
كثيرًا ما يتحدث الإنسان عن نفسه كما لو أنه النتيجة الأخلاقية العليا التي انتهت إليها الطبيعة، فهو الكائن الأكثر حكمة، والأقدر على التمييز بين الخير والشر، والأشد إحساسًا بالألم، والأوسع رحمةً ورأفةً بغيره. بل أنه لم يكتفِ بأن يضع نفسه في قمة الهرم المعرفي، وإنما وضعها كذلك في قمة هرم أخلاقي صنعه بنفسه، ثم منح نفسه فيه أرفع الألقاب: الإنسان العاقل، الإنسان الأخلاقي، الإنسان الرحيم! غير أن بعض المشاهد التي ما تزال حاضرة في عالمنا المعاصر كفيلة بأن تجعل هذه الصورة تهتز بعنف.
ولعل مصارعة الثيران على الطريقة الإسبانية تقدم واحدًا من أكثر هذه المشاهد وضوحًا وإحراجًا. فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد قتل حيوان، فالإنسان يقتل الحيوانات منذ آلاف السنين لأسباب متعددة، بعضها يرتبط بالغذاء وبعضها بالحماية وبعضها الآخر بممارسات ثقافية واقتصادية مختلفة، ولكنها تكمن في تحويل معاناة الحيوان نفسه إلى مشهد، وتحويل إنهاكه وجرحه وسقوطه التدريجي إلى مادة للفرجة، ثم إحاطة ذلك كله بطقوس من الجمال والشجاعة والمهارة والاحتفال.
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة التي تتجاوز مصارعة الثيران ذاتها؛ فالذي يجري في الحلبة ليس مواجهة متكافئة بين كائنين دخلا صراعًا طبيعيًا مفتوحًا، وإنما مشهد صممه طرف واحد، ووضع قواعده طرف واحد، وحدد مكانه وزمانه ونهايته طرف واحد. ثم أطلق على نفسه، وسط هذا الاختلال الهائل في ميزان القوة، اسم «المصارع»، وكأن الطرف الآخر وافق أصلًا على أن يكون جزءًا من هذه “المصارعة”. فالثور لا يعرف أنه يشارك في طقس ثقافي، ولا يعرف معنى التصفيق، ولا يدرك الرموز الجمالية التي أحيط بها المشهد، ولكنه يعرف، بجهازه العصبي، شيئًا أكثر بساطة ومباشرة: الخوف، والإجهاد، والإصابة، ومحاولة النجاة. أما الإنسان فيعرف أكثر من ذلك بكثير.
وهنا تكمن المفارقة. فالإنسان الذي يفاخر بقدرته على معرفة آلام الآخرين، وعلى التعاطف معهم، وعلى تصور نفسه في موضعهم، يستطيع في ظروف معينة أن يستخدم القدرة التمثّلية نفسها لكي يفعل العكس تمامًا، وذلك بأن يعيد تعريف ما يراه أمامه بحيث لا يعود الألم ألمًا، وإنما «عرضًا»؛ ولا تعود محاولة الحيوان الدفاع عن نفسه خوفًا واضطرابًا، وإنما «شراسة»؛ ولا يعود إضعافه التدريجي إنهاكًا، وإنما مراحل في استعراض الشجاعة والمهارة.
وهنا نصل مرة أخرى إلى ثنائية “نحن” و “هم”.
وذلك لأن المشكلة قد لا تبدأ من القسوة ذاتها، وإنما من التصنيف الذي يسبقها ويجعلها ممكنة. فلكي يتعامل الإنسان مع كائن آخر بهذه الكيفية، لابد أولًا من إخراجه، معرفيًا وأخلاقيًا، من دائرة “نحن”.
إذا رأينا إنسانًا ينزف، فإن الدم يستدعي النجدة. وإذا رأيناه يترنح من التعب، فإن الإنهاك يستدعي الشفقة. وإذا هوجم وهو عاجز عن الفرار، فإن اختلال القوة يصبح سببًا إضافيًا للتعاطف معه. فداخل دائرة «نحن»، يصبح للألم معنى.
ولكن ماذا يحدث عندما يكون المتألم واحدًا من «هم»؟ هنا يمكن للمعاني نفسها أن تتغير. فالدم قد يصبح جزءًا من المشهد، والخوف قد يصبح إثارة، ومحاولة النجاة قد تصبح مقاومة تزيد العرض تشويقًا، والسقوط قد يتحول إلى خاتمة ينتظرها المتفرجون. ولذلك فإن مصارعة الثيران تكشف شيئًا أعمق بكثير من مجرد علاقتنا بحيوان بعينه؛ فهي تكشف القوة الهائلة التي يمتلكها التصنيف في إعادة تشكيل أحكامنا الأخلاقية!
فالإنسان لا يتعامل دائمًا مع الألم استنادًا إلى مقدار الألم ذاته، وإنما استنادًا كذلك إلى هوية المتألم وموقعه داخل خريطته التمثّلية: هل هو منا أم منهم؟ والمثير للقلق أن الأمر في هذه الحالة لا يخص فردًا شاذًا أو مجموعة صغيرة اختل ذوقها الأخلاقي. فلو كان الأمر كذلك لهان تفسيره؛ إذ كان يمكن وضعه ضمن حالات فردية من القسوة أو ضعف التعاطف. لكن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا حين تتحول الممارسة إلى حدث جماهيري وثقافي؛ حين يجلس جمهور كبير لمتابعة الطقس، وحين يصبح الألم جزءًا من عرض له تقاليده ورموزه ومفرداته الخاصة. وهنا لا نعود أمام سؤال عن نفسية فرد واحد، وإنما أمام سؤال أشد إزعاجًا: كيف تستطيع الجماعة أن تعيد تعريف مشهد من الألم بحيث يصبح قابلًا للاحتفال به؟
ولعل هذا السؤال هو الذي يكشف الصلة الوثيقة بين ثنائية «نحن/هم» وبين فائض التمثّل. فالإنسان لا يرى الأشياء فحسب، بل يتمثلها لنفسه! وما أن يدخل الشيء في منظومته التمثّلية حتى يمكن أن يعاد تعريفه بالكامل. فالحيوان الذي يتألم أمام العين قد يتحول، داخل التمثّل الثقافي، إلى رمز للقوة والوحشية، بينما يتحول الإنسان الذي يواجهه إلى رمز للشجاعة والسيطرة والمهارة!
وهكذا تنقلب المفارقة رأسًا على عقب. فالطرف الذي يملك المكان والقواعد والأدوات والجمهور واللغة والرموز يصبح «البطل»، بينما الكائن الذي أُدخل إلى المشهد دون أن يختار شيئًا من ذلك فسيصبح “الخصم”! وهذه واحدة من أغرب قدرات فائض التمثّل، وذلك بأن يجعل بوسع الإنسان أن يعيد تسمية الأشياء حتى يصبح بمقدوره أن يحتمل ما كان سيستنكره لو رآه خارج الإطار الذي أعاد تعريفه!
فضع المشهد خارج الحلبة، وانزع عنه الأزياء والطقوس والموسيقى والتصفيق والمفردات الموروثة، ثم اسأل: ماذا بقي؟
حيوان مرهق ومصاب يحاول البقاء واقفًا، وإنسان يمتلك أدوات لإيذائه، وجمهور يتابع بكل شغف واستحسان ورغبة مسعورة في المزيد!
عندئذ ربما يتغير الحكم كله.
وهذه واحدة من أخطر وظائف القالب التمثّلي؛ إذ أنه لا يغير الشيء ذاته، وإنما يغير الكيفية التي نراه بها.
ولعل الأكثر إثارة للمفارقة أن الإنسان هو الذي صاغ مفاهيم الرحمة والرأفة والعدالة والشهامة! وهو الذي ألّف الكتب في الأخلاق، ووضع القوانين لحماية الضعفاء، وامتدح الشجاعة التي تدافع عن العاجز، واحتقر القوة حين تتحول إلى اعتداء على من لا يستطيع الدفاع عن نفسه! ثم يستطيع الإنسان ذاته أن يقف أمام مشهد يناقض كثيرًا من هذه المبادئ، وأن يعيد تسميته بحيث يصبح “فنًا” أو “تراثًا” أو “شجاعة”.
وهنا ينبغي أن نسأل: أين تكمن المشكلة حقًا؟ هل هي في غياب القيم؟ ربما لا. فلعل المشكلة الأعمق هي أن الإنسان يمتلك القيم، لكنه لا يطبقها بالضرورة على الجميع! فهو رحيم داخل حدود معينة، وعادل داخل حدود معينة، ومتعاطف داخل حدود معينة! والمشكلة تبدأ عند رسم تلك الحدود؛ فمَن الذي يحق له الدخول في دائرة «نحن» الأخلاقية، ومَن يبقى خارجها في منطقة «هم»؟
ولهذا فإن مصارعة الثيران هي ليست، في هذا السياق، سوى نموذج مكثف لمشكلة أوسع كثيرًا. فالإنسان، عبر تاريخه، استطاع مرارًا أن يرتكب أفعالًا كان سيرفضها أخلاقيًا لو كان ضحاياها داخل دائرة «نحن»، ثم يقبلها أو يبررها أو يحتفل بها حين ينقل ضحاياها إلى دائرة “هم”! وقد يكون «هم» شعبًا آخر، أو جماعة أخرى، أو طبقة أخرى، أو عرقًا آخر، أو دينًا آخر، وقد يتسع المفهوم أخيرًا ليشمل نوعًا حيًا آخر بأكمله! وعندها يصبح السؤال عن مصارعة الثيران سؤالًا عن الإنسان نفسه: إلى أي مدى تكون أخلاقنا حقيقية إذا كانت صلاحيتها تتوقف عند الحدود التي نرسمها نحن؟ بل لعل الأشد مدعاة للتأمل هو أن الثور، في هذا المشهد كله، لا يدَّعي شيئًا؛ فهو لا يدعي الرحمة، ولا الحكمة، ولا العدالة، ولا الرقي الأخلاقي! فهو حيوان يتصرف وفق ما تتيحه له طبيعته واستجاباته. أما الإنسان فهو الطرف الوحيد في الحلبة الذي يصف نفسه بأنه “عاقل”!
ومن هنا تبلغ المفارقة ذروتها.
فحين ترتفع صيحات الإعجاب مع كل حركة محسوبة، وحين يتحول إنهاك الحيوان وجرحه إلى جزء من “جماليات العرض”، يصبح من المشروع أن نسأل لا عن مقدار «وحشية» الحيوان، بل عن معنى الإنسانية التي نحتفي بها نحن!
فيا لها من عظمة اختص بها هذا الإنسان! ويا لها من رحمة اشتمل عليها قلبه المحب للخير والحق والجمال!
لكن السخرية هنا لا ينبغي أن تكون خاتمة المقالة، وإنما بدايتها الحقيقية، وذلك لأن مصارعة الثيران ليست المشكلة الكبرى بقدر ما هي مرآة لمشكلة أكبر. إنها ترينا ماذا يمكن أن يحدث حين يمتلك الإنسان القدرة على تعريف «نحن» و«هم»، ثم يمنح نفسه، في الوقت ذاته، سلطة تحديد القواعد الأخلاقية التي تحكم العلاقة بينهما.
وربما لا تكون الخطوة التالية في تطور الأخلاق البشرية هي أن نخترع قيمًا جديدة؛ فقد اخترعنا من مفردات الرحمة والعدالة والرأفة ما يكفي! فربما تكون الخطوة الأصعب هي أن نتوقف عن تغيير معنى هذه القيم كلما تغيرت هوية من يقف أمامنا!
فالمشكلة، في النهاية، هي ليست أن الإنسان لا يعرف الرحمة، إذ أنه يعرفها جيدًا، لكن المشكلة أنه لا يزال يحتفظ لنفسه بحق تقرير مَن يستحقها!
