
ثمة نوع غريب من الأوهام لا ينشأ بالضرورة عن نقص في المعلومات، ولا يستمر لأن الحقيقة ما تزال مجهولة، وإنما يبقى حيًا على الرغم من توافر المعلومات التي تنقضه. بل أن الإنسان قد يعرف الحقيقة، ثم يختار، من حيث يدري أو لا يدري، ألا يسمح لها بأن تفسد الصورة التي أحبها.
ولعل هذا واحد من أكثر تجليات فائض التمثّل إثارة للاهتمام. فالإنسان لا يتعامل مع الماضي بوصفه مستودعًا محايدًا للوقائع فحسب، وإنما يعيد بناءه داخل وعيه. وهو، حين يفعل ذلك، لا يستعيد الشخصيات والأماكن والأحداث كما كانت بالضرورة، بل كما يحب أن يتخيل أنها كانت، أو كما يرى أنها كان ينبغي أن تكون.
ومن هنا يولد التاريخ الموازي الذي تصنعه المخيلة.
ولنأخذ مثالًا بسيطًا: “مقاتل الفايكنغ الشهم”، فلقد صنعت الثقافة الشعبية الحديثة للفايكنغ صورة آسرة: الرجل الشمالي القوي، طويل الشعر، الذي يقف في مواجهة البحر والعاصفة، يحمل سيفه أو فأسه، يحتقر الجبن، يُبجل الشجاعة، ويقاتل خصمه وجهًا لوجه وفق ميثاق غير مكتوب من الرجولة والشرف. وربما أضيف إلى الصورة شيء من الوفاء وعزة النفس والنبل واحترام الخصم، حتى يكاد مقاتل الفايكنغ يتحول في المخيلة الحديثة إلى نسخة شمالية من “الفارس النبيل”.
ولكن المشكلة تبدأ حين نغادر السينما والرواية والأسطورة ونسأل التاريخ نفسه. فالواقع التاريخي لعصر الفايكنغ هو أكثر تعقيدًا بكثير من هذه الصورة. فلقد كانت المجتمعات الإسكندنافية آنذاك مجتمعات متعددة الأوجه، ضمت المزارعين والتجار والحرفيين والبحارة والمستكشفين والمحاربين، ولا يصح اختزالها كلها في الغزو والعنف. لكن هذا التصحيح الضروري لا ينبغي أن يقودنا إلى التصحيح المعاكس: أي تحويل المحارب والغارة إلى مغامرة رومانسية. فالغارات كانت غارات بالفعل، وكان الأسر والاسترقاق والاتجار بالبشر جزءًا حقيقيًا من عالم الفايكنغ، حتى إن الدراسات التاريخية والأثرية الحديثة أعادت إبراز المكانة الاجتماعية لطبقة الـ thralls، أي المستعبدين، في البنية الاجتماعية والاقتصادية لذلك العالم. وتوجد أدلة نصية وأثرية على أسر الرجال والنساء والأطفال والاتجار بهم، وعلى أشكال قاسية من التفاوت الاجتماعي والعنف الواقع على المستعبدين.
وهنا تظهر المفارقة التي تعنينا. فليس السؤال: هل كان الفايكنغ أشرارًا؟ فذلك سؤال ساذج تاريخيًا، وذلك لأن المجتمعات البشرية لا يمكن اختزالها في حكم أخلاقي واحد، كما أن إسقاط منظومتنا الأخلاقية المعاصرة بصورة آلية على مجتمعات عاشت قبل أكثر من ألف عام لا ينتج معرفة تاريخية رصينة. بل إن السؤال الأهم هو: لماذا نحتاج نحن إلى أن يكون مقاتل الفايكنغ شهمًا أصلًا؟ ولماذا لا يكفينا أن نعرفه كما تسمح لنا الأدلة بمعرفته، بما فيه من تناقضات، من غير أن نضيف إليه صفات البطولة والنبل والشرف التي نرغب نحن في رؤيتها؟!
هنا نغادر التاريخ قليلًا لندخل إلى علم الإنسان. فالذي يحدث مع الفايكنغ ليس استثناءً. فنحن نفعل الشيء نفسه مع شخصيات تاريخية، وملوك، ومحاربين، وثوار، وقراصنة، وفرسان، وإمبراطوريات، ومدن قديمة، بل وحتى مع حروب ومجازر وحقب تاريخية كاملة! فنحن لا نتذكر الماضي دائمًا، بل نحن نؤلف له ذاكرة. والفارق بين الأمرين كبير. فالماضي الذي حدث بالفعل لا يهتم بما نشعر به تجاهه. أما الماضي الذي يعاد إنتاجه داخل فائض التمثّل، فيمكن “تحسينه” و”تجميله” و”تنقيته” و”إعادة ترتيب عناصره” حتى يصبح أكثر انسجامًا مع حاجاتنا النفسية والذوقية والإيديولوجية!
ومن هنا يستطيع القرصان أن يتحول إلى مغامر حر، والمحارب الغازي إلى فارس شهم، والإمبراطورية إلى مشروع حضاري، والحرب إلى ملحمة، والهزيمة إلى بطولة، والمكان الذي لم نزره قط إلى فردوس مفقود.
وليست المسألة كذبًا بالمعنى البسيط للكلمة. فالذي يتمسك بهذه الصور قد لا يشعر بأنه يكذب أصلًا؛ إذ أنه يعيش داخل تمثّل اكتسب، مع الزمن والتكرار والتداول الجمعي، قوة الواقعة نفسها!
وهذه واحدة من أخطر خصائص فائض التمثّل، والتي تتمثل في قدرته على نقل الممكن والمتخيل والمرغوب فيه من مرتبة التصور إلى مرتبة الواقع النفسي. وحين يحدث ذلك، لا يعود السؤال: «هل وقع الأمر بهذه الصورة؟»، بل يصبح السؤال الخفي: “هل أُريد أن يكون قد وقع بهذه الصورة؟”. وشتان بين السؤالين. فالأول يبحث عن الحقيقة، أما الثاني فيبحث عن الراحة.
ولعلنا لهذا السبب نقاوم أحيانًا المعلومات التي تفسد أوهامنا الجميلة أكثر مما نقاوم المعلومات التي تصحح أخطاءنا العادية. فالخطأ الحسابي لا يهدد شيئًا عزيزًا في داخلنا، ويمكن تصحيحه بسهولة. أما أن يخبرنا أحدهم بأن البطل الذي أحببناه لم يكن بتلك البطولة، أو أن الحقبة التي حلمنا بها لم تكن بذلك الجمال، أو أن المكان الذي أضفينا عليه هالة رومانسية كان مختلفًا جذريًا عما تخيلناه، فالأمر هنا لا يتعلق بتصحيح معلومة فقط، وإنما بانتزاع تمثّل استثمرنا فيه شعوريًا.
ولذلك ندافع عنه، وقد ندافع عنه حتى بعد ظهور الأدلة المناقضة له!
وهنا يصبح الوهم الجماعي أكثر إثارة من الوهم الفردي؛ لأن الفرد لا يعود وحده في مواجهة الحقيقة. فثمة أفلام وروايات ولوحات وألعاب وحكايات وموروثات شعبية وصناعات ثقافية كاملة تعيد إنتاج الصورة نفسها، حتى يصبح الخيال مدعومًا بخيال الآخرين.
وهكذا يحدث شيء بالغ الغرابة: فنحن نصدق الصورة لأن الجميع يعرفها، والجميع يعرفها لأن الجميع يعيد إنتاجها! ولا تعود قوة التمثّل مستمدة من مطابقته للواقع، وإنما من كثافة تداوله! وهذا ما يجعل «مقاتل الفايكنغ الشهم» مثالًا أكبر من الفايكنغ أنفسهم. فهو نموذج للطريقة التي يستطيع بها الإنسان أن يضع بينه وبين التاريخ طبقة تمثلية، ثم ينسى، مع مرور الزمن، وجود تلك الطبقة، فيتوهم أنه ينظر إلى الماضي مباشرة بينما هو، في الحقيقة، ينظر إلى الصورة التي صنعها وعيه عن ذلك الماضي.
ومن هنا ينبغي ألا نفهم فائض التمثّل بوصفه مجرد قدرة على التخيل. فالخيال واحد من أعظم القدرات التي يمتلكها الإنسان، ومن دونه ربما ما كان الفن ولا الأدب ولا العلم ولا الحضارة بالشكل الذي نعرفه. والمشكلة لا تبدأ عندما نتمثل ما ليس حاضرًا أمامنا، وإنما عندما نفقد القدرة على التمييز بين التمثّل وموضوعه. بين الصورة والشيء. بين ما كان، وما تمنينا لو أنه كان.
ولذلك فإن المطلوب ليس القضاء على فائض التمثّل، فهذا ربما لا يكون ممكنًا أصلًا، فضلًا عن أنه سيحرم الإنسان من واحدة من أهم قدراته، بل المطلوب هو إدارته. أن نستمتع بالأسطورة ونحن نعرف أنها أسطورة. وأن نستمتع بصورة الفايكنغ في الرواية والسينما من غير أن نطالب التاريخ بالانصياع إليها. وأن نحب شخصية تاريخية من غير أن نمحو عيوبها. وأن نستطيع الاحتفاظ بجمال الخيال من دون أن نطلب من الحقيقة أن تتنكر لكي تحافظ لنا على ذلك الجمال. ذلك لأن المشكلة ليست في أن يتخيل الإنسان “مقاتل الفايكنغ الشهم”، بل المشكلة تبدأ حين تعرض عليه الوقائع صورة أخرى، فيجيبها: أعرف ذلك… لكنني أفضل صورتي! عندئذ لا نكون أمام جهل بالتاريخ، بل أمام شيء أعمق بكثير: سلطان فائض التمثّل حين لا يعود الإنسان يديره، وإنما يسمح له بأن يدير علاقته بالحقيقة!
