
عندما أصدر المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل تود كتابه “هزيمة الغرب” (La Défaite de l’Occident)، فإنه لم يقدم مجرد قراءة جيوسياسية متخصصة، بل أحدث زلزالاً فكرياً وسجالياً في الأوساط الغربية والعالمية. ولقد تعرض الكتاب فور صدوره لسيل جارف من الهجوم والتشكيك، وهو هجوم لا يمكن فهمه بعمق إلا بفرز مستوياته وتفكيك خلفياته الثقافية والنفسية، مع التوقف الواعي عند السياق المعقد الذي ولدت فيه هذه الطروحات.
ولتفسير هذا الهجوم الشديد، يجب البدء باستحضار جوهر المفارقة التي يطرحها الكتاب؛ إذ ينطلق تود من تحليل أنثروبولوجي وديموغرافي قاسي يرى أن الغرب لا يعاني مجرد أزمة سياسية أو تعثر عسكري عابر في أوكرانيا، بل يخوض مرحلة من التفكك البنيوي. ويعزو ذلك إلى تراجع الأخلاق البروتستانتية التي شكلت عماد الرأسمالية والديمقراطية الغربية، مما أدى إلى حالة من “العدمية الثقافية” والأوليغارشية المالية؛ حيث تتحكم قلة من افراد المجتمع بمعظم ثروة البلد.
وفي المقابل، يسلط الكتاب الضوء على صمود الهيكلية الإنتاجية لروسيا وحضورها الديموغرافي والتقني الموجه نحو التصنيع، مفنداً السردية السائدة عن عزل الموقف الروسي، ومؤكداً أن الغرب هو من يعزل نفسه أطلسياً.
ولقد صدَم هذا الطرح المشهد الإعلامي والأكاديمي الغربي على مستويين:
1. المستوى الإيديولوجي: اختراق خطير للسردية الرسمية للتحالف الأطلسي حول حتمية انتصار القيم الغربية.
2. المستوى المنهجي: الاعتماد على حتمية استقرائية تربط بين المؤشرات الديموغرافية (كمعدلات وفيات الرضع) وبين مصائر العروش والدول.
وعند فحص السجال الحاد الذي وجهه نقاد الكتاب، يتضح أن جزءاً كبيراً منه يفتقر إلى الرصانة العلمية والموضوعية والحياد التحليلي، بل ينطلق في أغلبه من “ذات مجروحة” صدمها تود في مكمن كبريائها القومي والفكري.
إن المركزية الغربية، التي استقرت لقرون وتغذت بعد نهاية الحرب الباردة على وهم “نهاية التاريخ”، تعجز عن تقبل أن تشخيص أفولها يجري بأدوات مفكر من قلب البيئة الثقافية الفرنسية والحديث هنا ليس عن صوت “خارجي”، بل عن عقليّة غربية تسبر غور أزمتها الداخلية، ولذلك كان المسلك الأسهل للإعلام والنخب العابرة للتخصصات هو شخصنة السجال ووسم تود بـ “بوق الكرملين” أو الترويج للدعاية الروسية، بدلاً من مناقشة الأرقام والمعطيات الإحصائية التي قدمها.
وهذا المسلك الانفعالي ينتمي لسيكولوجيا “الإنكار”؛ حيث تُستبدل الأدوات النقدية الرصينة بشتائم إيديولوجية، وذلك لأن اعتراف هذه النخب بصحة قراءة تود يعني الإقرار بانهيار النموذج الذي بنوا عليه شرعيتهم وكبرياءهم الهوياتي!
لكن، وفي إطار الرد على هذا الجدل، يجب ألا ننسى أن قوة أطروحة تود لا تعفيه من النقد العلمي المنهجي الذي يخدم الفكرة بدلاً من إلغائها. فالسردية المضادة للانتقادات لا تعني التبصيم المطلق لكل ما ورد في الكتاب، بل إعادة تذكير النقاد بأن تود لم يكن يوماً منجماً، فهو رجل إحصاء وأنثروبولوجيا له تاريخ حافل بالاستقراء الناجح (كما حدث عندما توقع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1976 بناءً على مؤشرات وفيات الأطفال). إن قراءة تود للبنية الاجتماعية والدينية للغرب ليست مجرد انطباعات صحفية، بل هي بناء لمفاهيم تحذيرية تستحق التفنيد بالأرقام الموازية وليس بالاتهامات السياسية!
وهنا نصل إلى جوهر الرؤية النقدية الواعية، والتي تقضي بوجوب توخي الحذر الشديد عند قراءة ومناقشة كتب من هذا النوع. فالحرب الروسية – الأوكرانية ليست مجرد مواجهة عسكرية على رقعة شطرنج إقليمية، بل هي صراع جيوسياسي متعدد الأبعاد فرض حالة من “اللاأدرية الاستراتيجية (Strategic Agnosticism) ” فنحن أمام مشهد يتسم بتداخل الخنادق واشتباك الساحات، حيث تختلط العقوبات الاقتصادية بالحروب السيبرانية، والإيديولوجيا بالديموغرافيا، وتتضارب مصالح الدول وتتداخل الأهداف بين أطراف الملف (الولايات المتحدة، أوروبا الشرقية والغربية، روسيا، والصين).
وهنا لابد من التشديد على واحدة من أهم سمات المشهد الاستراتيجي الذي فرضته الحرب الروسية – الأوكرانية، والتي تتمثل في ضبابية النتيجة النهائية.
وفي مثل هذا المناخ الملبد بالدعاية والحرب النفسية، تتداخل رغبة الباحث في المعرفة المجردة بالضغوط الاستراتيجية للميدان. ولذلك، فإن حسم النتائج بـ “الهزيمة المطلقة” أو “الانتصار المكتمل” يظل مخاطرة تحليليّة.
إن الدرس الأهم الذي يستفاد من السجال الذي يثيره كتاب “هزيمة الغرب” لا يكمن فقط في صحة توقعات إيمانويل تود من عدمها، بل في الكشف عن درجة الهشاشة الفكرية التي أظهرتها النخب الغربية في تعاطيها مع النقد الذاتي.
فتداعيات هذه الحرب هزت بالضرورة الركائز الاستراتيجية والاجتماعية للتحالف الأوروبي – الامريكي. وسواء انتهت الحرب بتسوية سياسية أو باستنزاف طويل الأمد، فإن الغرب لن يعود كما كان قبلها. والقراءة الحصيفة هي التي تتجاوز ردود أفعال “الذات المجروحة” لتتأمل بجدية وموضوعية في التحذيرات البنيوية التي أطلقها تود، دون أن تقع في فخ الحتميات المسبقة، في زمن أصبحت فيه “اللاأدرية الاستراتيجية” هي الحقيقة الوحيدة المؤكدة.
