حين نصنع الضد قبل أن نفهم الأصل… “المقدس والمدنس” مثالاً على وهم التضاد الدلالي

ثمة مفارقة معرفية ولغوية تستحق أن نتوقف عندها طويلًا؛ فنحن كثيرًا ما نتعامل مع الكلمات كما لو أن معانيها قد حُسمت سلفًا، ثم نمضي، بناءً على هذا الاطمئنان، إلى البحث عن أضداد لها، بل وإلى نحت كلمات أو توسيع دلالات كلمات موجودة لكي تشغل الخانة المقابلة لها. وبعد ذلك لا نكتفي بهذا التقابل المصطنع، وإنما نبني عليه تصورات وتصنيفات وثنائيات كاملة، حتى يصبح ما بدأ بافتراض لغوي غير ممحّص حقيقةً معرفية يبدو التشكيك فيها غريبًا.
والمشكلة هنا ليست في وجود الأضداد في اللغة؛ فاللغة مليئة بها، وإنما في افتراض أن لكل مفهوم ضدًا مطابقًا يمكن الوصول إليه بمجرد قلب دلالته، وكأن المعاني تقع دائمًا على خط مستقيم له طرفان متقابلان: فإذا عثرنا على أحدهما وجب، بالضرورة، أن يكون هناك طرف آخر يمثل نقيضه التام. ولكن ماذا يحدث إذا كنا لم نفهم الطرف الأول نفسه؟ وكيف يمكننا أن نحدد ضدّ الشيء قبل أن نحدد ماهية ذلك الشيء؟
لعل ثنائية «المقدّس والمدنّس» تقدم مثالًا بالغ الدلالة على هذه المشكلة. فلقد استقر في التداول الثقافي أن «المدنّس» يقابل «المقدّس»، حتى أصبح اللفظان يُستعملان كما لو أنهما يمثلان قطبين متعارضين: فما كان مقدسًا فهو غير مدنس، وما كان مدنسًا فهو غير مقدس. ومن هذا التقابل نشأت شبكة واسعة من التصورات الدينية والأنثروبولوجية والفلسفية. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله هو: ما هو «المقدّس» أصلًا؟
فإذا عدنا إلى القرآن العظيم، لا لكي نفرض على اللفظ معنى اصطلاحيًا لاحقًا، وإنما لكي نتدبر السياقات التي ورد فيها، وجدنا أن تعبير «المقدّس» ارتبط، في مواضع لافتة، بالمكان. يقول الله تعالى لموسى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: 12]. ويقول:{إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [النازعات: 16].
وهنا يبرز سؤال بالغ الدلالة: ما الذي جعل ذلك الوادي «مقدسًا»؟ فهو وادٍ من حيث تكوينه المادي؛ أرض وصخور وتراب ومكان. ولكن شيئًا استثنائيًا حدث فيه وميّزه عن سائر الأمكنة: ففيه نودي موسى، وفيه كلمه الله، وعند بلوغه أُمر بخلع نعليه.
بل أن مشهد النداء نفسه يرد في سورة النمل في سياق النار التي رآها موسى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 8].
ومن هنا يمكن أن نقترح تفسيراً مختلفة لمعنى القداسة. فالمقدس، وفق هذه القراءة، ليس مجرد الشيء «الطاهر» في مقابل شيء آخر «مدنس»، وإنما هو ما تميّز عن نظائره باتصال مخصوص بالحضور الإلهي أو التجلي الإلهي أو البركة الإلهية. فالقداسة، بهذا المعنى، ليست مجرد صفة تقع على أحد طرفي ثنائية النظافة والدنس، وإنما تمييز واستثناء واصطفاء يطرأ على شيء كان، من حيث أصله المادي، واحدًا من أشياء كثيرة تشبهه.
وهذا الفارق ذو دلالة بالغة. فإذا كان المقدس هو ما اكتسب خصوصيته بهذا التمييز الإلهي، فإن نقيضه المنطقي لا يكون بالضرورة «المدنس»، وذلك لأن الوادي الآخر الذي لم يشهد ما شهده طوى ليس، لهذا السبب وحده، واديًا مدنسًا. والصخرة التي لم تقع في ذلك المكان ليست مدنسة، والشجرة التي لم تكن جزءًا من ذلك المشهد ليست مدنسة، وسائر الأرض التي لم تسمَّ في ذلك السياق «مقدسة» لا تتحول تلقائيًا إلى أرض مدنسة. إنها ببساطة “غير مقدسة” بهذا المعنى الخاص.
وهنا يظهر الخلل الذي قد ينشأ عن تحويل «عدم الصفة» إلى “صفة مضادة”. فعدم القداسة شيء، والدنس شيء آخر.
وإذا قلنا إن شيئًا ما لم يكتسب صفة استثنائية، فهذا لا يعني أنه اكتسب الصفة المضادة لها. فالإنسان الذي لم يُكرَّم بوسام ليس مذمومًا بالضرورة، والمكان الذي لم يُصطفَ لغرض مخصوص ليس ملعونًا، والشيء الذي لم يوصف بأنه مقدس لا يصبح بمجرد ذلك مدنسًا.
وهذه ملاحظة قد تبدو لغوية صغيرة، لكنها تقود إلى مشكلة معرفية أكبر بكثير، ألا وهي نزوع العقل البشري إلى صناعة الثنائيات قبل التحقق من طبيعة المفاهيم التي تتكون منها! فنحن نفترض أولًا وجود قطبين، ثم نعيد تفسير المفاهيم لكي تتلاءم مع الثنائية التي افترضناها. وحين لا نجد الضد جاهزًا، قد نبحث عن كلمة تؤدي وظيفته، أو نوسع معنى كلمة موجودة، ثم نبدأ في جمع الأمثلة والشواهد التي تؤكد التقابل الذي صنعناه نحن ابتداءً. وبمرور الزمن يُنسى الافتراض الأول، ويبقى البناء الذي أقيم فوقه، حتى يبدو وكأنه حقيقة كامنة في الأشياء نفسها لا في الطريقة التي صنفنا بها الأشياء!
وهنا تصبح اللغة أكثر من وسيلة لوصف الواقع؛ فقد تتحول إلى آلة لصناعته في أذهاننا! فنحن لا نقول فقط: هذا «أ» وذاك «ب»، وإنما نفترض أن «ب» هو نقيض «أ»، ثم نبدأ في رؤية العالم من خلال هذا التضاد. وبعد ذلك قد تنشأ منظومات كاملة من الأحكام والقيم والتصورات اعتمادًا على علاقة لم نتأكد من وجودها أصلاً.
ولذلك فإن مثال «المقدس والمدنس» يمكن أن يتحول إلى “منهاج استرشادي” أوسع في التعامل مع اللغة والمفاهيم. فكلما قيل لنا إن هذه الكلمة هي ضد تلك، ينبغي ألا يكون سؤالنا الأول: ما الأمثلة التي تثبت هذا التضاد؟ بل ينبغي أن يسبق ذلك سؤال أكثر جذرية: هل عرفنا، أولًا، ماذا تعني الكلمة التي نبحث عن ضدها؟ ثم يأتي السؤال الثاني: هل مفهومها من النوع الذي يمتلك ضدًا أصلًا؟ ثم الثالث: هل ما نسميه ضدًا يمثل نقيض الصفة فعلًا، أم يمثل مجرد غيابها؟ فالفرق بين «ضد الصفة» و«غياب الصفة» ليس تفصيلًا لغويًا هامشيًا، وإنما قد يكون فارقًا معرفيًا حاسمًا. فالظلام، مثلًا، لا ينبغي أن يُعامل بالطريقة نفسها التي نعالج بها كل تقابل دلالي آخر، والجهل ليس بالضرورة صورة معكوسة بسيطة للعلم، وعدم الجمال ليس مساويًا تلقائيًا للقبح، وعدم الخير لا يتحول في كل حالة إلى شر، كما أن عدم القداسة لا يستلزم الدنس. وقد يكون جانب معتبر من أخطائنا المفهومية قد بدأ بهذه الحركة البسيطة، وذلك بوضعنا كلمة أمام كلمة، ثم رسم سهم بينهما وكتابة كلمة «ضد» فوقه! وما أن نفعل ذلك حتى يبدأ العقل في إنتاج النتائج. ثم ننسى أننا نحن الذين رسمنا السهم!
من هنا تصبح مراجعة الأضداد التي ورثناها أو اصطنعناها جزءًا من مراجعة أوسع لطريقة إنتاجنا للمعرفة نفسها. فليس المطلوب أن نشك في كل تضاد لغوي، وإنما أن نرفض منح التضاد صفة البداهة قبل فحص طرفيه كل على حدة. فعلينا أن نبدأ بالأصل قبل الضد، وبالمعنى قبل المقابلة، وبالسياق قبل التصنيف.
وإذا كان «المقدس» في الدلالة التي تبينها الآيات هو ما اكتسب تميزًا مخصوصًا باتصاله بالتجلي والبركة الإلهيين، فإن العالم لا ينقسم تبعًا لذلك إلى مقدس ومدنس. فقد تكون هناك فئة ثالثة، وهي في الحقيقة الأوسع بما لا يقاس، وهي الأشياء التي ليست مقدسة ولا مدنسة، وإنما هي الأشياء في حالتها العادية التي لم يلحقها ذلك التخصيص. وهكذا تنهار الثنائية بمجرد أن نعيد تعريف أحد طرفيها.
ولعل هذه هي العبرة الأهم، فقبل أن نفتش عن ضد الكلمة، ينبغي أن نتأكد أننا لم نخطئ في فهم الكلمة نفسها. فكم من «ضد» لم يكن ضدًا إلا لأننا احتجنا إلى خانة مقابلة، وكم من ثنائية بدت لنا كامنة في بنية العالم بينما لم تكن كامنة إلا في بنية لغتنا، وكم من أمثلة سقناها لإثبات علاقة لم نكتشفها في الأشياء، بل صنعناها أولًا ثم عدنا إلى الأشياء نبحث فيها عما يصدقها.
فالحذر من نحت الأضداد إذاً هو ليس ترفًا لغويًا، بل هو شكل من أشكال “الانضباط المعرفي”. فالكلمات لا تمنحنا الحق في اختراع العلاقات بين الأشياء لمجرد أن بنيتها تسمح لنا بذلك. وقبل أن نسأل: ما هو ضد هذه الكلمة؟ ربما كان الأجدر بنا أن نسأل ما الذي تعنيه هذه الكلمة حقًا؟ وهل لها ضد أصلًا؟

أضف تعليق