تفنيد قرآني للمزاعم القائلة بأن «السجلات الآكاشية» فيها علمٌ بأحداث المستقبل

ثمة فارق بالغ الدلالة المعرفية بين القول بإمكان وجود أثرٍ للماضي، والقول بوجود سجلّ للمستقبل. فالقول الأول يمكن تصوره من الناحية المنطقية. فما وقع قد وقع بالفعل، وما حدث في الماضي أصبح جزءًا من تاريخ الوجود، ولذلك لا تنطوي فكرة بقاء أثر أو معلومة أو سجل لحدث سابق على تناقض زمني في ذاتها. أما المستقبل فالأمر مختلف جذريًا؛ إذ إننا لا نتحدث عن واقعة حدثت ثم حُفظ خبرها، وإنما عن واقعة لم تقع بعد، ومع ذلك يُزعم أن تفاصيلها موجودة سلفًا في سجل يستطيع بعض البشر النفاذ إليه وقراءته!
وهنا تحديدًا تظهر المشكلة التي تجعل الادعاء المتعلق بـ«السجلات الآكاشية» أكثر من مجرد فرضية غيبية غير مثبتة. إذ يتحول، عند النظر إليه من داخل التصور القرآني، إلى إشكال يتعلق بطبيعة العلم بالغيب نفسه: لمن يكون؟ وهل هو خاص بالله، أم أنه مخزون كوني مفتوح يمكن لبعض المخلوقات الوصول إليه؟
تقوم الفكرة المتداولة عن «السجلات الآكاشية» Akashic Records، بصيغها الروحية والباطنية المختلفة، على تصور وجود ما يشبه مستودعًا كونيًا للمعلومات، تُحفظ فيه وقائع الوجود أو خبراته، بل ويذهب بعض المتبنين لهذه الفكرة إلى أن هذا السجل يتضمن معلومات تتعلق بالمستقبل، وأن بعض الأشخاص يستطيعون، عبر حالات خاصة من الوعي أو التأمل أو الممارسة الروحية، الوصول إلى شيء من تلك المعلومات.
ولا تعنينا هنا مناقشة جميع الصيغ التي ظهرت بها هذه الفكرة تاريخيًا، ولا إثبات وجود مثل هذه «السجلات» أو نفيه من الناحية العلمية. فما يعنينا هو سؤال أكثر تحديدًا مفاده: هل يمكن، وفق التصور القرآني للغيب، أن يوجد مستودع كوني متاح للمخلوقات يحتوي على أحداث المستقبل قبل وقوعها؟ والجواب الذي تقود إليه الآيات القرآنية يبدو شديد الوضوح. يقرر القرآن العظيم قاعدة حاسمة في هذا الباب: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} (النمل: 65).
واللافت هنا اتساع الصياغة القرآنية: “من في السماوات والأرض”. فالآية الكريمة لا تحصر نفي العلم بالغيب بالإنسان، بل تجعل القضية أوسع من ذلك؛ إذ أنها تتناول المخلوقات الواقعة ضمن عالمي السماوات والأرض.
وبذلك يصبح السؤال المتعلق بالسجلات الآكاشية أكثر إحراجًا: فإذا كانت أحداث المستقبل مسجلة في مستودع كوني يستطيع بعض البشر الاطلاع عليه، فبأي معنى يبقى علم الغيب مختصًا بالله؟
إن المشكلة ليست في وجود «السجل» فحسب، بل في إمكان الوصول إليه. فإذا كان إنسان يستطيع أن يعرف منه ما سيقع غدًا أو بعد عام، فإننا نكون قد افترضنا عمليًا وجود طريق إلى الغيب لا يقوم على إخبار الله بهذا الغيب، وإنما على مهارة بشرية في النفاذ إلى مستودع سابق للمعلومات. وهذا تحديدًا ما يصعب التوفيق بينه وبين التصور القرآني.
ويذهب القرآن العظيم أبعد من ذلك حين يقدم مثالًا شديد الدلالة في قصة موت النبي سليمان: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (سبأ: 14).
وهذه الآية الكريمة ذات أهمية استثنائية لمناقشة مزاعم من هذا النوع؛ لأن الجن، في المخيال الإنساني، هم المرشحون الأكثر سهولة لنسبة المعارف الخفية إليهم. ومع ذلك يذكر القرآن العظيم هذه الواقعة نفسها في سياق ذي صلة بنفي قدرتهم على معرفة الغيب. فلو كان ثمة مستودع كوني للوقائع الخفية يستطيع كائن ما أن يلج إليه بمعزل عن الوحي والإخبار الإلهي، لكان الجن، بحسب هذه الفرضية، من أول المرشحين لذلك. لكن القرآن العظيم يُشير الى جهلهم بموت النبي سليمان على أنهم لا يعلمون الغيب.
والأكثر دلالة أن القرآن العظيم يضع هذا الحد حتى حين يذكر الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم: {قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} (الأنعام: 50). ويقول كذلك: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} (الأعراف: 188). وهنا نصل إلى معيار قرآني بالغ الدلالة المعرفية: لو كان العلم بالمستقبل قدرة يستطيع الإنسان اكتسابها بالارتقاء الروحي أو ببلوغ حالة مخصوصة من الوعي، لكان الأنبياء أولى الناس بها. لكن القرآن العظيم يجعل النبي الكريم نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم يعلن أنه لا يعلم الغيب من ذاته.
وهذا يقلب منطق «السجلات الآكاشية» رأسًا على عقب؛ لأن الفكرة الشائعة عنها تجعل الوصول إلى المعرفة الغيبية نتيجة قدرة لدى المتلقي، بينما يجعل القرآن العظيم المعرفة الغيبية، حين تصل إلى مخلوق، نتيجة إرادة لدى الله الذي يكشف منها ما يشاء. والفرق بين الأمرين جوهري.
وقد يعترض معترض بأن القرآن نفسه يخبرنا بأن بعض الرسل عرفوا أشياء غيبية. وهذا صحيح، لكنه لا ينقض القاعدة، بل يوضحها. فيقول القرآن العظيم: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} (الجن: 26–27). فلاحظ دقة التعبير: “غَيْبِهِ”. فالغيب ليس قاعدة بيانات مستقلة عن الله تعالى يدخل إليها من استطاع الوصول. فالغيب غيب الله، وهو الذي يُظهر عليه من يرتضي من رسول.
إذاً هناك فرق حاسم بين عبارتين: “فلان يعلم الغيب”، و: “الله عَلَّم فلانًا شيئاً من الغيب”. فالأولى تنسب القدرة المعرفية إلى المخلوق، أما الثانية فتبقي مصدر المعرفة واختيار ما يُكشف منها وتوقيته ومقداره بيد الله تعالى. وهذه التفرقة ضرورية لأنها تمنع الخلط بين الوحي وادعاءات استكشاف المستقبل بواسطة وسائط كونية مفترضة.
ويقول القرآن العظيم: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} (الأنعام: 59). فصورة «المفاتح» هنا شديدة الدلالة عند مقارنتها بفكرة السجلات الأكاشية. فإذا كانت هناك «مفاتح للغيب»، فإن القرآن لا يقول إنها موزعة بين البشر بحسب درجات صفائهم الروحي، ولا إنها مودعة في مستوى أعلى من الوعي يمكن التدرب على بلوغه، وإنما يقول ببساطة: “وعنده”.
أي إن نقطة الوصول نفسها ليست مملوكة للمخلوق.
ولهذا فإن الإشكال في ادعاء قراءة المستقبل من «السجلات الآكاشية» ليس مجرد غياب الدليل على وجود تلك السجلات؛ بل أن بنيتها المفهومية، إذا قيل إنها تتيح للبشر معرفة أحداث المستقبل بصورة مستقلة عن إخبار الله تعالى، تصطدم مباشرة بالبنية القرآنية لمفهوم الغيب.
ومع ذلك ينبغي التفريق بين ادعاءين مختلفين. فإذا افترض شخص، افتراضًا محضًا لا إثباتًا، أن في الكون أثرًا ما للأحداث التي وقعت، أو أن بعض المعلومات المتعلقة بالماضي يمكن أن تبقى محفوظة بصورة لا نعرف طبيعتها، فإن هذا الادعاء لا يساوي بالضرورة ادعاء معرفة المستقبل! فالحدث الماضي وقع بالفعل. وقد توجد آثاره في وثيقة، أو ذاكرة، أو مادة، أو ضوء وصلنا متأخرًا، أو بنية فيزيائية تحمل بعض نتائج وقوعه. كما أن حدثًا يجري الآن في مكان بعيد قد يكون «غائبًا» عنا من حيث معرفتنا البشرية من دون أن يكون مستقبلًا في ذاته! أما الحدث المستقبلي فهو شيء آخر.
ومن هنا لا يصح الانتقال منطقيًا من القول: “قد توجد معلومات محفوظة عن الماضي”، إلى القول: “إذاً يمكن أن توجد صفحات تحتوي تفاصيل المستقبل”. فالنتيجة الثانية لا تلزم عن المقدمة الأولى! بل أن القرآن العظيم يرسم للمستقبل حدودًا معرفية شديدة الوضوح، ومن أجمل أمثلتها قوله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} (لقمان: 34). فليس المقصود مجرد أن الإنسان لم يكتشف بعد طريقة معرفة ذلك، وكأن تطور تقنيات الوعي قد يمنحه هذه القدرة يومًا ما؛ بل تُعرض المسألة ضمن «علم الساعة» وما ينفرد الله بعلمه، لتصبح حدودًا في طبيعة العلاقة بين علم الخالق وعلم المخلوق.
وربما هنا تقع المفارقة الفلسفية الكبرى في فكرة “السجل المستقبلي”. فالسجل، في مفهومه المعتاد، تابع للواقعة: يقع الحدث ثم يمكن تسجيله. أما «سجل المستقبل» فيعكس العلاقة؛ حيث تصبح الواقعة مسجلة قبل أن تقع. وقد يستطيع المؤمن بعلم الله تعالى السابق أن يقول إن الله يعلم ما سيكون قبل وقوعه؛ لكن ذلك لا يعني أن علم الله تعالى قد تحول إلى شيء منفصل عنه، إلى مكتبة كونية يستطيع الإنسان الدخول إليها وقراءة “صحف الغد”.
وهذه نقطة ينبغي التشديد عليها. فعلم الله بالمستقبل لا يستلزم وجود نسخة كونية متاحة من علم الله تعالى بالمستقبل. فالانتقال من الأولى إلى الثانية قفزة استدلالية هائلة لا يوجد ما يبررها. فالقرآن يثبت العلم لله تعالى، لكنه لا يحول هذا العلم إلى «أرشيف» مستقل تستطيع المخلوقات الاتصال به.
ويبقى السؤال الذي يمنح فكرة السجلات الآكاشية شيئًا من جاذبيتها: ماذا نفعل بالحالات التي يزعم أصحابها أنهم تنبؤوا بشيء ثم وقع بالفعل؟ والإجابة العلمية والمنطقية الأولى ليست القفز مباشرة إلى فرضية وجود سجل للمستقبل. فالاحتمال، والمصادفة، والتنبؤ المبني على قرائن، والعبارات الفضفاضة القابلة لإعادة التأويل بعد وقوع الحدث، والانتقاء من عدد كبير من التنبؤات، وتذكر التوافقات ونسيان الإخفاقات، كلها احتمالات ينبغي استبعادها منهجيًا قبل الانتقال إلى تفسير غيبي.
ومن المنظور القرآني، حتى وقوع خبر مستقبلي صحيح على لسان شخص لا يبرهن بذاته على وجود «السجلات الآكاشية». فالنتيجة لا تثبت الآلية المفترضة التي قيل إنها أنتجتها. فأن يقول شخص شيئًا ثم يقع لا يعني منطقيًا أنه قرأه في سجل كوني؛ فالغيب ليس معلومة ضائعة تنتظر من يعثر عليها!
ولعل الخطأ الأعمق في فكرة السجلات الآكاشية، عند قراءتها قرآنيًا، أنها تعيد تعريف الغيب من غير أن تنتبه إلى ذلك.
فالغيب يصبح فيها أشبه بمعلومة موجودة في مكان ما، لا ينقص الإنسان سوى العثور على عنوانها. وهذا يختلف جذريًا عن مفهوم الغيب في القرآن العظيم.
فالغيب ليس غرفة مغلقة يستطيع الإنسان، بعد تدريب كافٍ، أن يعثر على مفتاحها. وليس طبقة من طبقات الكون يستطيع الوعي المتقدم اختراقها. وليس مكتبة فوق زمانية يستطيع بعض «القراء» تصفح مجلداتها. فالغيب هو حد معرفي بين الخالق والمخلوق، لا يُرفع منه إلا ما شاء الله تعالى أن يكشفه. ولهذا نقرأ في القرآن العظيم: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}. ولم يقل إن هناك طبقة ثالثة بين الغيب والشهادة اسمها المعلومات الكونية التي يستطيع بعض البشر الوصول إليها.
عندئذ يصبح افتراض وجود «سجل آكاشي» يحتوي أحداث المستقبل، ثم افتراض قدرة بعض البشر على قراءته بوسائل روحية خاصة، ليس مجرد إضافة بريئة إلى التصور القرآني، وإنما هو تغيير عميق في بنية مفهوم الغيب نفسه، وذلك لأنه ينقل المستقبل من علم يختص به الله تعالى، ويكشف منه ما يشاء، إلى معلومة كونية مخزنة يستطيع بعض البشر الوصول إليها. وبين التصورين فارق لا يمكن تجاوزه بتغيير المصطلحات.
ولعل السؤال الحاسم الذي ينبغي توجيهه إلى كل من يقول إن إنسانًا عرف المستقبل من «السجلات الآكاشية» هو: إذا كان القرآن العظيم يقول: «لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله»، ويقول: «وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو»، فبأي معنى يمكن أن توجد مفاتيح أخرى في يد الإنسان تتيح له فتح سجل المستقبل؟ فقد يبقى الماضي أثرًا، وقد يبقي الحاضر البعيد عنا مجهولًا، وقد يكتشف الإنسان غدًا من وسائل استعادة المعلومات ما لا نعرفه اليوم. أما المستقبل، في التصور القرآني، فليس كتابًا سبق أن كُتب ثم أُودع في مكتبة كونية تنتظر قارئًا ماهرًا. إنه من الغيب؛ والغيب، قبل أن يكون مسألة معلومات، هو في القرآن حدٌّ يرسم موضع الإنسان من العلم، وموضع علم الله تعالى من الوجود.

أضف تعليق