
ثمة تجربة إنسانية بسيطة إلى حد أننا ربما لا ننتبه إلى غرابتها! ادخل غابة، أو اجلس عند سفح جبل، أو قف أمام بحر بعيد عن المدن، واترك لنفسك بضع دقائق فقط. شيئًا فشيئًا سيبدأ المشهد أمامك بالتحول من مجموعة أشياء منفصلة إلى شيء يشبه الكل الواحد. فالشجرة لا تبدو غريبة عن التراب الذي خرجت منه، والطائر لا يبدو دخيلًا على الغصن الذي يقف عليه، والماء لا يبدو عنصرًا زائدًا في المشهد، كما لا تبدو الحشرة ولا العشب ولا الصخرة ولا الفطر ولا الطحلب مفردات اعتباطية ألقيت بجوار بعضها البعض. فثمة تواشج خفي يجمعها كلها جميعًا.
وليس المقصود هنا أن الطبيعة ساكنة أو مسالمة؛ فهي ممتلئة بالصراع والافتراس والموت والتنافس. ولكن حتى صراعاتها تبدو واقعة داخل نظام واحد. فالمفترس والفريسة ينتميان إلى الشبكة نفسها، والموت نفسه يتحول إلى مادة لحياة أخرى، وما يسقط من الشجرة يعود إلى التربة التي ستغذي شجرة جديدة. فهي وحدة لا تلغي الصراع، بل تستوعبه.
وكلما طال بقاؤنا وسط هذا المشهد ازداد شعورنا بأننا أمام منظومة لا أمام حشد؛ أمام علاقات لا أمام أشياء؛ وأمام كلٍّ تتبادل أجزاؤه التأثير والتأثر على نحو يجعل من الصعب النظر إلى أي مفردة فيه بمعزل عن بقية المفردات.
ولكن هنا تبدأ المفارقة. فالإنسان الذي يستطيع أن يستشعر ذلك الانسجام لا يلبث أن يشعر، في الوقت نفسه، بأنه ليس منسجمًا معه. فهو يقف في الغابة، لكنه لا يشعر بأنه من الغابة. وينظر إلى الطائر والشجرة والحشرة والنهر والصخرة، ويستطيع أن يتصور بسهولة الخيوط التي تصل بعضها ببعض، لكنه حين يحاول أن يضع نفسه داخل الصورة يشعر بشيء من المقاومة؛ كأن وجوده يحتاج إلى تفسير إضافي لا تحتاج إليه بقية الموجودات! والأغرب أن معرفتنا التطورية الحديثة يفترض أن تجعل هذا الشعور أقل حدة!
فالبيولوجيا التطورية تخبرنا بأن الإنسان ليس وافدًا من خارج الطبيعة، وأن بينه وبين بقية الكائنات تاريخًا تطوريًا عميقًا، وأن جسمه وخلاياه وجيناته وآلياته الحيوية تحمل آثار هذا الماضي المشترك. وبهذا المعنى، يُفترَض ألا يكون الإنسان غريبًا عن الشجرة والطائر والقرد والحشرة بقدر ما يتوهم؛ فجميعها فروع متفاوتة البعد لشجرة الحياة نفسها. ولكن المعرفة بهذا الانتماء لا تبدد بالضرورة شعور الغربة.
وهنا يظهر السؤال الذي يستحق التوقف عنده: كيف يمكن لكائن أن يعرف بعقله أنه ابن الطبيعة، ثم يشعر، حين يقف في وسطها، بأنه ليس واحدًا من مفرداتها المنسجمة؟ وقد يصبح السؤال أكثر إرباكًا حين نغادر الغابة ونعود إلى المدينة. فإذا كانت الغربة التي يشعر بها الإنسان وسط الطبيعة قابلة للتفسير، للوهلة الأولى، باختلافه الهائل عن بقية الكائنات، فماذا نقول عن غربته حين يكون بين أفراد جنسه؟
ضع الإنسان هذه المرة لا وسط الأشجار والطيور، وإنما وسط البشر. فهنا يُفترَض أن تختفي الغربة. فهؤلاء يتكلمون كما يتكلم، ويفكرون كما يفكر، ويضحكون ويبكون ويخافون ويرغبون ويتألمون مثله. وهم لا يشتركون معه في تاريخ تطوري بعيد فحسب، وإنما ينتمون إلى النوع نفسه، ويحملون البنية التشريحية والعصبية الأساسية نفسها، ويتقاسمون قدرًا هائلًا من الاحتياجات والدوافع والانفعالات. ومع ذلك، فقد يحدث العكس تمامًا. فكلما طال اختلاط الإنسان بالبشر، لا يزداد بالضرورة إحساسه بالاندماج فيهم. بل ربما كشفت له الساعات والأيام الطويلة التي يقضيها معهم مقدار المسافة التي تفصله عنهم.
فنحن نتحدث، ونتبادل الأفكار، ونكوّن الصداقات، ونحب، ونتزوج، وننشئ الأسر والجماعات والمؤسسات والدول، ونبتكر آلاف الوسائل لكي نربط بعضنا ببعض؛ ومع ذلك تبقى في التجربة البشرية مساحة عصية على الاندماج الكامل. فكل إنسان يحمل عالمًا تمثليًا خاصًا به. لا يرى الآخر كما هو تمامًا، وإنما كما يتمثله. ولا يستقبل كلامه وحده، وإنما يضيف إليه توقعاته وذكرياته ومخاوفه وأحكامه وافتراضاته. والآخر يفعل الشيء نفسه معه. وهكذا لا يلتقي إنسان بإنسان فحسب، وإنما يلتقي تمثّلٌ بتمثّل.
ولعل هذا هو الفارق العميق بين المشهدين. ففي الغابة تبدو المفردات، على اختلافها الهائل، منخرطة في شبكة واحدة من العلاقات المادية والحيوية. أما في المجتمع البشري، فإن الكائنات المتشابهة بيولوجيًا إلى درجة مذهلة تستطيع أن تعيش داخل عوالم تمثلية متباعدة إلى درجة مذهلة أيضًا. ولهذا فقد يكون الإنسان قريبًا من إنسان آخر بمسافة نصف متر، وأبعد عنه، تمثليًا، من المسافة التي تفصله عن كائن يعيش في غابة على الطرف الآخر من الأرض.
وهنا تظهر مفارقة تكاد تختصر المأزق الإنساني كله: ففي الطبيعة نجد الانسجام ولا نجد انتماءنا الكامل إليه! وبين البشر نجد انتماءنا البيولوجي ولا نجد الانسجام!
إنها مفارقة جديرة بأن تجعلنا نعيد النظر في الحكاية التي نرويها عن أنفسنا. فإذا كان الماضي التطوري المشترك كافيًا لتفسير الإنسان تفسيرًا كاملًا، فلماذا تبدو النتيجة الإنسانية مختلفة إلى هذا الحد عن النظام الذي أخرجها؟!
ليس المقصود بهذا السؤال إنكار التطور، ولا إنكار القرابة البيولوجية بين الإنسان وبقية الكائنات. فالأدلة على التاريخ التطوري المشترك تنتمي إلى مستوى آخر من البحث. وإنما السؤال يتعلق بشيء مختلف: هل تكفي قصة الأصل البيولوجي، وحدها، لتكون قصة الإنسان كاملة؟ فثمة فارق كبير بين أن نعرف من أين جاء الكائن، وبين أن نكون قد فسرنا كل ما أصبح عليه. وهنا تحديدًا يمكن أن تطرح فرضية «الانعطافة التطورية الأولى» نفسها بوصفها محاولة لقراءة تلك الفجوة. فربما لم تكن المسألة أن الإنسان غادر الطبيعة جسديًا؛ فهو لم يغادرها قط. فجسمه لا يزال خاضعًا لقوانينها، يحتاج إلى الماء والغذاء والأوكسجين، يمرض ويشيخ ويموت، ويحمل داخله التاريخ الحيوي نفسه الذي يصل الكائنات بعضها ببعض. ولكن شيئًا ما حدث على مستوى الوعي. فمع تضخم القدرة على التمثّل، لم يعد الإنسان يعيش الواقع فحسب، وإنما أصبح قادرًا على أن يصنع واقعًا آخر داخله. فيتذكر ما غاب، ويتخيل ما لم يحدث، ويتوقع ما سيحدث، ويفترض نوايا الآخرين، ويعيد بناء الماضي، ويخشى مستقبلًا لم يأتِ، ويصنع لنفسه ولغيره هويات وقيمًا وتصنيفات ورموزًا. وهذه القدرة التي منحت الإنسان جزءًا كبيرًا من تفوقه المعرفي قد تكون هي نفسها التي جعلت اندماجه البسيط في النظام الطبيعي أمرًا مستحيلًا!
فالطائر لا يحتاج إلى أن يؤسس فلسفة لانتمائه إلى الغابة. والشجرة لا تحتاج إلى تعريف علاقتها بالتربة. أما الإنسان، فقد أصبح قادرًا على الوقوف خارج المشهد تمثليًا، حتى وهو موجود داخله بيولوجيًا. فهو جزء من الطبيعة يستطيع أن يتصور الطبيعة باعتبارها شيئًا يقع أمامه. ومنذ تلك اللحظة ربما بدأت الغربة. ولكن المأساة لا تكتمل إلا حين نكتشف أن هذه القدرة لم تفصل الإنسان عن الطبيعة فحسب، وإنما فصلت الإنسان عن الإنسان أيضًا. لأن كل فرد أصبح قادرًا على بناء عالمه التمثلي الخاص، وأصبح اللقاء بين فردين لقاءً بين عالمين، وليس مجرد التقاء كائنين ينتميان إلى النوع نفسه. ومن هنا تأتي الافتراضات المسبقة، وسوء الفهم، والإسقاط، والتصنيف، والتحيز، وصناعة «نحن» و«هم»، وتحويل الآخر من إنسان حاضر أمامنا إلى صورة عنه موجودة داخل رؤوسنا.
ولذلك فإن المفارقة الكبرى هي ليست أن الإنسان يشعر بالغربة في الغابة، لكن المفارقة أنه يخرج من الغابة باحثًا عن أبناء جنسه لكي يتخلص من غربته، ثم يكتشف بينهم نوعًا آخر من الغربة ربما كان أشد وطأة.
ففي الغابة كان غريبًا عن الانسجام الذي يراه. وفي المجتمع يصبح جزءًا من اللاتجانس الذي يعانيه. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا قد يشعر الإنسان، أحيانًا، براحة عميقة حين يعود إلى الطبيعة. فليس بالضرورة لأنها «تحبه»، ولا لأنها خالية من العنف والقسوة، وإنما لأنها تمنحه فرصة نادرة لمشاهدة نظام لا يحتاج إلى كل هذا الضجيج التمثلي لكي يستمر.
فالغابة لا تحتاج إلى الاتفاق. ولا تعقد الأشجار مؤتمرًا لتحديد كيفية تقاسم الضوء، ولا تحتاج الطيور إلى نظرية فلسفية لتبرير هجرتها، ولا يحتاج النهر إلى هوية لكي يعرف إلى أين يجري. أما الإنسان فقد صنع عالمًا لا يستطيع العيش فيه إلا من خلال التمثلات التي صنعها، ثم أصبح أسيرًا لها.
وهنا ربما نصل إلى الصورة الأكثر غرابة: فالإنسان هو الكائن الذي يستطيع أن يدرك انسجام الطبيعة أكثر من أي كائن آخر نعرفه، لكنه قد يكون، في الوقت نفسه، أكثر كائناتها شعورًا بعدم الانتماء إليها! وهو الكائن الذي يستطيع أن يفهم أفراد جنسه ويتواصل معهم بدرجة لا نظير لها، لكنه قد يكون أيضًا أكثر الكائنات قدرة على الشعور بالغربة بينهم. فلقد أصبح الانسان إذاً غريباً في الطبيعة وغريباً بين أبناء جنسه! فهو ينتمي بيولوجيًا إلى الطبيعة، وينتمي تصنيفيًا إلى بني جلدته البشر، لكنه لا يجد بسهولة ذلك التواشج الذي يراه بين مفردات العالم الطبيعي.
ولعل هذه المفارقة لا تدحض الحكاية التطورية للإنسان بقدر ما تدعونا إلى التساؤل عما إذا كانت الحكاية التطورية التي نعرفها هي الحكاية كلها. فقد يكون التاريخ المشترك قادرًا على أن يخبرنا كيف وصل جسم الإنسان إلى هنا، وكيف تشكلت كثير من قدراته، ولكنه لا يعفينا من السؤال عن تلك اللحظة التي أصبح فيها أحد أبناء الطبيعة قادرًا على النظر إليها كما لو أنه ليس منها، ثم النظر إلى أبناء جنسه كما لو أن كل واحد منهم جزيرة مغلقة. وعندها لن يعود السؤال: من أين جاء الإنسان؟ بل سيصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ما الذي حدث للإنسان في الطريق، حتى انتهى به الأمر غريبًا عن النظام الذي أنجبه، وغريبًا عن الكائنات التي تشاركه اسمه؟
