا إلى إنكار الفروق الفردية، ولا إلى الادعاء بأن الاضطرابات النفسية هي مجرد أسماء مختلفة لفائض التمثّل. فمثل هذا التعميم لن يكون أقل اختزالًا من التصنيفات التي نحاول إعادة النظر فيها، إنما الدعوة هنا أكثر تحديدًا، ومفادها أن نعيد فحص الحدود التي رسمناها بين بعض الظواهر، وأن نسأل عما إذا كانت استقلاليتها الاصطلاحية تعني بالضرورة استقلالها السببي والبنيوي. فنحن نطلق اسمًا على “الميل إلى قراءة نوايا الآخرين”، واسمًا آخر على “الشخصنة”، وثالثًا على “التعميم”، ورابعًا على “الإسقاط”، وخامسًا على “الثقة الزائدة في الأحكام”، وسادسًا على “البحث الانتقائي عما يؤيد معتقداتنا”، وسابعًا على “تحويل المصادفات إلى علاقات سببية”، وثامنًا على “بناء تصورات للمستقبل ثم الاستجابة الوجدانية لها كما لو أنها وقائع”. ولا مشكلة، من حيث المبدأ، في تعدد الأسماء. فالعلم يحتاج إلى التمييز بين الظواهر لكي يستطيع وصفها ودراستها، ولكن المشكلة تبدأ عندما تجعلنا الأسماء ننسى السؤال الأعمق: هل نحن أمام ظواهر مستقلة حقًا، أم أمام تجليات مختلفة لخاصية أكثر أساسية؟
خذ مثلًا “قراءة النوايا”. فيقول شخص كلمة تحتمل أكثر من معنى، فلا يكتفي المستمع بالكلمة التي سمعها، وإنما ينتقل منها إلى شيء لم يسمعه قط: “إنه يقصد إهانتي”. وهنا حدث شيء بالغ القيمة الدلالية. فالواقعة الخارجية لم تتضمن سوى كلمات، أما «القصد» فقد أُنتج داخل وعي المتلقي. ومع ذلك يستطيع هذا التمثل الداخلي أن يتحول خلال ثوانٍ إلى واقعة نفسية كاملة؛ يغضب الإنسان بسببها، ويخاصم بسببها، وربما يقطع علاقة امتدت سنوات بسبب شيء لم يقع خارج ذهنه بالصورة التي تصوّرها! فما الذي حدث هنا؟ لقد أضاف الوعي إلى المعطى أكثر مما يحتويه المعطى. وهذه هي إحدى البنى الأساسية لفائض التمثّل.
والأمر نفسه يمكن ملاحظته في “الشخصنة”. فيحدث شيء قد تكون له عشرات الأسباب الممكنة، ولكن الإنسان يختار من بينها تفسيرًا يتمحور حول ذاته: لم يرد على رسالتي لأنه غاضب مني؛ لم يحيّني لأنه يتعمد تجاهلي؛ ضحكوا لأنهم كانوا يتحدثون عني. فقد يكون أحد هذه التفسيرات صحيحًا بالفعل، والمسألة هي ليست استحالة صحته، ولكن المسألة أن الوعي يستطيع إنتاجه قبل امتلاك الدليل الكافي عليه، ثم يستطيع، وهذا هو الأخطر، أن يستجيب له انفعاليًا كما لو أن الفجوة بين الاحتمال والواقعة قد اختفت!
ونجد الآلية ذاتها في “التعميم”. فتحدث واقعة واحدة، ولكنها لا تبقى واقعة واحدة طويلًا. فشخص يخون الثقة، فتتحول التجربة إلى «الناس لا يؤتمنون». تجربة عاطفية تفشل، فتتحول إلى حكم على العلاقات. فرد من جماعة يتصرف بطريقة معينة، فتنتقل صفته إلى الجماعة كلها! ومرة أخرى، يضيف التمثل إلى الواقع ما ليس موجودًا فيه بالضرورة. فالواقع قدّم حالة واحدة، بينما الوعي أنتج منها قاعدة. وهذا الانتقال من المفرد إلى العام ليس غريبًا على الإنسان، بل هو من أساسيات قدرته على التعلم والتجريد. غير أن القدرة ذاتها التي تسمح لنا ببناء القواعد من الوقائع تستطيع أن تجعلنا نبني قاعدة أكبر مما تسمح به الوقائع ذاتها!
وهنا تكمن المفارقة. ففائض التمثّل ليس بالضرورة «خللًا» يمكن انتزاعه من الإنسان ثم يبقى الإنسان كما كان. وربما كانت بعض مظاهره امتدادًا لقدرات معرفية لا يستطيع الإنسان أصلًا أن يعيش من دونها كالتوقع، والاستدلال، والتعميم، والمحاكاة الذهنية، وبناء النماذج، وقراءة السياق، واستكمال الناقص.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز الناتج التمثلي مقدار ما تسمح به المدخلات الواقعية، ثم يفقد الوعي قدرته على التمييز بين الاثنين.
وهنا ربما نكون أمام مفتاح لإعادة قراءة عدد كبير من الظواهر السلوكية. فالإنسان لا يخاف مما حدث فحسب؛ إذ أنه يخاف مما يتصور أنه سيحدث. ولا يغضب مما قيل فحسب، وإنما مما يعتقد أن القائل قصده. ولا يحب الآخر أو يكرهه لما هو عليه فحسب، وإنما للصورة التي كوّنها عنه. ولا يتذكر الماضي كما لو كان يستعيد تسجيلًا محفوظًا، وإنما يعيد بناءه داخل حاضر تغيرت فيه ذاته ومعارفه ومشاعره، ولا يتعامل مع المستقبل بوصفه فراغًا مجهولًا، وإنما يملؤه باستمرار بسيناريوهات واحتمالات وتوقعات! أي إن الإنسان يعيش، بدرجة ربما لا نقدر حجمها حق قدره، داخل عالمين متداخلين: عالم الأشياء والأحداث، وعالم تمثلاته لتلك الأشياء والأحداث! والمشكلة أن الحدود بين هذين العالمين ليست واضحة دائمًا.
وهنا نستطيع أن نخطو الخطوة التالية. فبدل أن نسأل: ما اسم هذه الظاهرة؟ فحسب، يمكن أن نسأل: ما الآلية التي أنتجتها؟
وبدل أن نكتفي بإضافة «انحياز» جديد إلى قائمة الانحيازات، أو «تأثير» جديد إلى قائمة التأثيرات، أو «عَرَض» جديد إلى قوائم الأعراض، يمكن أن نسأل عما إذا كانت مجموعة منها تنتمي إلى عائلة سببية واحدة. وهذه ليست دعوة إلى “الترشيق الاصطلاحي” فحسب، وإنما إلى شيء أعمق: “الترشيق التفسيري”. فالتقدم المعرفي لا يتحقق دائمًا باكتشاف مزيد من الظواهر، وإنما قد يتحقق أحيانًا باكتشاف أن عددًا من الظواهر التي ظنناها مستقلة يمكن فهمها من خلال مبدأ أعم.
وهنا تصبح مقالة “الافتراضات المسبقة” هي مجرد الخطوة الأولى. فإذا تبين أن “الافتراض المسبق” ليس سلوكًا شاذًا تمارسه قلة غريبة عن «الإنسان الطبيعي»، وإنما تضخمًا ظاهرًا لنزعة تمثلية أوسع يشترك البشر فيها بدرجات مختلفة، فإن السؤال التالي يصبح مشروعًا: كم ظاهرة أخرى وضعناها في خانة «الآخرين» بينما تحمل بنيتها الأولية عقولنا جميعًا؟
وهنا ينبغي توخي قدر كبير من الحذر. فليس المقصود القول إن الإنسان السليم والمصاب باضطراب نفسي شيء واحد، ولا أن التشخيصات السريرية أو الفروق الكمية والنوعية بين الحالات وهم. كما لا يجوز أن يتحول فائض التمثّل إلى مفتاح سحري نزعم أنه يفسر كل سلوك بشري؛ لأننا عندئذ سنقع في الفخ نفسه الذي نحاول التنبيه إليه؛ إذ أننا سنصنع قالبًا تفسيريًا ثم نرغم الواقع كله على المرور من خلاله!
بل إن صلاحية مفهوم فائض التمثّل نفسه ينبغي أن تتوقف على قدرته على قبول الاختبار والنقد، وعلى بيان أين يفسر وأين لا يفسر، وما الذي يضيفه إلى التفسيرات النفسية والمعرفية القائمة بدل أن يكتفي بإعادة تسميتها. ولكن هذا التحفظ المنهجي لا ينبغي أن يمنعنا من طرح هذا السؤال. فقد تكون أمامنا مشكلة تصنيف حقيقية. فربما فصلنا بين ظواهر كثيرة لأننا بدأنا من مخرجاتها السلوكية المختلفة، وليس من آليتها التمثلية المشتركة.
فـ “قراءة النية” هي ليست “الشخصنة”، و”الشخصنة” هي ليست “التعميم”، و”التعميم” هو ليس “الإسقاط”، و”الإسقاط” هو ليس “التوقع القَلِق”. ولكن اختلاف المخرجات لا يستلزم بالضرورة اختلاف الآلية التي ساهمت في إنتاجها. وهذه كلها جميعاً كأغصان تبدو متباعدة ما دمنا ننظر إليها من الأعلى، ثم نكتشف، عندما نتتبعها إلى الأسفل، أنها متصلة بجذع واحد!
وهذا هو الموضع الذي تصبح عنده «القفزة» مطلوبة. ولكنها، كما ينبغي التشديد عليه، هي ليست “قفزة إيمان Leap of Faith”، بل هي قفزة عقلانية، من كثرة الظواهر إلى البحث عن البنية المشتركة بينها، ومن الاكتفاء بالوصف إلى البحث عن المستوى التفسيري الأعمق، ومن سؤال “ما اسم ما يفعله الإنسان؟” إلى سؤال “ما الذي يجعل الإنسان قادرًا على إنتاج كل هذه الصور المختلفة من السلوك؟”.
وقد تقودنا هذه القفزة في النهاية إلى إعادة النظر حتى في بعض الحدود التقليدية بين “السوي” و”غير السوي”. فربما لا يبدأ غير السوي دائمًا عند النقطة التي تظهر فيها ظاهرة جديدة لم تكن موجودة من قبل، وإنما قد يبدأ، في بعض الحالات، عندما تتضخم آلية موجودة أصلًا في البنية الإنسانية، أو تفقد القيود التي كانت تضبطها، أو تستقل عن التصحيح الذي يفرضه الاحتكاك المستمر بالواقع. وعندئذ لن يكون السؤال: من منا يمتلك فائض التمثّل؟ بل: إلى أي حد يسمح كل منا لتمثلاته بأن تحل محل الأشياء التي يفترض أنها تمثلها؟
ومن هنا ربما ينبغي أن تبدأ عملية إعادة الترتيب. لا بإلغاء أسماء الظواهر، ولا بإسقاط التشخيصات، ولا بجمع كل شيء قسرًا تحت مصطلح واحد، وإنما ببناء مستوى جديد فوق التصنيفات الحالية؛ وهو مستوى يبحث عن القرابة بين الظواهر، وعن الجذور المشتركة خلف اختلاف مظاهرها. فربما يكون علم السلوك قد نجح نجاحًا هائلًا في تسمية “الأغصان”، بينما لا يزال أمامنا الكثير لكي نعرف عدد “الجذوع” التي خرجت هذه “الاغصان” منها.
وفائض التمثّل، إذا استطاع الصمود أمام الاختبار والمقارنة والنقد، قد يكون واحدًا من هذه “الجذوع”. وعندها لن تكون إعادة التصنيف مجرد تغيير في الأسماء، بل تغييرًا في السؤال نفسه. فبدل أن نسأل لماذا يعاني بعض البشر من هذه الظواهر، سنبدأ بالسؤال: لماذا يحمل الإنسان، بوصفه إنسانًا، البنية التي تجعل ظهورها ممكنًا أصلًا؟
