وهم التوافق المعياري… التقارب الوجودي في ميزان المعاصرة

تصرّ الثقافة المعاصرة، ورغم كل أدبيات التحرر والتفكيك، على إخضاع العلاقات الإنسانية لشرطية حسابية صارمة. فنحن نعيش في عصر يميل فيه العقل الجمعي إلى تنسيق العاطفة؛ فيجعل من “التكافؤ العمري”، والتماثل الطبقي، والتقارب الاجتماعي، شروطاً شارحة لإمكانية وجود الحب أو امتناعه! وكأن العاطفة ليست سوى ناتج عرضي لمشتركات الديموغرافيا، أو محصلة لتقاطع الفئات العمرية والخلفيات الثقافية ذاتها!
وهنا تحديداً تتعدى قصة جورج كليمنسو ومارجريت بالدنسبيرجر كونها حكاية تاريخية مشوقة لتصبح مساءلة فلسفية حادة لجوهر الحضارة المعاصرة. فكيف يمكن لعقل يُدار بآليات “المعاصرة التقنية” أن يفهم الرابطة التي نشأت عام 1923 بين رئيس وزراء فرنسا آنذاك، وهو رجل في الثانية والثمانين من عمره، يُدعى “نمر فرنسا” ويحمل أوزار الحرب والتاريخ، وامرأة في الثانية والأربعين، يغمرها حزن عميق إثر فاجعة انتحار ابنتها؟ فلو أُخضعت هذه العلاقة للمقاييس التمايزية المعاصرة، سواء القائمة على فارق السن، أو الأدوار الاجتماعية المحسوبة، أو المنفعة المتبادلة، لَحُكم عليها بالاستحالة أو العبث! غير أن التجربة أثبتت أن ما جمع بينهما لم يكن مجرد تقاطع ظروفي، بل كان “ميثاقاً وجودياً” صاغه الطرفان خارج كل الأطر التمايزية: لا تَمَلُّك، لا تماس جسدي، لا زواج، بل التزام فكري وروحي مطلق أثمر بعضاً من أنضج أعمال كليمنسو الفكرية والفلسفية في سنواته الأخيرة.
فلقد اثبتت هذه التجربة أن الاختزال العمري والتمايز الصارم القائم على الطبقة أو اللون أو الخلفية، إنما هي أدوات قياس قاصرة تفشل تماماً أمام السيولة الوجودية للإنسان. فالحضارة التي تزعم بلوغ الذروة في تقبل الآخر، تقع في تناقض صارخ حين تحصر الإمكانية العاطفية والوجدانية في نطاق “التماثل” المادي والديموغرافي.
إن التساؤل الملحّ الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بقيمة البناء الحضاري بأكمله. فما نفع التقدم المعرفي والفلسفي إذا كنا لانزال نلجأ إلى الفئات التمييزية ذاتها للتحقق من مشروعية الرابطة بين كيانين بشريين؟ وهل اختُزل الحب في أدبياتنا الحديثة ليكون مجرد توافق في السجلات المدنية وشواهد الميلاد؟! فعندما يُعرَّف التوافق من خلال تشابه الأعمار أو الفئات، يتم تحويل الحب من تجربة إنطولوجية تفارق المادة إلى مجرد آليات تكيف اجتماعي! وفي هذا الاختزال نفيٌ لكل التراث الإنساني الذي تحدث عن “القرابة الروحية” (Kindred Spirit) وعن “النصف الآخر للروح”؛ إذ تُستبدل هذه المفاهيم بمفاهيم سوقية حول “التوافق الوظيفي” و”التناسب الشرطي”!
إن التجربة الفريدة بين كليمنسو ومارجريت تشير إلى أن اللقاء الإنساني الأسمى يحدث حين يلتقي كيانان عند نقطة الوعي، وليس عند محدد السن أو الطبقة! فلم يكن فارق أربعين عاماً سوى تفصيل شكلي على هامش حوار فكري ووجداني تمخض عن أكثر من ستمائة رسالة، وأعاد للرجل الثمانيني شغف الكتابة والتأمل، وللمرأة الأربعينية قدرة البقاء على قيد الأمل.
إن العقل السليم لا يدعو إلى إغفال الواقع، ولكنه يرفض أن يُلزم الإنسان بمحددات الهوية المادية. فالقرابة الوجودية لا تعترف بالحدود الديموغرافية؛ وهي إذ تتجلى في أحايين نادرة من التاريخ، فإنها تذكرنا بأن “الوجود البشري” أوسع من أن يحدَّد بتحرير عقود زواج، أو بتشابه ألوان، أو بتطابق طبقات اجتماعية!

أضف تعليق